أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - قصة بعنوان -حين داعبت الشمس طفولتنا -














المزيد.....

قصة بعنوان -حين داعبت الشمس طفولتنا -


سعاد الراعي

الحوار المتمدن-العدد: 8294 - 2025 / 3 / 27 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


لم يكن شط العشار مجرد مجرى مائي يمر بهدوء في أطراف المحلة، بل كان نداءً خفياً يدغدغ أرواح الأطفال المتعطشة للمغامرة والتحرر من قيود الواقع. كان يقع على بُعد بضع دقائق فقط من بيت العائلة، ان قربه هذا لم يكن سوى إغراء إضافيًا يدفع الصغار إلى تحدي الممنوع.
في أوقات العطلات المدرسية، وتحت لهيب تموز الذي يشتد على مدينة البصرة حتى يغدو الهواء نفسه كأنه نارٌ تلفح الوجوه. كانت مجموعات الأطفال تجتمع عند الشط، حيث يفضلون السباحة في المناطق الضحلة التي عُرفت بينهم باسم "منطقة الڰياش"، تجنبًا للموت الذي كان يبتلع أرواحًا غضة في تلك المياه العميقة كل عام.
عادل وأخوه، في الثامنة والسادسة من العمر، كانا ضمن أولئك المغامرين الصغار، رغم تحذيرات الأهل المتكررة ومنعهم الصارم لهما من السباحة، لم يكن الخوف من الغرق وحده ما يطاردهم، بل أيضًا شبح الأمراض المتفشية في المياه، وعلى رأسها مرض البلهارسيا، الذي تنقله ديدان مستوطنة في قواقع الشط.
لكن الطفولة لا تعترف بالتحذيرات، فكانت براعتهم في الاحتيال تفوق قدرتهم على الالتزام.
ينزعون ثيابهم خوفًا من بللها، يسبحون بملابسهم الداخلية، بعد ان يؤمنون ثيابهم عند صديق يجلس على الرمل حارسًا أمينًا. وعندما تنتهي مغامرتهم، يغسلون أجسادهم، يجففونها ويلبسون ثيابهم، ثم يبدؤون بتجفيف ملابسهم الداخلية بوسيلة عجيبة طالما اعتقدوا بفاعليتها.
كانت تلك اللحظات التي ينتظر فيها الأطفال مرور سيارات الحمل ذات العجلات الكبيرة على الطريق المحاذي للشط، بمثابة طقوس سرية لمغامرتهم الطفولية. كان المشهد يبدو كلعبة مثيرة تتحدى قوانين الزمان والمكان؛ يُلقون ملابسهم الداخلية على الإسفلت الحارق، لتسحقها عجلات السيارات وتعيدها إليهم جافة بسرعة تكاد تكون سحرية.
ولكن المغامرات لا تكون كاملة دون تلك المفاجآت التي تحمل طعم الخيبة المرير. فعندما تعلق الملابس بالعجلات، وتنطلق السيارة دون أدنى اكتراث لصراخهم البائس وركضهم المحموم خلفها، تتجسد المأساة الصغيرة في قلوبهم اليانعة كطعنة مؤلمة. المغامر التعيس الذي يخسر ملابسه الداخلية في تلك اللعبة الخطرة، لا يجد أمامه سوى العودة إلى البيت دون "لباس" تحت "الدشداشة"، محاولًا أن يخفي أثر فشله في عينيه البريئتين.
لكن الفضيحة لا تلبث أن تنكشف. الضحكات الساخرة من أقرانه تلاحقه كأشباح تتراقص حوله، وقصته تتحول إلى مادة للتندر والتسلية في مجالس الصغار. أما الأهل، فغضبهم لا يعرف الهدوء، وعقابهم يُكتب بصرامة لا تقبل المساومة.
ومع ذلك، لم يكن لأي عقاب أن يُخمد في قلوبهم جذوة التمرد على المألوف، ولا رغبتهم الملتهبة في اكتشاف العالم بطريقتهم الخاصة. كانت مغامراتهم تلك صرخة طفولية تتحدى كل شيء، كأنها محاولة مستمرة لإثبات الوجود في عالم لم يعرفوا منه سوى الحرمان والخوف والأحلام المعلقة على ضفة شط العشّار.
في وهج ظهيرة ثقيلة، حين عاد الأب إلى البيت متعبًا من عناء العمل، غابت أصوات أبنائه المعتادة، تلك الضوضاء الطفولية التي كانت تملأ أركان المنزل حياة. سأل الأم بلهفة مكبوتة: "أين هم؟" فأجابته بتردد: "لا أدري، لعلهم يلعبون في الخارج."
زمجر بصوت يحمل قلقًا أكثر مما يحمل غضبًا: "في الخارج؟ ومن يطيق اللعب تحت هذا الحر اللافح؟" ردت الأم محاولة تبرير غيابهم: "ربما ذهبوا إلى الشط..."
"الشط؟!" كرر الأب كمن اكتشف فجأة مصدر هواجسه القاتمة. هرع خارج البيت مستشيطًا بالغضب، يكاد يشتعل كاللهب من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. وما إن لمحه صديقهم الحارس، حتى أطلق نداءه المرتعد: "عادل! أبوكم قادم!".
وصل الأب إلى الحارس وانتزع منه ثياب الولدين بعينين تقدحان شررًا. على الفور، اندفع الصبيّان مذعوران، يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الشارع، يقطعان الطريق بأقدامهما الحافية وكأنهما يهربان من قدر محتوم. اختارا ملاذًا مألوفًا: بناية المكتبة العامة بسورها الواطئ المكشوف والذي لا يصلح للاختباء، وبناية الإدارة المحلية بسورها الحجري العالي الذي توهما أنه قادر على حمايتهما من بطش أبيهما.
رآهما حارس البناية يتقافزان كطيرين جريحين، والذعر يكسو وجهيهما المحترقين من الشمس، وأجسادهما العارية المشبعة بملوحة النهر. هرعا إليه متوسلين، يتعلقان بسرواله كما يتعلق الغريق بخشبة خلاص. "أنقذنا يا عم ... أبونا سيقتلنا!".
نظر إليهما الحارس بحنان الأب الذي لم يُرزق أبناء بعد، وقال: "لماذا يريد معاقبتكما؟" لكنه أدرك سريعًا حقيقة الأمر حين استنشق رائحة النهر تفوح منهما. "آه، فهمت. لم يسمح لكما بالسباحة خوفًا عليكما، وهذا العقاب الذي تفران منه."
تشبث الولدان به كملاذ أخير، بكاؤهما ينساب كأنهار صغيرة من رجاء ويأس. وفي تلك اللحظة، اقتحم الأب المكان متقدًا غضبًا، يهدر بصوت يكاد يهدم السور نفسه: "ويلكما! إلى أين تهربان مني؟ تعالا فورًا!"
هنا تقدم الحارس بخطوات هادئة، وبصوت ملؤه الرجاء والاحترام، قال للأب: "يا اخي، أرجوك، لا تضربهما. لقد طلبا حمايتي، ووعدتهما بالأمان. أريد منك كلمة شرف، وعدًا من رجل لرجل، ألا تمسسهما بسوء."
تجمد الأب مكانه، وكأن كلمات الحارس لامست شيئًا عميقًا في روحه. أطرق برأسه هنيهة، ثم مد يده مصافحًا الحارس، وقال بصوت خافت: "وعدًا... لن أؤذيهما."
وما إن التقط الولدان همسات الوعد بين الرجلين، حتى انطلقا كطائرين أفلتا من شباك الخوف، يعدوان نحو البيت وأعينهما تلمع ببريق النجاة.
**



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة بعنوان وساطة بطعم الرماد
- - سهام الفتى عادل السليطة-
- النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء
- انبثاق الحياة من سكون الفن!
- إبرة لخيط الذكريات
- قصة :-لظى في خاصرة الطفولة-
- في حضرة الأم ووداعها.
- بين غربتين
- الخيانة الزوجية: أبعادها، دوافعها، وسبل التعامل معها
- التبني كخيار انساني


المزيد.....




- أجمل عبارات تهنئة عيد الفطر مكتوبة 2025 في الوطن العربي “بال ...
- عبارات تهنئة عيد الفطر بالانجليزي مترجمة للعربية 2025 “أرسله ...
- رحلات سينمائية.. كيف تُحول أفلام السفر إجازتك إلى مغامرة؟
- وفاة -شرير- فيلم جيمس بوند -الماس للأبد-
- الفنان -الصغير- إنزو يحسم -ديربي مدريد- بلمسة سحرية على طريق ...
- بعد انتقادات من الأعضاء.. الأكاديمية تعتذر للمخرج الفلسطيني ...
- “الحلم في بطن الحوت -جديد الوزير المغربي السابق سعد العلمي
- المدرسة النحوية مؤسسة أوقفها أمير مملوكي لتدريس علوم اللغة ا ...
- بعد تقليده بإتقان.. عصام الشوالي يرد على الممثل السوري تيم ح ...
- رواية -نجوم ورفاقها- لصالح أبو أصبع.. الذاكرة المستعادة والب ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - قصة بعنوان -حين داعبت الشمس طفولتنا -