صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8300 - 2025 / 4 / 2 - 10:12
المحور:
الادب والفن
مقامة زئير المعري :
قال ياقوت الحموي ان الصحابي النعمان بن بشير الأنصاري اجتاز مدينة المعرة , فمات هناك ودفن بها , فسميت المدينة بأسمه , وهي مدينة مشهورة كبيرة قديمة , بين مدينتي حماة وحلب , وقد نسب المعري إلى مدينة معرة النعمان , ونقل ياقوت من شعر المعري في ترجمة مدينة معرة النعمان قوله , وقد رحل إلى بغداد: (( فيا برق ليس الكرخ داري وإنما رماني الدهر منذ ليال , فهل فيك من ماء المعرة قطرة تغيث بها ظمآن ليس بسال؟)) , والشاعر هو أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان. ولد سنة 363هـ نشأ في بيت علم ووجاهة , عربي النسب من قبيلة تنوخ اليمانية , كان من دعاة الفاطميين الذين يقدسون العقل , وتلقى من علوم اللغة والأدب والفقه وغير ذلك من قضايا الفكر والثقافة والحضارة والتاريخ , وقد عكس شعره هذه الملامح من وجوه معرفته ومتابعاته , وكان يعتاش من وقف صار إليه يغنيه عن الناس , وكان يلقب نفسه لانقطاعه (( رهين المحبسين الدار, والعمى )) , وعاش زاهداً في الدنيا , ومنع نفسه من اللحوم وكل ما ينتج منها , ومن شعره في قصيدته الذائعة قوله في شأن الموت والحياة : (( غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد , وشبيه صوت النعي إذا قيــس بصوت البشير في كل ناد , تعب كلها الحياة فيما أعـجب إلا من راغب في ازدياد , إن حزناً في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد , خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد , إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد )) .
يقول الدكتور طه حسين في كتابه ( تجديد ذكرى أبي العلاء) : (( حين أطل القرن الرابع من الهجرة على الناس دخلت سلطة الخليفة في بغداد طورها الأضعف عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً , فقوي بذلك الضعف أمر عرب البادية في الشام , وأصبحوا يتسامون إلى الملك , ومن هؤلاء صالح بن مرداس الكلابي أمير بني كلاب وزعيمهم , وقد دخل حلب سنة اثنتين وأربعمئة في خمسمئة من فرسان قومه , يريدون من حاكمها الصلات والجوائز, وقد طمعوا فيه , واستهانوا بسلطته , ولكن حاكم حلب أمر بغلق أبواب المدينة , وقتل من بني كلاب مئتين وأسر أكثر من مئة , وفيهم زعيمهم صالح بن مرداس حُبس في قلعة حلب , ثم يقول ابن الأثير في رواية الحادثة , أن حاكم حلب عمد إلى إذلال صالح بأن أكره أهل إحدى زواجاته الجميلات ويقال لها جابرة على الزواج منه , فرضيت في سبيل إطلاق أهلها من الأسر, احتال صالح بن مرداس للخلاص من سجنه , وهرب إلى قومه , ثم عاد إلى محاصرة حلب في ألفي فارس من بني كلاب يضيقون الحصار على حاكمها حتى استسلم , وانصرف صالح وقد ظفر من الثأر والمال وإضعاف خصمه وإذلاله بما أراد , وبعد بضع سنين من تلك الحادثة تحالف صالح بن مرداس الكلابي وحسان بن مفرج الطائي وسنان بن عليان على أن يقتسموا البلاد , فيمتلك صالح حلب إلى عانة على الفرات , ويملك حسان الرملة الفلسطينية إلى مصر, وتكون دمشق الشام إلى سنان)) .
أجمع المؤرخون الذين ترجموا حياة فيلسوف المعرة وعصره , أن حادثة سياسية كانت بينه وبين صالح بن مرداس أمير بني كلاب , جرت وقائعها في معرة النعمان , سنة ثماني عشرة وأربعمئة , وقد أشار فيلسوف المعرة إليها في أكثر من موضع في لزومياته, بعضهم يقول إن أهل معرة النعمان تمردوا على صالح , فحاصرهم , فلما ضيق عليهم شفعوا إليه فيلسوف المعرة فقبل شفاعته , ولكن لمَ عصوه وتمردوا عليه؟ يقول ابن العديم في كتابه ( الإنصاف والتحرّي في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعرّي) , أن امرأة دخلت جامع المعرة صارخة تستعدي المصلين على صاحب الماخور الذي أراد اغتصابها , فنفر كل من في الجامع , وهدموا الماخور ونهبوا ما فيه , وكان صالح بن مرداس الكلابي في نواحي صيدا فأسرع إلى هناك , وعسكر بظاهر المعرة وشرع في قتالها ورميها بالمنجنيق , واعتقل من أعيانها سبعين رجلاً , إقامة لهيبة السلطان , وأرسل رسوله الى وجهائها يعرض عليهم الاستسلام وإلا فالإجتياح سيتم صبيحة اليوم التالي , هنا استنجد أهالي المعرة بشاعرهم العظيم ( ابي العلاء المعري ) الذي كان قد طعن بالسن آنذاك وطلبوا منه الخروج لملاقاة المرداسي وان يطلب منه إخراج المعرة من خارطته التوسعية , شعر أبو العلاء بالحرج لخوفه من بطش صالح بن مرداس الذي يسمع عنه , إلا ان ضغوط قومه أجبرته على القيام بهذه المهمة التي لا يعرف نتيجتها , وقيل لصالح : إن باب المدينة قد فتح وخرج منه أعمى يتوكأ على قائد له , فقال صالح : هو أبو العلاء , فدعوا القتال للنظر ماذا يريد؟ ودخل فيلسوف المعرة على صالح فأكرمه وشفّعه , واستنشده , فارتجل أبياتاً جاءت في اللزوميات : (( تغيبت في منزلي برهة/ ستير العيوب فقيد الحسد/ فلما مضى العمرإلا الأقل/ وحُمَّ لروحي فراق الجسد/ بعثت شفيعاً إلى صالح/ وذلك من القوم رأي فسد/ فيسمع مني سجع الحمام/ واسمع منه زئير الأسد )) , ورد عليه القائد : (( بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد )) , ثم سأله عن حاجته فأخبره بها , فأصدر أمراً بالانسحاب , وترك معرة النعمان لأهلها , وهكذا تراجعت سلطة العسكر أمام سلطة مفكر حر, ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم , واستمدَّ من تلك الثقافة رموزها الفلسفية , فأنضجها في أتون العقل , وصنع منها مشروعاً حضارياً عملاقاً نستطيع القول إنه ما زال حياً إلى يومنا هذا , وهي حالة نادرة , أن يتراجع عسكري أمام فيلسوف.
تشعب المعري في تساؤلاته وشكوكه أبان شرخ شبابه , ومثله من يملك عقلاً جباراً لابدَّ أن يجعل من الشك أساساً لليقين , ومن اقواله الشهيرة : ((هفتْ الحنيفة ُ والنصارى ما اهتدتْ ***ويهودُ حارتْ والمجوسُ مضللة , اثنان أهلُ الأرض ِذو علــــم ٍ بلا *** دين ٍ وآخــــر دينٌ لا عقـــل لـــه )) , وقد اعتزل طيلة نصف قرن , وحدثتْ في عصره الحروب والفتن بين الحمدانيين والفاطميين , وغزوات الروم , وحصار أسد الدولة صالح بن مرداس لمعرّته الجميلة ( كما قدمنا ) الذي أفحمه بأبياته الرائعة بعد إلحاح أهلها لخروجه إليه , وهذه المرة الأولى والأخيرة التي خرج فيها من منزله طيلة اعتزاله , فرجع الصالح خجولا خائبا , فكان هو الأسد , وكان أسد الدولة هو الحمام , باعتراف الصالح الهمام .
صباح الزهيري .
#صباح_حزمي_الزهيري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟