أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - مهرجان من أمنيات مؤجلة















المزيد.....

مهرجان من أمنيات مؤجلة


أوزجان يشار

الحوار المتمدن-العدد: 8287 - 2025 / 3 / 20 - 21:14
المحور: الادب والفن
    


في ليلٍ بلا صوت، تمددت فوق فراشها كغريبةٍ في منزلها، كعابرةِ سرابٍ في صحراء الروح. كان البرد يزحف بين أضلاعها، لكنه لم يكن برد الشتاء، بل برد الوحدة، برد الحاجة إلى دفء لم يعد موجودًا. أغرقت رأسها في الوسادة كأنها تغرق في هاويةٍ من صمتٍ لا نهاية له. حاولت أن تهرب، لكن الهروب كان مستحيلًا.

الجسد مستيقظ، متأجج، يصرخ في عتمته، يطالب بحقه المنسي منذ سنوات، ينادي في صمتٍ لا تسمعه إلا هي. يداها المرتعشتان امتدتا، تجرأتا، بدأت رحلة عبورها عبر جلدٍ منهك، كغريبٍ يكتشف أرضًا مجهولة.

أصابعها تلامس رقبتها أولًا، حيث كانت قبلاته القديمة، حيث مرّت ذات يوم شفاهٌ لم تعد تعرف طريقها إليها. نزعت عن كتفها قميص النوم الأسود، شعرت بنعومة الساتان ينزلق على بشرتها، كأنه يشهد سقوط حصونها أمام رغبةٍ قاسيةٍ لم تجد مخرجًا.

كانت بحاجة إلى أن تشعر بشيء، بأي شيء. أن تتأكد أنها ما زالت قادرةً على الإحساس، على الاشتعال، على الحياة. مرت أناملها على نهديها، توقفت قليلًا عند حلمتيها المنتصبتين في استنفار، شهقت، شعرت بارتجافٍ داخلي، وكأن العاطفة المحبوسة تتسرب عبر جلدها، عبر نبضها، عبر شهقاتٍ مكتومةٍ تخشى أن يسمعها حتى جدارُ غرفتها.

ضغطت أكثر، بعنفٍ هذه المرة، كأنها تعاقب نفسها، كأنها تعاقب أنوثتها التي حُرمت طويلًا من اللمسة، من الاحتواء، من التوهج. يدها امتدت إلى الأسفل، تتلمس طريقًا لم يعد يعرف الدهشة، لكنها الليلة، أرادت أن توقظ ما مات، أن تُحيي الحواس التي نامت طويلًا في انتظارِ رجلٍ لم يعد يعنيها.

كانت تتلوى فوق السرير كأفعى تبحث عن خلاصها. شهقاتها تتصاعد، أنفاسها تتقطع، لذتها تتشابك مع ألمها في سخريةٍ قاسية، كأنها تعانق رجلاً من وهم، من فراغٍ قاتل. جسدها يهتز في ارتعاشةٍ أخيرة، شهقةٌ مكتومةٌ تُدفن في الوسادة، ثم تنهيدةٌ طويلةٌ تبقى عالقة في الهواء.

لكن النشوة التي ظنت أنها ستشفيها، لم تفعل. بقيت في سريرها مطويةً كطفلة، تحاول أن تستعيد أنفاسها، لكنها لم تستطع إيقاف الدموع التي تسللت على وجنتيها. هذه ليست نشوة الانتصار، بل نشوة الخيبة. لأنها في النهاية، كانت وحيدة.

تدرك جيدًا متى توقف عن حبها. تدرك اللحظة التي أصبحت فيها مجرد شيءٍ في حياته، مجرد ظلٍّ بلا قيمة، مجرد واجهةٍ لزواجٍ بلا نبض. تعرف كل أكاذيبه، كل التفاصيل التي فضحته، العطر الذي التصق بملابسه، بقع أحمر الشفاه التي لم تكن يومًا لها. لم تعد تحتاج إلى دليل، لم تعد تحتاج إلى تأكيد.

ومع ذلك، بقيت.



ارتدت معطفها، فتحت الباب، خرجت إلى الشارع. كانت بحاجةٍ إلى هواءٍ يعيد إليها التوازن، إلى أي شيءٍ يجعلها تهرب من جسدها، من شهوتها، من انتظارها البائس لرجلٍ لم يعد لها.

مها كانت هناك، صديقتها التي تعرفها أكثر مما تعرف نفسها، المرأة التي لم تتوقف يومًا عن سؤالها:
— “لماذا تتحملين كل هذا؟ لماذا لا ترحلين؟”

نجلاء نظرت إليها، تنفست بصعوبة، وكأنها استنفدت كل الكلمات في قلبها قبل أن تهمس:
— “لأنني خائفة.”

مها لم تحتج إلى تفكير، لم تحتج إلى جدال، فقط قالت بصوتٍ هادئ لكنه قاطع:
— “خائفة من الوحدة؟ لكنكِ وحيدة بالفعل.”

لم تجد ردًا، فقط نظرت بعيدًا، حيث المدينة تغرق في ضجيجها، وحيث لم يعد يعنيها شيء.



في السوق، توقفت أمام متجر الملابس. هناك، وسط الأقمشة والألوان، لفت نظرها قميص نومٍ أحمر، قماشٌ من نار، كأنه يناديها. أصابعها امتدت إليه بلا تفكير، رفعته بين يديها، تأملته طويلًا.

لم تشتره ليحيى. لم تشتره لأي رجل.

اشترته لنفسها. لأنوثتها التي وُئدت طويلًا. لروحها التي تستحق الاحتفاء بها، حتى لو كانت وحدها. وفي طريق العودة، اشترت وردًا أحمر، ليس له، بل لها.

للمرأة التي قررت أن تعود.



في المنزل، وجدت أطفالها بانتظارها، أصوات ضحكاتهم تملأ المكان ببهجةٍ لا تشبه عالمها الرماديّ. حين طلبوا الاتصال بوالدهم، تركتهم يتحدثون، لكن عقلها كان في مكانٍ آخر.

في غرفتها، وقفت أمام المرآة. القميص الأحمر بين يديها. لم تتردد، ارتدته، نظرت إلى انعكاسها. هذه ليست “نجلاء” التي اعتادت رؤيتها. هذه امرأةٌ أخرى، تعرفها جيدًا، لكنها نسيَتها طويلًا.

رن الهاتف.
— “لن أعود الليلة، لدي عمل.”

نظرت إلى المرآة، إلى المرأة التي أصبحتها الآن، وابتسمت بسخريةٍ مريرة.
— “لا بأس، يحيى. لم أعد أنتظرك.”

وأغلقت الهاتف، دون أن تشعر بأي ألم.



جلست على حافة السرير، نظرت إلى الساعة، إلى قميصها الأحمر، إلى الحياة التي لم تعد تشبهها. فتحت التلفاز، كان صوت أم كلثوم يملأ الغرفة:

“أين من عينيّ حبيبٌ ساحر؟ فيه عزٌّ وجلالٌ وحياءُ، واثقُ الخطوة يمشي ملكًا… ظالمُ الحسنِ شجيّ الكبرياء!”

ضحكت، ضحكت طويلًا، بصوتٍ يحمل كل السخرية التي في العالم. لكن الضحك تحول إلى شهقة، ثم إلى تنهيدة، ثم إلى صمتٍ طويل.

وفي الخارج، كان صوت أذان الفجر يتصاعد، يتسلل عبر النافذة، يطرق باب قلبها المنهك.

تسمرت، التفتت إلى الزاوية، حيث السجادة مطويةٌ منذ زمنٍ بعيد. كم من السنوات مرت دون أن تلمسها؟ كم من الليالي نامت دون أن تسأل نفسها هذا السؤال؟

تحركت ببطء، وكأنها تكتشف الطريق لأول مرة. فردت السجادة، سجدت، وتركت كل شيءٍ ينهار في صمتها. لم تكن تدعو لأحد، لم تكن تسأل شيئًا، فقط جلست هناك، تراقب هدوءها، تستمع إلى نبضها، تحاول أن تجد في روحها شيئًا لم يعد مألوفًا.

حين انتهت، نهضت، توجهت إلى المطبخ، أعدت قهوتها السوداء، وأشعلت سيجارة.

خرجت إلى الشرفة، جلست هناك، تراقب العالم وهو يمضي بلا اكتراث. المارة يسيرون في الشارع كأنهم يكملون حياةً لم تتوقف يومًا من أجل أحد.

أغمضت عينيها، سحبت نفسًا طويلًا من سيجارتها، وفي الخلفية، كانت أم كلثوم تهمس:

“وأنا مالي.. وأنا مالي
إذا لم يكن هواك على هواي
روح اسأل العاشقين..
أنا قلبي مش داري بيَّ.. ولا عارف إيه حكايته معاك..!”

ابتسمت.

لأول مرة منذ زمنٍ طويل، كانت تعرف أنها بدأت تحب نفسها من جديد.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العائلات الثرية وفرضية “المليار الذهبي”: رؤية تحليلية شاملة
- تداعيات الرسوم الجمركية على الاقتصاد الأمريكي
- سلوك العمل الجماعي: بين الإبداع والاندفاع
- “برامج رامز: عبثية المحتوى وهدر المال.. متى ينتهي هذا الإسفا ...
- جماعة “الجمجمة والعظام” والرقم 322: سر النخبة الخفية
- رؤية السعودية الخضراء: خارطة طريق لتشجير المملكة ومستقبل بيئ ...
- قراءة في كتاب “عقل القائد: كيف تقود نفسك وموظفيك ومؤسستك لتح ...
- إشكالية تكيف المثقف العربي بين الاستقطاب السياسي والفكري ودو ...
- البحرين: رحلة عبر الزمن بين القلاع والأسواق والمعابد والأساط ...
- بيئة العمل المسمومة: كيف تؤثر على نجاح الشركات؟
- البلد: روح مدينة جدة القديمة
- معضلة القنفذ: فلسفة المسافة الآمنة في العلاقات الإنسانية
- الحمار المظلوم وحكمة “موت يا حمار”
- مجتمع النبل والإنسانية: دروس مستوحاة من الذئاب
- الصراع العالمي القادم على الليثيوم: وقود معركة الطاقة المستق ...
- إتقان منهج يونغ: رحلة إلى أعماق النفس البشرية
- سبينوزا وفلسفة السعادة: طريق العقل إلى الحرية
- الإحباط من الواقع قد يقتل فرص النجاح
- قواعد التعامل الاجتماعي
- مصاصي الطاقة والعلاقات السامة


المزيد.....




- افتتاح أحدث مجمع مسرحي في روسيا
- قصور الثقافة تعلن أسماء الفائزين في مسابقتي -مصر ترسم ومصر ت ...
- حين يصبح الألم إبداعا.. سوسن شوربا التي حولت التمثيل إلى مقا ...
- ثبت الآن تردد قناة روتانا سينما على القمر نايل سات وعرب سات ...
- ثبت الآن تردد قناة روتانا سينما على القمر نايل سات وعرب سات ...
- داوني جونيور وستيوارت وماكيلين أبرز العائدين إلى سلسلة أفلام ...
- بعد سنوات من مقتل مديرة تصويره على يد بالدوين.. عرض أول مقطع ...
- أم كلثوم: كيف طبعت الست وجدان الفرنسيين؟
- جامعة الدول العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربية: إرث فني يعز ...
- رسميا.. الإعلان عن تشكيل مجلس نقابة الفنانين في سوريا


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أوزجان يشار - مهرجان من أمنيات مؤجلة