أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشهبي أحمد - السياسي والمؤرخ: صراع الزمن والقلم















المزيد.....

السياسي والمؤرخ: صراع الزمن والقلم


الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8290 - 2025 / 3 / 23 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


يقول عبد الله العروي في كتابه "خواطر الصباح"،
« عدو رجل السياسة هو المؤرخ »
التاريخ مليء بساسة اعتقدوا أنهم يكتبون مصيرهم بأيديهم، لكنهم لم يدركوا أن القلم الحقيقي كان بيد شخص آخر: المؤرخ. السياسي يظن أنه سيد اللحظة، لكن ماذا لو كان مجرد شخصية ثانوية في رواية أكبر يكتبها من سيأتي بعده؟ ماذا لو كان كل قرار يتخذه اليوم ليس سوى مادة خام سينحتها المؤرخ لاحقًا، فيجعل منه بطلاً أو خادعًا، مُصلحًا أو مستبدًا؟ هذه هي المعضلة الحقيقية التي تُقلق رجل السياسة، وهي ما يجعل المؤرخ في نظره خصمًا أكثر خطورة من أي معارضة سياسية أو خصم انتخابي. ففي النهاية، لا أحد يملك سلطة على الزمن مثل من يكتب عنه.

عندما يقول عبد الله العروي في كتابه "خواطر الصباح" إن "عدو رجل السياسة هو المؤرخ"، فإنه يفتح أمامنا بابًا واسعًا للتأمل في العلاقة المعقدة بين السياسة والتاريخ، أو بالأحرى بين من يصنع الأحداث ومن يكتبها. هذه العبارة، في بساطتها الظاهرية، تحمل عمقًا فلسفيًا وسياسيًا يدعونا إلى استكشاف الصراع الأبدي بين الحاضر الذي يتشكل تحت أيدي السياسيين والماضي الذي يُعاد صياغته بأقلام المؤرخين. لكن ما الذي يجعل المؤرخ عدوًا لرجل السياسة؟ وكيف يمكن أن تتجلى قوة المؤرخ في مواجهة ضعف السياسي؟ لنغوص في هذا الموضوع بتأنٍ وتفكير.

رجل السياسة يعيش في لحظته، يتنفس هواء الحاضر، ويتشكل مصيره بناءً على قراراته الآنية. إنه فاعل في مسرح الحياة، يسعى للسيطرة على مجرى الأحداث، يصنع القوانين، يخوض الحروب، ويرسم التحالفات. لكن هذا النشاط المحموم يأتي مع ثمن باهظ: هشاشة اللحظة التي يعيشها. فالسياسي، مهما بلغ من نفوذ وقوة، يظل أسيرًا لظروف زمنية قد تتغير في غمضة عين. قراراته، التي قد تبدو حاسمة في لحظتها، عرضة للنقد، للتشويه، أو حتى للنسيان، إذا لم يكن هناك من يحفظها أو يفسرها. هنا يظهر المؤرخ، ليس كشاهد صامت، بل كحكم لا يرحم، يحمل في يده مرآة تعكس ما كان، وفي قلمه سلاحًا يشكل به صورة السياسي للأجيال القادمة.

قوة المؤرخ تكمن في سلطته على الزمن. بينما يعيش السياسي في الحاضر العابر، يمتلك المؤرخ القدرة على النظر إلى الوراء، جمع الخيوط المتناثرة للأحداث، ونسجها في سردية متماسكة. إنه لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يفسره، يحلله، ويضعه في سياق أوسع قد لا يراه السياسي نفسه أثناء انشغاله بتفاصيل يومه. هذه القدرة على التأويل تجعل المؤرخ خطيرًا في عين السياسي، لأنه يستطيع أن يكشف النوايا المخفية، أو يبرز التناقضات بين الخطاب والفعل، أو حتى يعيد تقييم الإنجازات التي يتباهى بها رجل السياسة. فالسياسي قد يبني إمبراطورية في عقد من الزمان، لكن المؤرخ قادر على أن يهدمها في صفحات كتاب، بكشفه عن أخطاء لم تُرَ في حينها، أو بإعادة كتابة الحكاية بطريقة تُظهر السياسي كضحية لظروفه بدلاً من صانعها.

لكن هذه القوة لا تأتي من فراغ. المؤرخ يستمد تفوقه من أدواته: المصادر، الوثائق، الشهادات، وحتى الآثار المادية التي تتركها الأحداث. بينما يعتمد السياسي على الكاريزما، الخطابة، والقدرة على التأثير في الجماهير في لحظتها، يعتمد المؤرخ على الصبر والتدقيق. إنه يشبه المنقب الذي يحفر في طبقات الزمن لاستخراج الحقائق، أو على الأقل ما يعتقد أنها الحقائق. وهنا تتجلى إحدى نقاط قوته الكبرى: المسافة الزمنية. هذه المسافة تمنحه حيادية نسبية، أو على الأقل القدرة على النظر إلى الأمور بعين أقل انفعالية من تلك التي يمتلكها السياسي المغمور في صراعات عصره. فما كان يبدو انتصارًا عظيمًا في لحظته قد يتحول، في كتابات المؤرخ، إلى بداية انهيار لم يره أحد في حينه.

في المقابل، يعاني السياسي من ضعف جوهري يتمثل في اعتماده على الصورة التي يتركها للتاريخ. مهما حاول أن يتحكم في روايته الخاصة من خلال الدعاية أو التلاعب بالأحداث، فإن مصيره النهائي يبقى بيد المؤرخ. السياسي يعيش في حالة من القلق المستمر، لأنه يعلم أن ما يفعله اليوم سيُحاكم غدًا، ليس فقط من قبل معاصريه، بل من قبل أولئك الذين سيأتون بعده بقرون. هذا الضعف يتفاقم بسبب قصر نظر السياسي في كثير من الأحيان؛ فهو مضطر للتعامل مع الأزمات اليومية، لاتخاذ قرارات سريعة قد تخدم مصالحه الآنية أو مصالح حزبه أو شعبه في المدى القصير، دون أن يكون لديه رفاهية التفكير في كيف ستبدو هذه القرارات بعد مئة عام. وهنا يكمن التناقض: السياسي يصنع التاريخ، لكنه لا يملك السيطرة الكاملة عليه.

لكن هل المؤرخ حقًا عدو السياسي؟ أم أنه مجرد مرآة تعكس ما يخشى السياسي مواجهته؟ ربما تكمن العداوة في أن المؤرخ يمتلك القدرة على تجريد السياسي من هالته، من الأسطورة التي يحاول بناءها حول نفسه. فالسياسي، في سعيه للسلطة أو المجد، قد يروج لصورة مثالية عن نفسه كبطل أو منقذ، لكن المؤرخ، بفضل أدواته التحليلية، يستطيع أن يكشف الوجه الآخر: الطموح الشخصي، الأخطاء البشرية، أو حتى الظروف التي صنعت السياسي أكثر مما صنعها هو بنفسه. على سبيل المثال، قد يصور سياسي معين انتصاره في معركة كدليل على عبقريته الاستراتيجية، لكن المؤرخ قد يبرز أن هذا الانتصار كان نتيجة صدفة أو خطأ من الخصم أكثر من كونه ثمرة تخطيط عبقري.

ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل أن المؤرخ نفسه ليس محصنًا من الانتقاد. فهو أيضًا إنسان، يحمل أفكاره، ميوله، وأحيانًا أجندته الخاصة. لكن حتى مع هذه الثغرة، يبقى في موقع قوة أكبر من السياسي، لأنه يكتب بعد أن ينتهي العرض، بعد أن تسدل الستارة على مسرحية السياسي. إنه يملك ترف الوقت، بينما السياسي يسابق الزمن. وهكذا، تظل العلاقة بينهما علاقة توتر دائم، لأن كلًا منهما يحتاج الآخر ويخشاه في آن واحد: السياسي يحتاج المؤرخ ليخلّد ذكراه، والمؤرخ يحتاج السياسي ليجد مادة يعمل عليها.

في النهاية، يبدو أن قولة العروي ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل دعوة للتفكير في طبيعة السلطة والذاكرة. السياسي، بكل قوته الظاهرية، يظل رهينة لقلم المؤرخ، ذلك القلم الذي قد يمنحه الخلود أو يرميه في غياهب النسيان. والمؤرخ، بصبره وتأمله، يحمل مسؤولية لا تقل خطورة عن مسؤولية السياسي، لأنه لا يكتب فقط ما كان، بل يشكل ما سيكون في أذهان من سيأتون بعده. فمن هو العدو الحقيقي إذن؟ ربما ليس المؤرخ بحد ذاته، بل الحقيقة التي يسعى لكشفها، تلك الحقيقة التي يخشاها السياسي أكثر من أي شيء آخر.



#الشهبي_أحمد (هاشتاغ)       Echahby_Ahmed#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزهوون بمتلاشيات الآخرين
- أنقاض الروح والكلمة: قراءة في مجموعة - تحت الركام- القصصية ل ...
- التعليم المغربي: حلم يتهاوى بين فوضى السياسة وصمت الجميع
- عبارات ملهمة: قراءة نقدية وتحليلية في أعماق الكلمة والوجود ل ...
- -ياسمين الخريف- لأحمد الشهبي: قراءة نقدية وتحليلية في المتاه ...
- -عبارات ملهمة-: سلطة الكلمة في مجموعة جواد العوالي القصصية
- عبارات ملهمة: تأثير الكلمة على أعماق الوجود الإنساني - قراءة ...
- كيكو: اغتصاب الطفولة في ظلّ ثقافة الإفلات من العقاب – مأساة ...
- تحديات الكتابة والنشر في عصر الرقمنة: أزمة قلة القراءة وصعوب ...
- غزة: الجريمةُ التي تُعيدُ تشكيلَ ضمير العالم
- الشرق الأوسط على شفا حرب إقليمية: تصعيد وتغيرات استراتيجية ت ...
- انحدار الذوق في البرامج التلفزية: بين الاستهلاك السطحي وإشكا ...
- عتمة قمم: بين حب مستحيل وواقع ثقافي متجذر- قراءة نقدية لرواي ...
- 23 مارس 1965: جراح لم تندمل وأسئلة لم تُجاب
- هل يعيد التاريخ نفسه؟
- أين اختفت النخب المثقفة؟
- حين يصير البيت عرضاً والكرامة سلعةً في سوق التيك توك
- -السلطة الرابعة في خطر: حين يتحوّل التنظيم الذاتي إلى فخّ لل ...
- التاريخ يصرخ.. لكن من يصغي؟
- -المؤمراة من صنعنا -


المزيد.....




- مستوحى من فيلم -فورست غامب-.. توم هانكس يظهر في فيديو موسيقي ...
- بعد أن أسقطت اسمه من بيانها الأول.. أكاديمية الأوسكار تعتذر ...
- التعامل الراشد مع تراث الأئمة الفقهاء.. ابن تيميّة وتراثه ال ...
- اسماء خاجه زاده مترجمة کتاب الشهيد يحيي السنوار
- أكاديمية السينما تعتذر لعدم ذكر اسم مخرج -لا أرض أخرى-
- أحمد داش ومايان السيد في فيلم -نجوم الساحل- بموسم العيد
- -مبني على قصة حقيقية-.. ويل سميث يتناول -صفعة الأوسكار- الشه ...
- الفنان ماجد المصري يحدد سبب نجاح -إش إش-
- ضد السياحة.. أيام في إسطنبول لحسونة المصباحي
- مهرجان سندانس السينمائي الأميركي ينتقل إلى كولورادو في 2027 ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشهبي أحمد - السياسي والمؤرخ: صراع الزمن والقلم