أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - ذاكرة النهر في رواية (أبناء آنو) لسلام أمان














المزيد.....

ذاكرة النهر في رواية (أبناء آنو) لسلام أمان


فيحاء السامرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8302 - 2025 / 4 / 4 - 00:42
المحور: الادب والفن
    


لو كان للماء ذاكرة مزعومة تتراوح، كما يُقال، بين 5-6 أشهر، فلا ريب أن ذاكرة الإنسان الذي يعيش قرب النهر ستهيمن عليه طيلة حياته، وهذا ما حدث للمؤلف سلام أمان في روايته (أبناء آنو)، الذي أمسك، كما يذكر إيلوار (بموج النهر مثل قيثارة)، ودوّن ما جرى له عند شاطئ الحلّة أيام الطفولة والصبا من ذاكرة متراكمة متواشجة مع بيئتها، لا تنفك تراوده وتجعله متماهياً مع مكان عاش فيه ومازال يحنّ اليه، يناجي اسمَها ويعتبر نهرها، (رمزاً، يتجاوز في حجمه الماء بين شاطئين، ص 7)، وصوّر المدينة كــ (صديقة الشط) وبمثابة (شريكة حياته)، وبأن النهر (يتوسد قلبها الدافئ ويرويه بمياه ذكورته) ويمضي متسائلاً، (هل أنا واقع بغرام الحلّة؟)، وبذلك يكون قد وظّف جريان النهر استعارياً، باعتباره شريان حياة للمدينة، وأشار اليه كمصدر حي للطاقة، وكدلالة على النماء ودورة الحياة المتدفقة التي لن تتوقف طالما هو يكون جارياً، وجعله بالتالي شاهداً ومستودعاً لأسرار أهل المدينة ، تجرف أمواجه أوجاع المعذبين والعشّاق والمهمشّين والخائبين على أرضها.

تتمدد ذاكرة المؤلف السردية بأوجاعها وطرافتها في كل فصول الرواية، عن طريق نسج تأريخ حي لسيرة حياة السارد فارس خليل، ومعها سير غيْرية لآخرين، (وليد صديقه، مجيد، جعفر، أبيه، أخته)، ويتخذ في معظم الفصول، من صوت الأنا شكلاً للقص، تاركاً بعض الفصول للراوي العليم والمتحدث بضمير الغائب، ليتمازج البناء السردي ما بين سارد متكلم وراوي، بهدف التنويع في تقنية السرد وتقديم الحدث والشخصيات.
تمثّل شخصيّات الرواية نماذج إنسانية شائعة وفريدة بالوقت نفسه لجمع من سكان تلك المدينة، وتبوح عمّا يعربون عنه من هموم وعادات وصفات وعوالم فكرية ووجدانية، كالفقر وشرب الخمر والمسامرة ومتابعة الأخبار الرياضية والعشق، في سيرورة عاكسة لسلوكيات ونفسية أغلب ناس تلك المدينة، ماراً على ما كان يجري من متغيرات في أمور سياسية واجتماعية أبان فترة أواخر الستينات والسبعينات.. ويركّز المؤلف على شخصية صديقه (وليد) المتفرد في اللون والمقدرة الجسمانية والمهارة الرياضية والحسابية وطيبة النفس، وعلى ما يثار حول أصله من مجهولية وتكهنات ولغط، وظفّها المؤلف من أجل إضفاء عنصر الغموض والتشويق على سير القص الروائي، معتبراً أن حادثة اكتشاف هذا الطفل الأسود في قارب بالنهر وتطور قواه الجسمية والعقلية، ما هي إلّا دليل على كونه ابن الشط كما كان يشاع، وبالتالي تجري أمور غامضة تؤكد البعد الغرائبي والفانتازي لتلك الشخصية الاستثنائية بدليل نهايتها غير المعروفة، وقد تمثّل دور النهر هنا في استيلاد بشر خارقين متميزين، ليعود له الفضل في تشكيل الأحداث.

تتناثر في صفحات الرواية أفكار الكاتب وآراؤه السياسية حول المجتمع الطبقي وافتقاره إلى العدالة الاجتماعية، وحول إيمانه بجدوى النضال الذي لا يمكن أن يكون عبثاً، إذ هو يمتلك برأيه، قدرة ما (تفعله قطرات الماء من مكان عال في صخرة) من تأثير زمني طويل فّعال، ويعرّج المؤلف كذلك على حال المرأة آنذاك، وما فيه من نماذج ناهضة كالرياضية (نهلة)، وخائبة بسبب الظرف الاجتماعي والسياسي أمثال (غصون ونورا).. يأتي ذلك كله محبوكاً في لغة مسبوكة بسلاسة متدفقة مثل نهر المدينة، وبجمل طويلة تتماهى مع زمن بطيء الإيقاع وواقعي للمكان- الحلة، رغم أنها تكون مفعمة بالحيوية وتخدم غرض السرد في وظيفتها التوصيلية للأحداث وللمعنى، وتتضمن أيضاَ غرضاً جمالياً آخر، حيث أنه أثّثها بالكثير من الكنايات والتشبيهات البلاغية، كقوله (مثل خيط فضة يرتق الشقوق)، (كأنها فصوص من الشذر تطوق جيل حسناء، ص 10)، وغير ذلك من النصوص الشعرية والأغاني التي اتخذت طابعاً وظيفياً يزودّ النسيج اللغوي بجمالية، ويدّل على شغف المؤلف بالأشياء الموصوفة، ولم يأت استخدامها لمجرّد التزويق والزخرفة.
استند المؤلف على أهم عناصر بناء النص السردي، التي تجلّت في الحبكة والحوار وبيئة الفضاء السردي من زمان ذي دلالات معينة، ومكان ركزّ فيه على مفاصل وأسماء لأماكن مشهودة في الحلّة، إضافة إلى استناده على عنصر اللغة المذكورة والتي خفّف من تقريريتها قدر الإمكان، وكما نلاحظ كذلك تراوح بناء النص بين السرد والحوار في أغلب الصفحات.

في اعتقادي أن اختيار (أبناء آنو) كعنوان للرواية، يرمز الى أبناء الرب، والى حضارة غابرة عظيمة احتضنها هذا النهر، وإلى الإله آنو، إله السماء والخلق، الذي كان يشرف على تلك البقعة مع ابنه مردوخ، وكما نعلم، وُسمت بابل بكونها بوابة الآلهة، الذين غضبوا على أهلها لتطاولهم في بناء برج عال حسب بعض الكتب التاريخية.. أما وليد فيرتبط على نحو ما، بخرافة أو افتراض يتعلق بعودة الأنناكي للعالم وإنزاله بعض الأشخاص للأرض، بسبب جهل الناس لأصل ذلك الطفل واكتشافه للوهلة الأولى في قارب بالنهر، ولامتلاكه بمرور الزمن، صفات خارقة نوعاً ما، إضافة الى الطريقة الغامضة لاختفائه.. ومع كل هذه التفسيرات، فأن ما يهم هو ذاكرة المدينة وذاكرة النهر، وذكرى لاسعة لصديق الطفولة ذاك، والذي غدا بالنسبة للراوي، مصدراً للطاقة الإيجابية ومنبعاً لذكرى صداقة طريفة وحميمة، وكرمز استعاري لرحلة الحياة بتناقضاتها وثنائياتها، خلّده في روايته وفي قلب ذاكرته، يدعوه الى التساؤل بالنهاية، هل ستفي الصفحات القليلة الباقية في دفتر مذكراته بعدد السنين الباقية من عمره؟



#فيحاء_السامرائي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقل الحنين والذاكرة في رواية لؤي عبد الإله(جاذبية الصفر)
- قطوف من -خزامى- سنان أنطون
- الثيوديسيا الأرضية وإشكالية الشر في رواية حصى الشاطئ
- تلك هي الأيام
- تباريح مياه متيبسة
- تباريح مياه متيبسة
- رواية -رجال ما بعد منتصف الليل- وعالم المدينة الداخلي
- ألوان في سماء قاتمة.. قراءة في رواية - أجنحة في سماء بعيدة-
- زيارة الى أبي لهب
- فوق (العاقول) مشّاني زماني... (على ضوء حوار الاستاذ سعدون مح ...
- مسرّة صغيرة
- رواية -مولانا-.. بين عنصر التشويق وزحمة الأفكار
- رقصة الصيادين
- يا لون الرحيل !
- ثرثرة في ساونا
- من أدب الرحلات.. الصين
- ني هاو تشاينا
- عالم سائل
- الحصير والهجير
- هجير وهجران


المزيد.....




- -نيويورك تايمز- تنشر فيديو لمقتل عمال الإغاثة في غزة مارس ال ...
- سفير ايران لدى موسكو: الثقافة والفن عنصران لاستقرار العلاقات ...
- الرواية القناع.. توازي السرد في -ذاكرة في الحجر- لـ كوثر الز ...
- وزير الخزانة الأمريكي: زيلينسكي -فنان ترفيهي- محاط بمستشارين ...
- بعد هجوم النمر.. دعوة برلمانية في مصر لإلغاء عروض الحيوانات ...
- صدور لائحة اتهام ثالثة في حق قطب موسيقى أمريكي (صور)
- المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب يستضيف وفدا طلابيا أميركيا ف ...
- مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة الأبحاث وأخلاقيات ا ...
- الشرطة البريطانية توجه خمسة اتهامات جنسية لفنان كوميدي شهير ...
- -ترويكا-- برنامج جديد على RT يفتح أمامكم عوالم روسيا


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - ذاكرة النهر في رواية (أبناء آنو) لسلام أمان