أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - الحرية تمر عبر المعدة














المزيد.....

الحرية تمر عبر المعدة


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8211 - 2025 / 1 / 3 - 22:16
المحور: الادب والفن
    


في قلب مدينة ميونيخ الألمانية، حيث تلتقي الأزقة القديمة برائحة المخبوزات الطازجة والأطباق التقليدية، كان هناك مطعم صغير يدعى "زيتون وبرتقال". كان المطعم ملاذًا لمحبي الطعام الألماني التقليدي بلمسة شرق أوسطية، ويتميز بديكور بسيط وأجواء دافئة. ولكن ما جعل هذا المطعم مميزًا حقًا هو الطاهي الرئيسي، رجل يدعى سامي، مهاجر جاء من بلد بعيد حاملًا معه أحلامًا كبيرة وقلبًا مليئًا بالأمل.

سامي كان رجلًا في منتصف الأربعينيات، ذو ملامح شرقية تحمل آثار سنوات من الكفاح. أتى إلى ألمانيا منذ عشرين عامًا باحثًا عن حياة أفضل، وحاملًا معه موهبة استثنائية في الطهي. سامي لم يكن طباخًا عاديًا، بل كان يمتلك فلسفة فريدة في الحياة تلخصت في جملة واحدة: "الطريق إلى الحرية يمر عبر المعدة".

عندما بدأ سامي حياته في ألمانيا، لم تكن الأمور سهلة، واجه صعوبات لا حصر لها. لم يكن يعرف اللغة، والعادات مختلفة، والحياة قاسية، ولم يكن لديه موارد تُذكر. بدأ كعامل تنظيف وكغاسل أطباق في مطاعم صغيرة، وكان يقضي لياليه في تعلم اللغة الألمانية ومراقبة الطهاة أثناء إعدادهم للأطباق. كان يستمع إلى زملائه الطهاة ويتعلم منهم، بينما كان يُعد في منزله وصفات تجريبية تمزج بين نكهات وطنه الأم والمكونات الألمانية. آمن سامي بأن الطعام ليس مجرد وسيلة للبقاء وإشباع الجوع، بل هو وسيلة للتواصل، للتعبير عن الحب، وجسر يربط بين الثقافات. هذه الفلسفة كانت بوصلته التي قادته في رحلته من الصفر إلى القمة.

مع مرور الوقت، لاحظ مالك أحد المطاعم اجتهاد سامي وشغفه بالطهي. أعطاه فرصة للعمل كمساعد طباخ، وهنا بدأت رحلة سامي الحقيقية. كان يقضي ساعات طويلة في المطبخ، يمزج بين مهاراته التقليدية وابتكاراته الجديدة. أطلق على أحد أطباقه المميزة اسم "طبق الحرية"، وهو مزيج من النكهات الشرقية والغربية، وأصبح هذا الطبق الأكثر طلبًا في المطعم.

بعد سنوات من العمل الجاد، تمكن سامي من جمع بعض المال لفتح مطعمه الخاص. أراد أن يخلق مكانًا يعكس قصته، حيث يمتزج الطعام الألماني بنكهة بلده الأم. بدأ بتقديم أطباق مثل شنيتزل بصلصة الزعتر، أو شوربة العدس بالكمون بجانب خبز البريتزل الألماني.

جذب المطعم الزبائن من كل حدب وصوب، ليس فقط لجودة الطعام، ولكن أيضًا لحضور سامي الدافئ. كان يتنقل بين الطاولات، يسأل الزبائن عن رأيهم، ويشاركهم قصصًا عن رحلته. كانت قصته ملهمة للكثيرين، خاصة لأولئك الذين تركوا أوطانهم بحثًا عن حياة جديدة. مع مرور الأيام أصبح المطعم رمزًا للتنوع والاندماج، حوَّله سامي إلى واحة ثقافية حيث تُعقد أمسيات موسيقية وشعرية، ويُقدم الطعام كوسيلة للتواصل والتقارب بين الناس من مختلف الخلفيات.

وفي إحدى الأمسيات، عندما كان سامي يقف في المطبخ يشرف على إعداد الأطباق، سألته إحدى الصحفيات: "ما هو السر وراء نجاحك؟". ابتسم سامي وأجاب: "الطريق إلى الحرية يمر عبر المعدة. عندما تطهو بحب، تفتح أبواب القلوب والعقول. الحرية الحقيقية هي أن تُعبّر عن نفسك، وأن تُشارك الآخرين ما تحب".

لكن حياة سامي لم تكن خالية من التحديات. في إحدى الليالي، تعرض المطعم لحريق مدمر كاد أن يقضي على كل شيء بناه. حينها، وقف سامي أمام الركام وأدرك أن الحرية التي يسعى إليها ليست مجرد نجاح مادي، بل هي القوة للبدء من جديد. بمساعدة أصدقائه وزبائنه، استطاع إعادة بناء المطعم.

اليوم، أصبح "زيتون وبرتقال" مكانًا حيث يجد الناس الحرية في مشاركة الطعام والحب والإنسانية، بات رمزًا للتنوع الثقافي والإصرار على النجاح. كان الزبائن يأتون ليس فقط لتذوق الأطباق المميزة، ولكن أيضًا للاستماع إلى سامي وهو يقول بحماس: "الطريق إلى الحرية يمر عبر المعدة". وكانوا يدركون أن هذه العبارة ليست مجرد شعار مطعم، بل هي خلاصة تجربة حياة، قصة رجل وجد حريته في الطهي، وأوصلها إلى قلوب الآخرين عبر أطباقه.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع اقتراب رأس السنة
- أهمية التمويل الذاتي للجامعات
- إلى تلك التي لم ألتقِها بعد
- الأستاذ الجامعي في زمن الذكاء الاصطناعي
- الكاتب والذائقة الأدبية في زمن الذكاء الاصطناعي
- مستقبل القصة القصيرة في زمن الذكاء الاصطناعي
- هل الأديب سياسي؟
- فريق الجيل الجديد
- ذيل السنونو
- العمل -أربعة- في ألمانيا
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 8 والأخيرة
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 7
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 6
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 5
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 4
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 3
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 2
- حين ينفقع بالون البروفيسور من الضجر 1
- البروفيسور في ضيافة الشيخ قليعة كاملة
- البروفيسور في ضيافة الشيخ قليعة 5


المزيد.....




- إلتون جون يعترف بفشل مسرحيته الموسيقية -Tammy Faye- في برودو ...
- معجم الدوحة التاريخي ثروة لغوية وفكرية وريادة على مستوى العر ...
- بين موهبة الرسامين و-نهب الكتب-.. هل يهدد الذكاء الاصطناعي ج ...
- بعد انتهاء تصوير -7Dogs-.. تركي آل الشيخ يعلن عن أفلام سعودي ...
- برائعة شعرية.. محمد بن راشد يهنئ أمير قطر بفوز «هوت شو» بكأس ...
- -خدِت الموهبة-.. عمرو دياب يقدم ابنته جانا على المسرح في أبو ...
- وفاة الفنان العراقي حميد صابر
- فنانة سورية تفجع بوفاة ابنها الشاب
- رحيل الفنان أمادو باغايوكو أسطورة الموسيقى المالية
- انطلاق فعاليات الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - الحرية تمر عبر المعدة