طالب كاظم محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8239 - 2025 / 1 / 31 - 10:12
المحور:
الادب والفن
كانت عقارب الساعة تشير الى الثانية بعد منتصف الليل، حين تركنا الشق الضيق بعد ان غمرته مياه المطر، الذي لم يتوقف طوال الليل، كانت السيول الغرينية العنيفة تنحدر عبر ممرات سفح جبل هيبت سلطان، تجرف معها تذكارات جنود في نهاية عقدهم الثاني وجنود احتياط يحاولون ترميم جراحهم القديمة بلفافات تبغ مبلل، تركنا الحفرة، غير ابهين بخوف الآمر القلق، الذي امضى ليلته تلك يتفقد الجنود، الذين جثوا تحت المطر ينتظرون صيحات الهجوم المعتادة ، ولكن الميليشا الكردية لم تكن بالغباء لتكشف تسللها، هم ، يتسللون بصمت ، في الوقت والمكان غير المتوقع يباغتون الجنود بضربتهم الخاطفة ، مثل افعى يدخرون انيابهم في المكان الرخو برشقات الكلاشينكوف ، تركنا خلفنا الشق المشرع للمطر والطوفان و للأصداء الاتية من تاريخ الموت .
تسلقنا حوض عجلة الايفا التي توقفت على جانب الطريق الصاعد الى قمة الجبل، زحفنا داخلها نفتش عن اغطية جافة تمتص الرطوبة التي تغلغلت في عظامنا، تلفعنا مثل شرنقة مذعورة بسبب البرد والصقيع في حوض العجلة، لم نفكر بما سيحدث لنا فيما لو اكتشف الامر اننا تركنا بوابات الهيكل المقدس بلا حراسة ، تخلصنا من الاحذية العسكرية الثقيلة، نحاول ان نفلت من الانجماد الذي دس مجساته في اقدامنا .
في تلك الليلة لم تباغتنا الميليشيا بالهجوم ، فالأكراد ليسوا على عجالة من امرهم فهم يراهنون على الوقت، انهم يطبقون علينا من جهة رانية ويحيطون بنا من جهة الغرب والشمال، باستثناء جهة الجنوب وهو الامتداد العميق والمكشوف لوادي اجرد ينتهي عند تخوم كركوك ، سيكون انتحارا جماعيا لو فكرت فرقة المشاة 44 بالتسلل عبره .
في ظهيرة يومنا الاول لم نتناول طعاما باستثناء قطع خبز يابسة تقاسمناها فيما بيننا، في اليوم التالي ، لم نجد ما نسد به رمقنا باستثناء حفنة شاي وسكر، مازن اعد شايا على الحطب ، بينما الانهاك والقلق يصفد تفكيرنا لم نشغل تفكيرنا بالمجموعات الكردية التي اخذت تقترب من الجبل ، كانت الساعة تقارب الحادية عشر صباحا ، اقتربت سيارة مسرعة، كانت بيك اب من مواقع تواجد جنود فوج مغاوير فرقة المشاة ، كنت احد جنودها مع رفاقي جنود الاحتياط الخمسة ، اولئك الجنود المرهقون شكلوا متاريس بشرية لحماية مقر الفرقة الذي حشر في الانزواء الضيق داخل مبنى قديم من ممر وغرفتين متقابلتين وسقيفة اقيمت على اربعة اعمدة ، لم تكن هناك خنادق او ملاجئ او متاريس، اختبأ الجنود خلف الكتل الحجرية الناتئة التي برزت كأنياب مهشمة على السفح الاجرد ، اخرون جثوا على ركبهم وراء الحاجز الخرساني الذي اقيم لحماية السيارات من السقوط في الوادي ، صوب رامي رشاش برج الدبابة T62 ، نيرانه مستهدفا عجلة البيك اب التي لاذت بالفرار باتجاه كوي سنجق ، كنت ارى مجموعات مسلحة متباعدة تتقدم صوبنا ، وهم يتقافزون كجداء صغيرة من صخرة الى اخرى ، يتفادون برك المياه والوحل ، كانوا يشدون انشوطة الخناق، اخذت الحلقة تضيق حولنا، هناك مجموعة اختبأت بين جذوع اشجار الصنوبر والصخور بعد ان تسللت عبر الوادي ، استهدفنا قناصهم رصاصاته التي مرقت فوق رؤوسنا بأزيز حاد ، اصيب ضابط شاب برتبة ملازم برصاصة في بطنه، كما اصيب جنود اخرون برصاص القناص ، سجي الضابط المصاب في المدرعة المدولبة ، لم يستطع الوقوف ، عرفنا فيما بعد بأن الرصاصة اصابت عموده الفقري .
تفاقم الوضع سوءا ، مقر قيادة الفرقة مع فوج المغاوير ، الكل حشر في الشريط الضيق الذي امتد على سفح اجرد ، كانت السماء صافية ، زرقاء جدا شعرت بانني استطيع ان امسك بزرقتها ، كانت الشمس في منتصف القوس الذي ينحدر صوب الغروب ، كانت في الساعة الثالثة ما بعد الظهر ، حين ظهر امر فوج المغاوير بطوله الفارع وبنيته الضعيفة ، كان طويلا ببنية هزيلة وهو يدوي بصوته بلكنة اهالي ريف شمالي كركوك بينما الرصاص ينهمر علينا كالمطر
- وينكم جنودي الابطال وينكم يا مغاوير يا سباع ذول يخوفونا ؟!!
في تلك اللحظة التي جمدت في ذاكرة تحفر صورها الدامية في اخاديد عميقة ، تجمهر عشرات الجنود صغار السن ببدلاتهم المرقطة ،كان ايقاع الاحداث سريعا ، كان الامر يحدث خارج الوعي ، اندفع امر الفوج يتقدم السرية الانتحارية مصوبا رشاشه الكلاشينكوف صوب هدفه وكذلك فعلت السرية وهم يطلقون صيحات الغضب واللاجدوى ، انزلقوا صوب الوادي ، لا تعرف ان كانوا يتدحرجون او يعدون ليلحقوا بقائدهم ، لم يستغرق الامر سوى دقائق معدودة بدت كدهر لا يريد ان ينتهي ، حاولت مجموعة الميليشيا الفرار وهم يرون السيل الذي انقذف نحوهم ، الانسحاب من مواقعهم المموهة تحت الاشجار سيكون انتحارا ، سيكشفهم امام الرشاش الثقيل ، وقنابر الهاون عيار 82 MM ، في الامتداد الاجرد الموحل ، صمت الرصاص وخفت صيحات الجنود وهم يصعدون السفح ، يمسكون بأفراد مجموعة القناص ، التي اعاقت حركتنا اكثر مما هي محدودة بفسحة ضيقة تتمثل بالطريق الصاعد الى قمة هيبت سلطان ، اخبرونا الجنود بان احد افراد المجموعة التي اسر افرادها قتل اثناء الهجوم الخاطف المجنون .
كأن الزمن توقف ، كل شيء كان جامدا ومريبا ، الهجوم الذي شنه امر فوج المغاوير وسريته التي لبت صيحاته ، لم يقف حجر عثرة يعترض طريق تدفق مجموعات الميليشيا التي حاصرت الجبل بجهاته الثلاثة ، الهجوم فاقم من غضبهم بعد ان فقدوا رفاقهم .
تم تقييدهم الى جذع شجرة قرب السقيفة ، البت بأمر مصيرهم كان بيد قائد الفرقة وهو برتبة عميد ركن ، الذي بانت عليه علامات الارهاق ، محطة القائد اللاسلكية ، لم تتوقف عن تلقى رسائل قيادة الفيلق الخامس ، كل شيء كان غائما ومبهما . لم يكن بأفضل منه حالا ، مدير ادارة وميرة الفرقة ، وهو ضابط برتبة عميد ، كان في منتصف عقده السابع اعيد للخدمة بعد تقاعده وكذلك ضابط ركن الاستخبارات وكان برتبة عقيد ركن ، ضباط وجنود حشرنا تحت ضريح المرأة التقية هيبت سلطان نتوسل اله ما ان ان يجد لنا منفذا وسط الخراب الذي فغر شدقيه لابتلاعنا في جوف يغلي بصهارة الجحيم ، مخابر محطة القائد ، وهو شاب في منتصف عقده الثالث ، بلكنته الموصلية المميزة ، اخبرنا باننا محاصرون تماما ولإخلاص لنا ، قال بأن الاكراد سينتقمون لرفاقهم الذين قتلوا بصولة المغاوير لأننا لم نستسلم لهم . قال بالحرف الواحد
- نحن في عداد الأموات.
كنت اعرف اي مصير ينتظرنا واي نهاية ستطوينا تحت ركامها الملطخ بالديدان والعفن والرائحة الكريهة التي تحيط جثثنا المتفسخة، عشت كل تلك الصور طوال سنوات الحرب الايرانية ، الاضطجاع قرب الاشلاء الممزقة تحت الدبابات المحترقة ، النوم تحت سبطانات رشاش الشيلكا الثقيل وهي تلعلع برصاصها الذي يخرق الهواء بفحيح دام عند متاريس السرية الاولى في معركة مجنون الجنوبي .
- ما الجديد ؟!
العبث نفسه ولكن في مكان اخر ، قلت ، هل سأقتل هنا وانا الذي نفذت عبر اسوأ معركة يعيشها جندي ، معركة عبادان الدموية البشعة، كانت تمرينا كبروفة ليوم القيامة ، بل انها القيامة نفسها ، حين تمطر السماء اذرعا مبتورة وخوذ ملطخة بعظام التصقت بها فروة شعر اسود وهلام اصفر لزج لادمغة ملطخة بالدخان والشظايا
#طالب_كاظم_محمد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟