إبراهيم العثماني
الحوار المتمدن-العدد: 8267 - 2025 / 2 / 28 - 22:14
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
مقـــــــــــــدّمة:
تمرّهذه الأيّام (18 فيفري2025) الذّكرى الثّامنة والثّلاثون على اغتيال حسين مروّة (18 فيفري 1987) على أيدي قوى ظلاميّة لم تتورّع عن اقتحام بيته وقتله غيلة في لحظة كانت الحرب الأهليّة في لبنان على أشدّها تغذّيها قوى إقليميّة كانت تحرّض قوى الردّة في لبنان على ارتكاب أبشع الجرائم في حقّ مناضلين ومفكّرين ماركسيين وتقدّميّين.
وحسين مروّة(1910-1987) شخصيّة متعدّدة المشاغل والأنشطة. فهو مناضل سيّاسي، وناقد أدبي، ومفكّر ماركسي ومثقف حركي نذر حياته للكلمة وللنّضال .
وبمناسبة هذه الذّكرى الأليمة نودّ أن نتوقّف عند أهمّ المحطّات الّتي ميّزت حياة هذا الكاتب ومسيرته البحثيّة.
1-من الشّيخوخة إلى الطّفولة:
ليس العنوان تلاعبا بالألفاظ أو ممازحة للقارئ بل هو صياغة مختزلة لحياة الكاتب كما ارتآها هو بنفسه. ففي حوار مطوّل أجراه معه عبّاس بيضون ونشره في كتاب تخيّر له من العناوين"ولدت شيخا وأموت طفلا".(دار الفارابي ط1/1990) نجد الجواب عن هذه المفارقة العجيبة الغريبة.
كان للوسط العائلي أثره في تحديد ملامح شخصيّة حسين مروّة الشاب. فقد كان والده رجل دين حوّل بيته إلى مزار يقصده المريدون والعلماء وطبع سلوك ابنه بميسم مخصوص.يقول متحدّثا عن دور والده في تربيته:"أخضعني لتربية صارمة النّظام والطّريقة الأمرالّذي طبع حياتي كلّها. ومن جملة ما أصابني من هذه التّربية حرماني الكلّي من طفولتي.فقد اُنتزعت منّي وأنا في الثّامنة، وفرض علي يومها زِيّ رجال الدّين (العمامة والجبّة) الأمر الّذي جعلني مضحكا في عيون أقراني. لذا اجتنبتهم وقصرت صحبتي على والدي وعشرائه وزوّاره. كنت ضيّقا بمظهري وزيّي متنبّها لما فيه من مفارقة"( ولدت شيخا وأموت طفلا ط2/2012 /ص 22/23).
ومن قضاء بيت جبيل في جبل عامل أرسله أبوه إلى النّجف (مركز زعامة العالم الشّيعي) في العراق سنة 1924ليكمل دراسته في التّعليم الدّيني (النّحو، المنطق، البلاغة والفقه). لكنّ حسين مروّة لم يكتف بالمسائل المقرّرة في البرنامج الرّسميّة فقد"تورّط" في قراءة الشّعر والأدب وتكوّنت لديه مبادئ جديدة تخالف المجرى الفكري السّائد في النّجف، كما تأثّربالاتّجاه السّياسي الوطني المعادي للاستعمار والأنظمة التّابعة.لذا تملّكته أسئلة تبعث على التّشكيك في دينه، وعاش صراعا داخليّا وتردّد بين التّعليم الدّيني والنّكوص ومن ثمّ ودّع العمامة سنة 1938 وبقي في العراق يدرّس آداب اللّغة العربية بزيّ مدنيّ.
وقد قاده ولعه بالقراءة إلى الاطّلاع على كتب جبران خليل جبران وشبلي الشميل وطه حسين والعقاد والمازني، وفي بغداد تعرّف إلى حسن الشبيبي أحد قادة الحزب الشّيوعي العراقي فأهداه نسخة من "البيان الشّيوعي" لتكون منطلقا لمرحلة جديدة ثمّ قرأ "الدّولة والثّورة" للينين وشارك في الوثبة الوطنيّة المعروفة 1948، ومن ثمّ تكوّن لديه ميل للشيوعيين يتقاطع مع نظرته المادية وموقفه الوطني (مرجع سابق ص99).
ولمّا وصل نوري السّعيد إلى الحكم طرد من العراق فعاد إلى لبنان مزوّدا بزاد معرفي جديد وبدأ مرحلة جديدة من حياته يحدوه الأمل في الإسهام في المعارك الأدبيّة والثّقافيّة الّتي بدأت تشق صفوف المثقفين العرب في مصر وسوريا ولبنان.
2-حسين مروّة النّاقد الواقعي:
يمثّل عقد الخمسينات من القرن العشرين حلقة مركزيّة في مسار الثّقافة العربيّة. فهو عقد الواقعيّة بامتياز إبداعا وتنظيرا، وكان للكتّاب العرب إسهام متميّز في هذه المرحلة إيمانا منهم بضرورة تطويرالأدب وتحديث أشكاله استجابة لمتطلّبات الواقع الموضوعي المستجد. يقول الدكتور فؤاد المرعي وإلهام طه نجار:" في الخمسينات كان ثمّة متّسع حقيقي لإنشاء أدب عربي جديد واقعي مع قيام الدّول العربيّة المستقلّة في سورية ولبنان ومصر والعراق..."(المنهج الواقعي في الحركة الأدبيّة العربيّة خلال سنوات الخمسينات"- مجلّة "المعرفة" السورية عدد302/303/1987 ص91)
وقد استند نقاد الأدب العربي إلى ما يصلهم من الأدب السّوفياتي، بعد قيام المعسكر الاستراكي، ومدرسته الواقعيّة الاشتراكيّة الّتي وجدت صدى في نفوسهم وشحذتهم على خوض معركتهم الإيديولوجيّة والدّفاع عن أطروحاتهم (كتّاب سوريا ومصرولبنان).
وفي لبنان أنشأ حسين مروّة ومحمد دكروب مجلّة"الثّقافة الوطنيّة" سنة 1951 بإشراف فرج الّله الحلو واستمرّت حتّى سنة 1959 فكان لها إسهامها في هذه المعركة الأدبيّة وكانت لها رسالتها في "تطويرالأدب الجديد في سبيل حرية الفكر العربي المتوثّب ضد كلّ محاولات تشويه ثقافتنا العربيّة وتزييف تاريخنا القومي، وضد كلّ طغيان ينصبّ على المفكّرين العرب"( مرجع سابق ص107).
وكتب حسين مروّة في"الثّقافة الوطنيّة" عدّة دراسات طبّق من خلالها مقولات الواقعيّة الاشتراكيّة على النّصوص المدروسة من نحو"إيليا أبوماضي بين الواقعيّة والرّومنطيقيّة"(عدد1)، "أدب الطّبيعة والغزل"(ع6)، فرح أنطون الرّوائي (ع12)...
وقد حفلت هذه المجلّة بمادّة غزيرة خلفيّتها"الإيديولوجية الماركسيّة والمادية التّاريخيّة الأساس الفلسفي للواقعيّة الاشتراكيّة من نحو"الموضوع، المحتوى والشّكل، النّمذجة، فنية العمل الأدبي، اللّغة في الحوار، العنصر الشّخصي (الذّاتي)..(مرجع سابق ص107).
إلاّ أنّ حسين مروّة لم يكتف بكتابة المقالات النّقديّة والدّراسات الأدبيّة ونشرها في المجلاّت الوطنيّة بل أغنى المكتبة العربيّة بمؤلّفات لاغنى عنها لدارس الأدب العربي ك"قضايا أدبيّة"(ط1/1956)،و"دراسات نقديّة في ضوء المنهج الواقعي"(ط1/ 1965)، و"تراثنا كيف نعرفه" (ط1/1985).وهكذا أصبح حسين مروّة أحد أعمدة الواقعيّة الاشتراكية في النقد الأدبي العربي إلى جانب محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس مؤلفي كتاب"في الثقافة المصريّة "سنة 1954، ومحمد مندورصاحب الكتابات الغزيرة.
وتتنوّع أنشطة حسين مروّة وتتعدّد اهتماماته ويضيف إلى دراسة الأدب البحث في قضايا الفكرالعربي والتّراث
3-حسين مروّة المفكّر الماركسي:
لم تكن اهتمامات حسين مروّة أدبيّة صرفا فقد أقبل على دراسة الفلسفة العربيّة الإسلاميّة متسلّحا، من ناحية، بالمنهج المادّي الّذي اختبرفاعليّته أثناء دراسته الظّاهرة الأدبيّة، ومن ناحية أخرى، بثقافته الدّينيّة الّتي اكتسبها في النّجف وبمعرفته التّراث العربي معرفة عميقة وجادّة. وهكذا تفاعلت المعرفة مع المنهج فكانت الحصيلة هذا المؤلّف الضّخم الّذي تخيّر له من العناوين"النّزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الأسلاميّة"(ط1/1978)، وأضاف إليه دراسة ثانية سمّاها"مقدّمات أساسيّة لدراسة الأسلام"(ضمن كتاب "دراسات عن الإسلام" وهو مؤلّف جماعي، ط1/1980).
وكتاب"النّزعات" إضافة نوعيّة للدّراسات الّتي قاربت التّراث العربي الإسلامي ، وقراءة جديدة مغايرة للقراءات السّلفية التّقديسيّة الّتي حنّطته .و"هذا الكتاب يشكّل عملا تأسيسيّا في مجال البحوث التّراثيّة العربيّة المعاصرة، يقدّم معرفة علميّة جديدة بالتّراث الفكري الفلسفي العربي إذ ينظرإلى مكانه من اللّحظة التّاريخيّة في خطّ تطوّر المجتمع العربي- الإسلامي خلال العصور الوسطى. ويشكّل إلى هذا عمليّة مسح معرفي لخطوات ونقلات تاريخيّة للعرب يتفاعل خلالها التّطوّر الاجتماعي والتّطوّر الفكري منذ الجاهليّة حتّى القرن الرّابع الهجري."( انظرحسين مروّة- شهادات في فكره ونضاله/دار الفارابي/ط1/1981ص 174).
فهل قصر نشاطه على الكتابة والتّنظير وتغاضى عن مشاغل النّخبة السيّاسيّة في وطنه واستنكف من مشاركتها آمالها وطموحاتها؟
4-الانتماء الحزبي:
إنّ انشغال حسين مروّة بقضايا الأدب والفكر ومسائل التّراث لم تحل دون انخراطه في الشّأن السّياسي بل إنّ بوّابة الثّقافة قادته إلى عالم السّياسة.يقول في حواره مع عبّاس بيضون:" وبإنشاء الثّقافة الوطنيّة عام 1951 صرت عضوا في الحزب الشيوعي"(م.س. ص 108) ثمّ أصبح عضو اللّجنة المركزيّة منذ سنة 1965 وتكفّل بصياغة البرنامج الثّقافي الحزبي وتوجّهات الحزب الثّقافيّة. وقد اعترف بفضل الحزب عليه فلولاه لما ألّف كتاب "النّزعات الماديّة". يقول:"وهنا يجب القول بصراحة إنّ الحزب الشّيوعي كان له الفضل في إعطائي التّفرّغ الكامل لإنجاز هذا العمل ممّا مكّنني أن أعيش عشر سنوات كاملة مع موضوع هذا الكتاب من دون أن تعيقني عن البحث أيّ مهمّة أخرى، ولولا هذا التّفرّغ التام الّذي أعطانيه الحزب لما استطعت أن أكتب بهذه الشموليّة وبهذا العمق إذا صحّ لي أن أدّعيهما"(م.س. ص125).
هكذا أصبح حسين مروّة أحد رموزالفكرالتقدّمي في السّاحة الثقافيّة العربيّة، وأضحى إنتاجه يحظى بالاهتمام والنّقد والجدل من لدن نخبة من المثقّفين مشرقا ومغربا، وبقدر ما أبهج صيت هذا الكاتب أنصارالمدرسة العقلانيّة والفكر التّحرّري أغاظ قوى الظّلام وأعداء الحياة فكان الاغتيال.
5-الاغتيال: الحدث والمواقف
لم يكن اغتيال حسين مروّة حدثا معزولا، ولم يكن الجاني شخصا طائشا حرّكته نزوة عابرة. فالجريمة مدبّرة والمناخ ملائم يشجّع على ارتكاب مثل هذه الجرائم، والمطّلع على كلمات النّعي وبيانات التّأبين يدرك طبيعة القوى الّتي تقف وراء هذا الفعل الشّنيع.فالظّلاميّون المعادون للوطن والثّقافة والدّيمقراطيّة هم مرتكبو هذا الفعل الشنيع. وقد جاء في "بيان اللّجنة المركزيّة للحزب الشّيوعي اللّبناني18/2/1987 عن اغتيال حسين مروّة" مايلي:" قتل الظّلاميّون، قتل المذهبيّون الطّائفيّون العابثون بأمن الشّعب ومصير الوطن، العاملون تدميرا وتهديما لكلّ ما له علاقة بالثّقافة والدّيمقراطيّة، لكلّ ما له علاقة بالمعرفة، هؤلاء القتلة المجرمون السفّاحون الآثمون الجبناء، قتلوا شيخ الثّقافة والفكر، الأديب اللّبناني العربي العالمي الكبير، أديب الشّعب والحرية، عضو اللّجنة المركزيّة للحزب الشيوعي اللبناني، حسين مروّة"( انظرحسين مروة- كلمات حيّة جمع وتقديم قاسم بركات -ط1 /2012 ص105).
ويتبيّن المطّلع على هذا الكتاب إجماع جمع من المثقّفين والأحزاب الشيوعية العربيّة واتحاد الكتّاب اللّبنانيّين على إدانة هذه الجريمة البشعة دون أن يسمّوا الفاعل بالاسم. لكن بين الإشارة والتّلميح مال البعض إلى التّرجيح وتجرّأ البعض الآخرعلى التّصريح. يقول خالد علّوش:" ورغم تضارب المعلومات في الجهة الّتي اغتالته بين حركة أمل وحزب اللّه إلاّ أنّ جميع المؤشّرات كانت تدلّل على تورّط حزب الله بتلك العمليّة"( حسين مروّة..اغتيال الفكرقبل السّياسة- الحوار المتمدّن عدد5435-17/2/2017) . وتكتب سلام شكر متّهمة المحور السّوري- الإيراني باغتيال قادة وكوادر الشيوعيين والوطنيين وتذكر أسماءهم وتواريخ اغتيالهم أمثال حسين مروة ومهدي عامل وخليل عنوس وسهيل طويلة رئيس تحريرجريدة النّداء، وترجع ذلك إلى رفض جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة الّتي أسّسها الحزب الشّيوعي اللبناني وبعض الأحزاب اللبنانيّة إحاطة النّظام السّوري والتّنسيق معه في كلّ عمليّاتها وبرامجها وتحرّكاتها. "فكان لابدّ من تأديب الحزب لخروجه عن الطّاعة وتمرّده على الحاكم بأمره" (انظر سلام شكر:تاريخ وذاكرة/ هكذا اغتال المحورالسوري- الإيراني قادة وكوادر الشيوعيين والوطنيين- موقع الرّافد السّوري/ أغسطس 18/2019).
خاتمـــــــة:
لعلّ أهمّ ما يميّز خفافيش الظّلام وقوى الردّة أعداء الحياة قصرالنّظر وعمى البصيرة والدّوغمائيّة. فهم لايدركون أنّ جرائمهم لاتثبّط العزائم بل تشحذ الهمم، وأنّ إرادة المناضلين لاتوهّنها شطحات الجبناء بل تزيدها عزما ومضاء.فقد اغتالوا حسين مروة لكن فكره ظلّ مشعّا بين قوى التّقدّم والحداثة بل ازداد انتشارا وأصبح تاريخ اغتياله مناسبة لإدانة الظّلاميين وأمثالهم وفرصة للتصدّي لفكرهم.فالشهداء لايموتون بل هم أحياء بيننا يستنهضوننا كلّما أخذتنا سِنة.
#إبراهيم_العثماني (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟