أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خليل إبراهيم كاظم الحمداني - الخوف من الحرية: بين التاريخ والفلسفة وعلم النفس والأدب















المزيد.....

الخوف من الحرية: بين التاريخ والفلسفة وعلم النفس والأدب


خليل إبراهيم كاظم الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8294 - 2025 / 3 / 27 - 14:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة
‏-‏ لطالما كان الخوف من الحرية موضوعًا محوريًا في الفكر الفلسفي والسياسي والنفسي، إذ يتأرجح الإنسان بين رغبته في ‏التحرر من القيود وبين خوفه من تبعات هذه الحرية، التي تضعه أمام مسؤوليات لا يستطيع دائمًا مواجهتها. إن ‏الحرية ليست مجرد انعتاق من القيود الخارجية، بل هي اختبار لقدرة الإنسان على اتخاذ قراراته وتحمل عواقبها. وهنا ‏تكمن المفارقة الكبرى: فالتحرر قد لا يكون دائمًا مصدرًا للراحة، بل يمكن أن يصبح عبئًا نفسيًا يدفع البعض إلى ‏البحث عن ملاذ في أشكال جديدة من العبودية أو التبعية‎.‎
‏ الهروب من الحرية: حين يصبح التحرر عبئًا وجوديًا ‏
‏-‏ في عالمٍ تتغنى فيه الحضارة الحديثة بالحرية كأعظم مكاسب الإنسانية، يجرؤ إريك فروم في كتابه "الهروب من ‏الحرية" على كشف تناقض مدهش وأثبتت التجارب انه اكتشاف مثير ويتعلق بكون الخوف من الحرية أعمق في ‏النفس البشرية من الخوف من العبودية ذاتها. ‏
‏-‏ إنها مفارقة وجودية تكشف عن الجرح الإنساني الأعمق: فنحن نناضل من أجل التحرر، لكننا عندما نحققه، نجد ‏أنفسنا عاجزين عن تحمل تبعاته. كمن يحلم طويلاً بالطيران، ثم إذا به يرتعد خوفاً عندما يصبح الفراش مفتوحاً ‏تحت قدميه. ‏
في مختبر الحرية: رحلة الوعي المتمرد
‏-‏ الحرية امتحان صعب، ليست مساحة رحبة للانطلاق فحسب، بل ساحة معركة داخلية مستمرة. فيها يقف الإنسان ‏وحيدًا أمام خارطة غير مُحدَّدة المعالم، يحمل بين يديه بوصلة الاختيار المرهقة‎.‎
‏-‏ كل لحظة اختيار هي وخز إبرة في جسد الوعي. نحمل ثقل القرارات ووزر الأخطاء الممكنة ، نترنح تحت وطأة احتمالات ‏لا نهائية. المسؤولية تتسلل كظل ثقيل، تحاصرنا من كل الجهات. لسنا مجرد عابرين ، بل و بإمتياز نحن القادة ‏والجنود والخرائط في آن واحد. نحن من يرسم المعنى، من يخترع التفاصيل، من يصنع السرد‎.‎
‏-‏ الوحشة تنبت كزهرة سوداء في فراغ اليقينيات المنهارة. تلك المعتقدات الراسخة التي كانت تمنحنا الاطمئنان تتساقط ‏واحدة تلو الأخرى، كأوراق خريف متساقطة. نكتشف أنفسنا في صحراء مفتوحة، حيث لا خرائط ثابتة وَلا معالم ‏مضمونة‎.‎‏ لكن في قلب هذه الوحشة، في رعب هذا الفراغ، تولد إمكانية جديدة. إمكانية إعادة اختراع الذات، وولادة ‏معنى مختلف، وتأسيس عقد وجودي جديد مع الحياة‎.‎
‏-‏ الحرية ليست نزهة، بل مغامرة. مغامرة عنوانها شجاعة غير عادية للوقوف أمام اللامعروف، وقبول الغموض، ‏والتسامح مع عدم اليقين‎.‎

‏-‏ ولهذا، وكما يشير فروم، نرى البشرية تتخبط في حلقة مفرغة: تثور ضد القيود، ثم تهرع لتبحث عن قيود جديدة ‏عندما تصبح الحرية عبئاً لا يحتمل. إنه هروب من الذات قبل أن يكون هروباً من الظلم. ‏
‏-‏ في هذا السياق، تصبح العبودية الحديثة أكثر دهاءً: فهي لا تُفرض بالسلاسل، بل نطلبها نحن بأنفسنا، وندفع ثمنها ‏بابتسامة، ونسميها اختياراً حراً. هل هذه هي المفارقة الكبرى للحضارة؟ أن نكون أحراراً بما يكفي لاختيار عبوديتنا؟
الحرية كـ "فراغ مخيف" ‏
‏-‏ عندما تتهاوى الأطر التقليدية — الدين، العائلة، المجتمع العضوي — التي كانت تُشعر الفرد بالانتماء والأمان، يجد ‏نفسه فجأةً حرًا تمامًا، لكنه حرٌّ في فراغ قاسٍ. هنا تتحول الحرية من انتصار إلى مأزق وجودي كمثل طائر كُسر ‏قفصه، لكنه لم يتعلم أبدًا كيف يطير. الحرية مهنة وحرفة لا يجيدها سوى الأحرار . ‏
‏-‏ فروم يصف هذا التحول بأنه "فقدان العالم الذي كان يحميه من الفوضى"، مما يدفع الكثيرين إلى البحث عن ‏ملاذات جديدة، حتى لو كانت أقفاصًا ذهبية من قبيل :‏
‏‌أ)‏ الانضمام إلى الجماعات المتطرفة. ‏
‏‌ب)‏ التماهي مع أنظمة استبدادية. ‏
‏‌ج)‏ الانغماس في الاستهلاك كبديل وهمي عن الهوية. ‏
لماذا يختار الإنسان العبودية؟ ‏
‏-‏ الحرية تعني مسؤولية: كما يقول سارتر، أنت لا تستطيع لوم "القدر" أو "الأقدار" على فشلك، فأنت صانع خياراتك. ‏هذه المسؤولية المطلقة تُرهق الكثيرين. ‏
‏-‏ الحرية تعني وحدة: حين لا تكون هناك "وصفات جاهزة" للحياة (زواج، عمل، معتقد)، يصبح الفرد مضطرًا إلى ‏اختراع طريقه يوميًا، وهذا يحتاج إلى قوة نفسية نادرة. ‏
‏-‏ الحرية تعني شكًّا دائمًا: كما كتب دوستويفسكي في "الإخوة كارامازوف"، "إذا لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح"، ‏لكن هذه "الإباحة" ليس تحررًا، بل هو فوضى تدفع البعض إلى التمسك بأي يقين، حتى لو كان مستبدًا. ‏
أشكال الهروب الحديثة من الحرية ‏
‏-‏ لم نعد نرى العبودية بالسلاسل التقليدية، لكننا نرى عبودية طوعية بأقنعة متجددة: ‏
‏‌أ)‏ العبودية الرقمية: نتصور أننا أحرار لأننا نختار ما نشاهده، لكن الخوارزميات هي من تُشكل وعينا. ‏
‏‌ب)‏ عبودية الاستهلاك: نعتقد أننا نشتري ما نريد، بينما نكون مجرد ترس في آلة الرأسمالية التي تخلق "احتياجات" ‏وهمية. ‏
‏‌ج)‏ العبودية السياسية: حتى في الأنظمة "الديمقراطية"، يختار الكثيرون قادةً مستبدين لأنهم يعدونهم بـ"الأمان" ‏مقابل التخلي عن جزء من حريتهم. ‏
هل هناك مخرج؟ ‏
‏-‏ فروم لا يتركنا في اليأس؛ فهو يرى أن الحل ليس في العودة إلى الماضي، بل في "الحرية الإيجابية": ‏
‏‌أ)‏ أن تكون حرًا مع العالم، لا من العالم. ‏
‏‌ب)‏ أن تبني هويتك على الحب والإبداع، لا على الخوف أو التملك. ‏
‏‌ج)‏ أن تتحمل وحدتك كشرط لإنسانيتك، دون أن تفر منها إلى أحضان الطغاة. ‏
رقصة الحرية: اختبار الوجود
‏-‏ الحرية ما كانت يوماً برقًا عابرًا ، بل هي نهر متدفق يجري في أعماق الروح، يتحدى الصخور والعوائق. إنها ليست هبة ‏نتسلمها كوسام، بل معركة نخوضها يوميًا، رحلة متواصلة في أروقة الذات المترامية‎.‎
‏-‏ كل صباح نستيقظ، نواجه لحظة تأسيسية: إما أن نختار أن نكون صدى لأصوات الآخرين، أو أن نكتشف نغمتنا ‏الفريدة. استثنائنا الممكن ، الحرية هي ذلك الفضاء الرحب بين ما تعلمناه وما يمكننا أن نكون، بين القيود المفروضة ‏والإمكانات اللامتناهية‎.‎
‏-‏ عندما يغيب او تغييب سؤال السبب "لماذا"، تتحول الحياة إلى متاهة قاتمة. نيتشه أدرك عمق هذه الحقيقة: بدون ‏غاية روحية، نصبح عبيدًا لأي ظرف، مستسلمين لأي ظل يعبر طريقنا. الخوف من الحرية ليس سوى خوف أعمق - ‏خوف من مواجهة الذات، من رسم خريطة وجودنا بأنفسنا‎.‎
‏-‏ نحن لسنا مجرد كائنات تعيش، بل مشاريع حية متجددة. كل يوم هو فرصة لإعادة اكتشاف أنفسنا، لكسر القيود ‏التي نضعها، وللتحليق بعيدًا عن المألوف‎.‎
‏-‏ الحرية ليست وجهة، بل طريق. طريق يتطلب شجاعة المغامرة، وعزيمة المستكشف، وإيمان المتصوف‎.‎
السياق التاريخي والإنساني
‏-‏ عبر التاريخ، مرت البشرية بتحولات عميقة زادت من الحرية الفردية، لكنها في المقابل قوضت الأطر التقليدية التي كانت ‏توفر الأمان والانتماء. لم تكن هذه التحولات مجرد أحداث تاريخية، بل كانت بمثابة زلازل فكرية وثقافية غيرت مفهوم ‏الإنسان عن نفسه ومكانته في العالم‎.‎
‏-‏ عصر النهضة والإصلاح البروتستانتي‎: ‎عززا من الفردانية، محملين الإنسان مسؤولية أكبر عن مصيره الروحي ‏والدنيوي، مما ولّد شعورًا بالاغتراب لدى كثيرين ممن لم يعتادوا على استقلال القرار‎.‎
‏-‏ الثورة الصناعية‎: ‎نقلت الإنسان من بيئة زراعية مألوفة إلى مدن صناعية ضخمة، حيث تحول من كائن يشارك في ‏الإنتاج المجتمعي إلى مجرد ترس في آلة اقتصادية كبرى‎.‎
‏-‏ الحداثة وما بعدها‎: ‎أتاحت إمكانيات غير مسبوقة للفرد، لكنها في الوقت ذاته جردته من يقينيات الماضي، وجعلته ‏يواجه أسئلة وجودية صعبة حول هويته ودوره في عالم يتغير بسرعة‎.‎
العزلة والقلق واللجوء إلى السلطة
‏-‏ كلما زادت الاستقلالية الفردية، تنامى الشعور بالعزلة والقلق، مما دفع كثيرين إلى البحث عن اليقين في أشكال جديدة ‏من العبودية الطوعية، مثل‎:‎
‏‌أ)‏ الانقياد للأنظمة الاستبدادية التي تعد بالاستقرار مقابل الطاعة العمياء‎.‎
‏‌ب)‏ الارتماء في أحضان الأيديولوجيات الصارمة، التي تقدم إجابات جاهزة تغني الفرد عن التفكير المستقل‎.‎
‏‌ج)‏ الغرق في النزعة الاستهلاكية، حيث يصبح الامتلاك بديلاً عن الحرية الحقيقية‎.‎
‏-‏ ويمكن هنا الإشارة الى ان صعود النازية والفاشية في القرن العشرين يُفسَّر جزئيًا بخوف الجماهير من حرية لم ‏يستطيعوا تحمل تبعاتها، ففضلوا الخضوع لزعيم قوي يوجههم، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حقوقهم ‏الأساسية‎.‎
الأبعاد الفلسفية لمفهوم "الخوف من الحرية": رحلة الفكر الإنساني مع ثنائية التحرر والعبودية
‏-‏ لطالما شكّلت العلاقة الجدلية بين الحرية والخوف منها واحداً من أكثر الإشكاليات الفلسفية إثارةً للتفكير، حيث ‏نجد أن جذور هذا المفهوم تمتد عميقاً في تربة الفكر الإنساني عبر العصور. فعندما نغوص في أعماق التاريخ ‏الفلسفي، نكتشف أن إريك فروم لم يكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من المفكرين الذين انشغلوا بهذا التناقض ‏الإنساني المدهش.‏
الجذور الفلسفية لمفهوم الحرية : من اليونان إلى عصر النهضة‏
‏-‏ في الحضارة اليونانية القديمة، نجد البذور الأولى لهذا الفكر عند أرسطو الذي نظر إلى الحرية لا كمجرد تحرر ‏مادي من القيود، بل كمسؤولية أخلاقية جسيمة. لقد أدرك الفيلسوف اليوناني أن الكثيرين يفضلون العيش ‏تحت وصاية الآخرين، ليس بسبب ضعفهم الجسدي، بل لأن تحمل مسؤولية الحرية يتطلب قوة نفسية ‏وأخلاقية تفوق قدرة الإنسان العادي. وكأن أرسطو كان يلمح إلى أن الحرية الحقيقية هي امتياز لا يستحقه إلا من ‏بلغ درجة عالية من النضج الفكري والأخلاقي.‏
‏-‏ أما الرواقيون وعلى رأسهم إبيكتيتوس، فقد قدموا رؤية أكثر عمقاً لهذه الإشكالية. لقد رأوا أن العبودية ‏الحقيقية تكمن في العقل لا في الجسد، وأن الإنسان يمكن أن يكون حراً حتى وهو في الأصفاد. لكنهم في الوقت ‏نفسه أدركوا المأزق الإنساني: فمعظم الناس يخافون من هذه الحرية الداخلية لأنها تتطلب انضباطاً ذاتياً صارماً ‏وانتصاراً على الرغبات والأهواء. وكما قال إبيكتيتوس: "لا يتوق إلى الحرية سوى الأحرار، أما البشر العاديون ‏فيتوقون إلى السلاسل المذهبة".‏
‏-‏ مع تحول أوروبا إلى العصور الوسطى، اتخذ هذا المفهوم أبعاداً لاهوتية. فالفيلسوف توما الأكويني مثلاً رأى أن ‏الخوف من الحرية هو نتاج الخطيئة الأصلية، حيث يفضل الإنسان الأمان الروحي الزائف على مخاطر الحرية ‏المسؤولة. وفي عصر النهضة، بدأ هذا المفهوم يأخذ أبعاداً سياسية واضحة، خاصة في أعمال مكيافيلي الذي ‏لاحظ أن الشعوب غالباً ما تفضل الاستقرار تحت حكم مستبد على مخاطر الحرية السياسية.‏
‏-‏ لكن المفارقة الكبرى تظهر في عصر التنوير، حيث نجد روسو وهو أحد أبرز منظرّي الحرية، يعترف في "العقد ‏الاجتماعي" بأنه "سيُجبر الناس على أن يكونوا أحراراً"، وهي عبارة تكشف عن التناقض العميق في المفهوم. فحتى ‏أشد المدافعين عن الحرية أدركوا أن البشر قد يحتاجون إلى نوع من "الإكراه التحرري" ليتجاوزوا خوفهم الغريزي ‏من الحرية.‏
التحليل النفسي والفلسفي الحديث
‏-‏ مع ظهور التحليل النفسي، أضاف فرويد بُعداً جديداً لفهم هذه الإشكالية. ففي كتابه "قلق في الحضارة"، يرى ‏أن الحضارة الإنسانية قامت على كبت الغرائز، وأن الإنسان يخشى الحرية الحقيقية لأنها تعني مواجهة هذه ‏الغرائز المكبوتة. وهنا نجد التقاء مدهشاً بين التحليل النفسي والفلسفة الوجودية، حيث يرى سارتر أن ‏الإنسان "محكوم عليه بالحرية"، وأن هذا الحكم هو مصدر القلق الوجودي الأساسي.‏
‏-‏ أما هوركهايمر وأدورنو من مدرسة فرانكفورت، فقد وسعا هذا المفهوم ليشمل نقد العقلانية الحديثة، حيث ‏أصبحت الحرية في المجتمعات الرأسمالية شكليّة، تحولت إلى مجرد خيارات استهلاكية وهمية. لقد كشفا كيف ‏أن الإنسان المعاصر يظن نفسه حراً بينما هو في الواقع أسير أنظمة معقدة من السيطرة الاجتماعية ‏والاقتصادية.‏
‏-‏ تبين لنا هذه الرحلة الفلسفية أن الخوف من الحرية ليس مجرد حالة نفسية فردية، بل هو إشكالية وجودية ‏عميقة. فمن أرسطو إلى فرويد، ومن الرواقيين إلى مدرسة فرانكفورت، ظل السؤال قائماً: هل نستحق الحرية ‏التي نناضل من أجلها؟ وكيف يمكن أن نتعلم تحمل مسؤوليتها؟ هذه الأسئلة تظل جوهرية لفهم طبيعة ‏الإنسان ومصيره في هذا العالم.‏
العبودية الطوعية والاستلاب: حينما يصبح الإنسان سجينًا بإرادته
‏-‏ في كتابه مقال في العبودية المختارة ‏‎(1576)‎، يطرح إتيان دو لا بويسي سؤالًا لا يزال يرن صداه في أروقة الفلسفة ‏والسياسة‎: ‎كيف يمكن أن يخضع الملايين لطاغية واحد، وهم يفوقونه عددًا وقوة؟ إنه سؤال يكشف عن مأساة ‏الإنسان حين يرضى بالقيود التي تُفرض عليه، أو ربما تلك التي يصنعها بيديه‎.‎
‏-‏ يضع دو لا بويسي ثلاثة تفسيرات لهذا الانقياد الطوعي‎:‎
‏‌أ)‏ التنشئة على الطاعة منذ الطفولة‎: ‎فالإنسان، منذ نعومة أظافره، يُلقّن الخضوع كما يُلقَّن اللغة، حتى يصبح ‏الطاعة جزءًا من تركيبته النفسية، ويغدو الاستسلام للسلطة أمرًا بديهيًا‎.‎
‏‌ب)‏ الخوف من المجهول‎: ‎ذلك الخوف العميق الذي يجعله يتمسك بالقيود التي يعرفها بدلًا من المغامرة في فضاء ‏مجهول من الحرية. فالظلم الذي اعتاد عليه، مهما كان مريرًا، يظل أكثر ألفة من مجهول لا يملك السيطرة ‏عليه‎.‎
‏‌ج)‏ الإلهاء كأداة للسيطرة‎: ‎فالأنظمة الاستبدادية، عبر التاريخ، لم تحكم بالسيف وحده، بل بالخبز والمهرجانات. ‏كما في روما القديمة، حيث قُدِّم للناس "الخبز والسيرك"، فإن أنظمة اليوم تقدم استهلاكًا بلا نهاية، ‏ومسابقات عبثية، ومحتوى فارغًا، يجعلهم ينسون أسئلتهم الكبرى، وينشغلون بما هو تافه عن إدراك ‏حقيقة قيودهم‎.‎
الاستلاب عند كارل ماركس: الإنسان كسلعة
‏-‏ يذهب كارل ماركس أبعد من مجرد تفسير الطاعة، ليكشف عن ظاهرة أكثر عمقًا وخطورة‎: ‎استلاب الإنسان عن ذاته‎. ‎ففي عالم تحكمه الرأسمالية، لا يفقد الإنسان حريته فقط، بل يفقد صلته بجوهره الإنساني، ويتحول إلى ترس في آلة ‏إنتاج عملاقة. في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844، يحدد ماركس أربع درجات لهذا الاستلاب‎:‎
‏‌أ)‏ الاستلاب عن نتاج العمل‎: ‎العامل يكدّ في صنع منتج لا يمتلكه، ولا يرى فيه سوى ثمرة جهد لا يملك حق التمتع ‏بها‎.‎
‏‌ب)‏ الاستلاب عن عملية الإنتاج‎: ‎العمل لم يعد تعبيرًا عن الذات، بل مجرد وسيلة للبقاء، مما يحوّل الإنسان إلى آلة، ‏تكرر نفس المهمة بلا معنى‎.‎
‏‌ج)‏ الاستلاب عن الذات‎: ‎حين يفقد الإنسان علاقته بروحه، ويتحول إلى مجرد أداة تُستخدم وتُستهلك، يصبح غريبًا ‏عن نفسه، منكسرًا أمام آليات السوق‎.‎
‏‌د)‏ الاستلاب عن الآخرين‎: ‎تتحول العلاقات البشرية من تعاون وتكافل إلى منافسة شرسة، حيث يصبح الآخر عائقًا، ‏لا شريكًا، والربح هو القيمة العليا، لا الإنسانية‎.‎
الوجوديون: حين تكون الحرية لعنة
‏-‏ إذا كان ماركس قد رأى في الرأسمالية قوة تستلب الإنسان، فإن الفلاسفة الوجوديين رأوا في الحرية نفسها عبئًا ثقيلًا ‏قد لا يستطيع الجميع حمله‎.‎
‏-‏ جان بول سارتر يقول بحدّة‎: "‎الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا‎"‎، أي أن الحرية ليست مجرد خيار، بل هي قدر لا ‏فكاك منه، يحمل معه مسؤولية ثقيلة. فبمجرد أن يدرك الإنسان أنه حر، يصبح مسؤولًا عن كل قراراته، وكل فشل، ‏وكل طريق لم يسلكه. وهي مسؤولية مرعبة، تجعل الكثيرين يهربون إلى أوهام السلطة أو الدين أو العادات، كي ‏يتخففوا من هذا العبء القاسي‎.‎
‏-‏ فرانز كافكا، في روايته المحاكمة، يعكس هذا الخوف من الحرية، حيث يجد البطل نفسه متهمًا دون أن يفهم السبب، ‏لكنه لا يحاول المقاومة، بل يخضع للبيروقراطية الغامضة، وكأنما هو مسجون برضاه، يفضل القفص على مواجهة ‏مجهول الحرية‎.‎
نيتشه وإرادة القوة: تجاوز الخوف
‏-‏ يأتي فريدريك نيتشه ليقلب الطاولة على هذه الفلسفات، فهو لا يرى الحرية عبئًا، بل قوة كامنة لا يجرؤ على تفعيلها ‏إلا القليلون‎.‎
‏-‏ في منظوره، الخوف من الحرية ليس إلا جزءًا من أخلاق العبيد، حيث يفضّل الإنسان الانصياع لجماعة توفر له ‏الأمان على أن يتحمل مسؤولية مصيره‎.‎
‏-‏ أما السوبرمان، فهو النموذج الأعلى للإنسان الذي يكسر قيوده، ولا يخشى تحمّل المسؤولية الكاملة عن وجوده. إنه ‏من يخلق قيمه الخاصة، ويرفض أن يكون تابعًا، متجاوزًا خوفه إلى تحقيق إرادة القوة‎.‎
‏-‏ العبودية الحديثة: حين يكون القيد غير مرئي
‏-‏ هربرت ماركيوز، في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، يكشف عن شكل جديد من العبودية، لا يحتاج إلى سجون أو ‏سياط، بل يتخفى تحت قناع الحرية الزائفة‎.‎
‏‌أ)‏ الاستهلاك كآلية للسيطرة‎: ‎يُقنع النظام الإنسان بأنه حر طالما يستطيع شراء ما يريد، بينما هو في الحقيقة غارق في ‏ديون وقروض، يعمل بلا انقطاع ليحصل على أشياء لا يحتاجها‎.‎
‏‌ب)‏ الثقافة الجماهيرية كأداة للترويض‎: ‎الإعلام لا يُخبر الإنسان بحقيقته، بل يغرقه في ترفيه فارغ، يبقيه منشغلًا، ‏فاقدًا القدرة على التساؤل والتمرد‎.‎
كيف نكسر قيودنا؟
‏-‏ إذا كانت الحرية مخيفة، فكيف نواجه هذا الخوف ونتجاوزه؟ يقترح إريك فروم في الهروب من الحرية ثلاث خطوات ‏للخلاص‎:‎
‏‌أ)‏ الوعي بالاستلاب‎: ‎أن يدرك الإنسان كيف تتحكم الأنظمة في وعيه، وأن يسأل نفسه: هل اختياراتي نابعة مني حقًا، ‏أم أنها مفروضة علي بطريقة غير مرئية؟
‏‌ب)‏ الشجاعة لمواجهة القلق الوجودي‎: ‎التحرر ليس راحة، بل هو تحدٍّ يتطلب قوة داخلية لمواجهة أسئلة الذات ‏والمصير‎.‎
‏‌ج)‏ رفض العبودية الناعمة‎: ‎سواء تجلّت في شكل استبداد سياسي، أو استهلاك مفرط، أو خوف من المسؤولية، فإن ‏تجاوزها يتطلب شجاعة التفكير والتغيير‎.‎
‏-‏ خاتمة: هل نحن مستعدون لتحمل مسؤولية حريتنا؟
‏-‏ يبقى السؤال الأخير‎: ‎هل الحرية خيار أم عبء؟‎
إنها ليست هدية تُمنح، ولا لعنة تُفرض، بل هي معركة يخوضها الإنسان مع ذاته قبل أن يخوضها مع مجتمعه. ‏البعض يهرب منها، يفضّل قفصه المريح، والبعض الآخر يواجهها، ولو بثمن باهظ. في النهاية، ليس السؤال هل ‏نريد الحرية، بل: هل نملك الشجاعة لحملها؟



#خليل_إبراهيم_كاظم_الحمداني (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنافر المعرفي وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان: صراع القيم وبر ...
- الانحيازات المعرفية وتأثيرها على القبول المجتمعي لانتهاكات ح ...
- الخيانة المقننة: كيف تستخدم الحكومات قوانين العمالة للأجنبي ...
- تعيين مستشار للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق : أزمة ...
- السيداو و التوصية 40: هل تجرؤ الحكومات على إعادة تشكيل -خرائ ...
- العراق في مواجهة التقييم الدولي توصيات الاستعراض الدوري الشا ...
- عشقٌ مشروط، ووداعٌ محسوب: أمريكا ومجلس حقوق الإنسان
- العراق في الاستعراض الدوري الشامل تحت الأضواء مجددًا.. اختبا ...
- -أن تكون مثقفًا في بلاد تحاول أن لا تموت على مهل-
- -الكرامة الغاضبة: كيف يولد الغضب الثورات ويعيد تشكيل العالم- ...
- إعادة إنتاج الاضطهاد: قراءة مادية تاريخية للعنف ضد المرأة
- الفضاء الرقمي كساحة جديدة للعنف ضد النساء قراءة تحليلية في ا ...
- الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية جدلية العلاقة وتحديات الت ...
- الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية جدلية العلاقة وتحديات الت ...
- المجال العام والحق في المدينة: قراءةٌ نقديةٌ لـ هايبرماس ولو ...
- الهشاشة المتقاطعة: العنف ضد النساء من الأقليات والفئات المست ...
- إرث الأدوار: رحلة الجندر في مجتمع مأزوم ((حيرة الجندر الحزين ...
- إرث الأدوار: رحلة الجندر في مجتمع مأزوم ((حيرة الجندر الحزين ...
- المثقفون في زمن الإلتباس : هل خانوا الكلمة أم خانتهم الكلمة؟
- أنياب السياسة وقضم حقوق الإنسان


المزيد.....




- انتشال جثامين 15 مسعفاً بعد أيام من مقتلهم بنيران إسرائيلية، ...
- إعلام: طهران تجهز منصات صواريخها في أنحاء البلاد للرد على أي ...
- -مهر- عن الخارجية الإيرانية: الحفاظ على سرية المفاوضات والمر ...
- صحيفة -لوفيغارو-: العسكريون في فرنسا ودول أوروبية أخرى يستعد ...
- الخارجية الروسية: لن ننسى ولن نغفر كل شيء بسرعة للشركات الأو ...
- -حماس-: ما يشجع نتنياهو على مواصلة جرائمه هو غياب المحاسبة ...
- ترامب يعلن عن قرار بقطع شجرة تاريخية في البيت الأبيض بسبب مخ ...
- -أكسيوس- يكشف موعد زيارة ترامب للسعودية
- حادث إطلاق نار في مورمانسك بشمال روسيا.. والأمن يلقي القبض ع ...
- ترامب: زيلينسكي يحاول التراجع عن صفقة المعادن وستكون لديه مش ...


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خليل إبراهيم كاظم الحمداني - الخوف من الحرية: بين التاريخ والفلسفة وعلم النفس والأدب