أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فرحة العيد ؟














المزيد.....

مقامة فرحة العيد ؟


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8301 - 2025 / 4 / 3 - 14:48
المحور: الادب والفن
    


قال ابن الأعرابي : (( سمّي عيدًا لأنّه يعود كلّ سنة بفرح متجدد )) , وفعلا كان العيد يتجلى بأيامه القليلة , فيغرس في القلوب فرحة طويلة , تملأها حبًا وسعادةً , ولم تكن فرحة العيد , فرحة للصغير دون الكبير أو الغني دون الفقير , بل هي فرحة تعمّ الجميع , وبعد ان تثقلنا الدنيا بهمومها وأحزانها , يغمرنا العيد بفرحته لينسينا ما قاسينا من الهموم والأحزان , وتزهر فرحته في قلوبنا كما يزهر الورد في الربيع , فتبعث في نواحيه شذاه الفواح وعطره الفريد.

بدأ الكثيرون في السنوات الأخيرة , يشعرون بأن فرحة العيد لم تعد كما كانت في السابق , ربما بسبب تغير نمط الحياة , فمع التطور التكنولوجي , أصبح الناس يقضون أوقاتًا أطول أمام الشاشات , مما قلل من التواصل الاجتماعي المباشر الذي كان يميز العيد, وأصبحت الحياة أكثر انشغالًا , مما يقلل من الوقت المتاح للاحتفال والتواصل مع العائلة والأصدقاء , وتغيرت القيم الاجتماعية , فأصبحت المظاهر المادية تحتل مكانة أكبر في الاحتفال بالعيد , مما قلل من التركيز على الجوانب الروحانية والاجتماعية , وأصبح الناس أكثر فردية , مما قلل من الرغبة في المشاركة في الاحتفالات الجماعية , اضافة للضغوط المالية التي تجعل من الصعب على بعض الأشخاص الاحتفال بالعيد بالطريقة التي يرغبون فيها , فقد تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى زيادة التوتر والقلق , مما يؤثر على القدرة على الاستمتاع بالعيد.

لم يمرّ العيدُ هذا العام على شعوب عربية كفرحة روحية , بل كجرسٍ يوقظ الأحزان , مر على السوريين بعد مرحلة الأسد في دولة ما زالت تزيل آثار الدمار والتشرد والمدن التي تئن تحت ذكريات المعتقلات والبراميل المتفجرة , ومعها بارقةُ أمل لمستقبل أفضل , بينما كانت غزةُ تستقبل العيدَ بالتكبيرات بين أنقاض البيوت , وعلى أطلال الأسر التي حصدتها آلة الحرب , وفي السودان ما زالت الحرب الأهلية توقد النيرانَ في المدن , والنازحون استقبلوا العيد في الخيام , وفي اليمن وليبيا , تستمر المعاناة بلا انقطاع , وتمرُّ الأعياد وسط حرب , وانقسام مستمر, وغياب المستقبل , وفي العراق كانت هناك خلافاتٌ مستمرة حتى في فرحة العيد.

يبرز في هذه الأيام سؤال : (( لماذا ضاعت فرحة العيد في بعض الدول ؟)) , وتكاد تتفق الإجابات على أنَّه لا فرحة ولا تنمية ولا استقرار من دون أمنٍ , وغيابُ الأمن هو نتيجة غياب الدولة , وما من دولة انهارت مؤسساتها إلا وكانت البداية تفريطاً في السيادة , وتساهلاً مع التدخلات الخارجية , تلك التدخلات التي تأتي تارة تحت شعار (المساعدة) , وتارة أخرى باسم (التوازن) , فتتحوَّل هذه القوى إلى شريك في القرار , ثم متحكم في المصير , فالسيادة الوطنية ليست ترفاً سياسياً , بل هي أساس بقاء الدولة , ومصدر قوتِها , وهي تعني القدرةَ على اتخاذ القرار بحرية , من دون وصاية خارجية , لبناء مشروع وطني نابعٍ من إرادة الشعب لا من مصالح الآخرين .

نبَّهنا ابن خلدون في مقدمته حينما قال : (( إنَّ الملك إذا دخلت عليه الغلبة من خارج ذاته , خرج عن حقيقته )) , العيد الحقيقي يبدأ باستعادة القرار, وهو ليس مجردَ طقوسٍ دينية , أو مظاهر احتفالية , بل هو تعبيرٌ عن الشعور بالأمن , والأمان , والسيادة , فلا معنى للعيد إن غاب الأمان , والعيد الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الأوطان سيادتها الكاملة , وتسترجع الشعوبُ قرارها , ويُبنى الإنسانُ قبل الحجر, أما من دون ذلك , فستمر الأعيادُ كما مرّت على المعتمد بن عباد , آخر ملوكِ الطوائف في الأندلس , حين نُفي عن ملكه وأهله , ووقفَ يرثي مجدَه الضائع : (( فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسروراً , وكان عيدُك باللذاتِ معموراً , وكنتَ تحسب أنَّ العيد مسعدةٌ فعدتَ فيه كئيبَ النفسِ مكسوراً )) , ذكرى ألم وحنينٌ لمجدٍ لم يعد.

كانت أعياد جيلنا في الطفولة جميلة للغاية , واليوم عندما نتسترجع ذكرياتنا , نتسائل : (( أين تلك الفرحة؟)) , ونشعر بالحنين إلى تلك الأيام , ومع حلول عيد الفطر المبارك بداية هذا الأسبوع , طغى على الذاكرة مشهدُ المعتمد بن عباد , وأبياته التي ذكرناها , والتي نظمها من منفاه في السجن , ولم تكن مجردَ رثاءٍ لحاله , بل تكاد تكون مرآةً لحال أوطان تتآكل مجدداً , وتفقد سيادتها , وتستقبل الأعياد بالكآبة لا بالفرح , قد يكون السبب أننا كنا ننظر إلى الأشياء بإيجابية في طفولتنا , ونفرح بأقل الأمور , ولهذا كانت تلك الأيام تبدو أجمل , لكن مع تقدّمنا في العمر, بدأ طعم الأعياد يتلاشى , بسبب الحروب الكبرى , والاضطرابات , والمآسي التي تعصف ببلداننا , والعالم الإسلامي , ودول الجوار والعالم بأسره , لقد مرَّ العيد على تلك شعوبنا المنكوبة , ولكنَّ ناسها لم ينالوا المسرة , مثلما قال إيليا أبو ماضي : (( أقبل العيد ولكنْ ليس في الناسِ المسرَّهْ)) .
أتمنى لك عيدًا سعيدًا.

صباح الزهيري .



#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة زئير المعري .
- مقامة كرسي العراق .
- مقامة العجمي و الأعجمي .
- مقامة جنود العسل .
- مقامة المرورة .
- مقامة الصلع .
- مقامة أحلام .
- مقامة الدبلوماسية .
- مقامة وقار العشق .
- مقامة الفطنة .
- مقامة النخالة .
- مقامة البروكرستيَّةُ .
- مقامة يوم تهكسسوا .
- مقامة غبش الوطن .
- مقامة الفضفضة .
- مقامة الدونكيشوتية .
- مقامة الكلاوجي .
- مقامة الزلك .
- مقامة تهويمات سوريالية .
- مقامة المجرشة .


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة فرحة العيد ؟