ناديا قصار دبج
الحوار المتمدن-العدد: 1787 - 2007 / 1 / 6 - 11:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تسبب مجيء الرئيس الأسد إلى سدة السلطة خلفا لوالده صيف العام 2000 في حدوث أول " انشقاق" حقيقي في صفوف القوى الديمقراطية السورية إزاء الموقف مما يسمى بـ "مؤسسة الرئاسة " ، على الأقل خلال السنوات العشرين التي سبقت ذلك .
لست خبيرة في شؤون سوريا وتعقيداتها ، أقلّه في السنوات السابقة على ذلك . إذ طالما اعتبرت نفسي " مواطنة إيطالية " أكثر مما أنا سورية . وهذا أمر طبيعي بالنسبة لامرأة يتقاسم أصول دمها كل من اسماعيل أبي الفداء ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي .. مناصفة ! يضاف إلى ذلك أنها ملاحقة ـ على طريقة الثأر البدوي ـ بوزر " جريمة " والدها الذي هرّبها مع أسرتها وهي طفلة في بداية تفتح وعيها ، حاملة معها صورة أخيرة ووحيدة لا تختلف كثيرا عن كوابيس المقابر : أحياء مدينة حماة وقد بدأت تنزلق إلى بركة الدم بخطى حثيثة . إلا أن الصحافة الغربية عموما ، والإيطالية التي أتابعها باستمرار على وجه الخصوص ، لم تبخل في تقديم صورة بانورامية واضحة جدا، وإن بشكل كرونولوجي ، للمشهد السوري في مختلف جوانبه . وهذا أقل من " حق طبيعي " لبلد يتوسط قلب العالم وتاريخه ، وشكل يوما ما أكبر تحد ، على يد امرأة صحراوية تدعى زنوبيا ، لإمبراطورية أعيش الآن في واحدة من بقايا حواضرها التي تضم رفاة تلك المرأة التي اقتيدت بالسلاسل عبر دروب وعرة كانت كلها تقود إلى .. روما ، قبل أن تصبح كلها تقود إلى .. واشنطن!
قبل مجيء الأسد الابن إلى سدة السلطة ، وهذا ما اكتشفته لاحقا ، كانت المعارضة الديمقراطية كلها تقريبا موحدة حول نظرية تقول إن " مؤسسة الرئاسة " هي جزء من المشكلة أكثر من كونها جزءا من حلها ، طالما أنه لا صوت يعلو فوق سوطها وصوتها ! وجريا على مقولة الشاعر الإنكليزي ماثيو أرنولد lo stile è l uomo ( الأسلوب هو الرجل) ، كان ثمة إجماع ، أو شبه إجماع ، في صفوفها على القول " لا تغيير يرتجى طالما أن الأسد الأب على قيد الحياة" . وبدا الأمر تراجيديا تماما كما في القصص الإغريقية : باتت حياة البعض مرهونة بموت بعضهم الآخر ؛ أو بالأحرى : بات استمرار بعضهم على قيد الحياة رهنا بموت " البطل الفادي " .. إذا ما استعرنا شيئا من ثقافة المسيحية التي تعلمناها في معابد هرطقتها المنسلـّة من الميثيولوجيا الإغريقية ! ومن المؤكد أن الأسد لم يكن ذاك " البطل الفادي" ، وإن ظن البعض أن موته أو صلبه يمكن أن ينقل الناس دفعة واحدة من الجمعة العظيمة إلى أحد القيامة !
عاشت المعارضة الديمقراطية على الوهم الذي اخترعته هي نفسها وصدقته . فانخرط قسم " نوعي " منها في الترويج لذلك . ولم يتردد بعضها في فتح النار حتى على قسمها الآخر الذي رفض الأسطورة الجديدة ، واتهمه بالهرطقة و الزندقة . وذهب بعضهم حتى إلى التغني بـ " القد المياس للرئيس وطوله " كما لو أنهم يبحثون عن عريس لتزويج بناتهم منه ! حصل تماما ما كان يحصل عندنا في حيي " طلعة الدباغة" و"البياض" القديمين في حماة قبل عقود ، كما أخبرني والدي ، حين كانت النساء " الخطابات " يجلن في الحارات للبحث عن عرسان لبناتهن العوانس ! وساعدت هستيريا الصحافة الغربية ، الجوفاء مثل يقطينة ضخمة تسلل إليها جرذ بري والتهم جوفها وأصبح محاصرا داخلها بسبب سمنته ، على الترويج لهذه الأكاذيب . أكاذيبها في مجال التسويق لنمط من حكام العالم الثالث ، و تباشير التغيير وعلاماته في هذا العالم ، وليدة ثقافتها " الأوروـ مركزية " : يكفي أن تحصل على " كورس تدريبي " في بريطانيا ، مثلا ، حتى وإن كان " كورسا " في أساليب زراعة البطاطا الإيرلندية ، ليقال عنك إنك " تلقيت علومك في بريطانيا وتشبعت بثقافة شكسبير وجون لوك " ! هذه الصحافة ، كما ثقافتها الأنكلوسكسونية ، لا تعرف ، ولا تريد أن تعرف ، أن " في كل أمة ثقافتين " كما قال كارل ماركس . وعليه : ليس ثمة فرق بين ثقافة جون لوك وشكسبير من جهة وثقافة تشرشل المولع بإبادة الأقليات بالأسلحة الكيميائية ؛ مثلما أنه لا فرق بين ثقافة غرامشي وثقافة موسوليني . هذه " ثقافة إيطالية " وتلك " ثقافة بريطانية " . وكله في النتيجة " ثقافة أنكلوسكسونية " يكفي أن تلتهمها خلال ثمانية أشهر ، مثل وجبة من البطاطا الإيرلندية أو السباغيتي الإيطالية ، كي تصبح غرامشي أو جون لوك زمانك !
لم تتغير الثقافة كثيرا بين حارات حماة القديمة و .. " حارات " المعارضة الديمقراطية . عنوسة هذه الأخيرة دفعت آباءها وأمهاتها للبحث لها عن عريس " من خارج الحارة " . لم يكن العريس إلا الرئيس الجديد . هكذا ، وفي هذا السياق وحده ، وأيا تكن النوايا الحسنة التي كثيرا ما تعبّد الطريق إلى جهنهم ، علينا أن نضع نشوء حزب يدعى " حزب القسم الرئاسي " الذي جعل من خطاب قسم الرئيس الجديد أمام برلمانه " دستورا جديدا" للبلاد ، ونسي أن لهذه البلاد دستورا قديما ميتا دماغيا ويجب أن ننعشه ، حتى وإن ظل بعض جسده مصابا بشلل قد لا يكون له براء منه . وهكذا أيضا يجب أن نفهم قرار السلطة في وضع من ستطعنه في ظهر وطنيته بعد عامين ، ميشيل كيلو ، على رأس لجنة تطوير فكر الحزب و .. ثقافته ! كان في هذا القرار اعتراف خفي من قبل السلطة بمواهب المعارضة : وحده شخص تخرج في " مدرسة فرانكفورت " يمكن له أن يحول لهم ، كما لو أنه ساحر قروسطي ، ثقافة الفلافل المقلي بأسوأ أنواع زيت القطن إلى ثقافة الهمبرغر !
أدرك ميشيل كيلو ، ولو متأخرا ، أنه أخطأ في البحث عن عريس لـ " ابنته " في حارة سلطة عاقرة ومصابة بالعنة . وعندما اكتشف أن نواياه الحسنة لم تعبّد له سوى طريق إلى .. جهنم ، كانت جهنم قد أصبحت على مرمى البصر ولم يكن ممكنا له أن يستدير .. خلفا !
قبل أيام قليلة أصدر الرئيس الجديد ، وقد أصبح عتيقا جدا الآن ، مرسوما يقضي بإحداث مؤسسة " دار الأسد للثقافة " . هذا ما قرأته في إحدى نشرات وكالة ADNKI الإيطالية . تساءلت : ما هي معالم البلاد التي لم تحمل هذا الاسم أو مشتقاته بعد !؟ فتشت ، فعلا وليس مجازا ، وعلى سبيل التسلية والبحث الجاد أيضا ، في دليل إيطالي لسوريا لأتعرف أكثر على معالم البلاد التي طاردت والدي المهندس كما تطارد لصا في ليلة باردة لم تنته إلى اليوم . أصبت بالدهشة والذهول .. والرعب أيضا ، رغم كل ما سمعته وقرأته منذ أن قررت أن أعود امرأة سورية مرة أخرى . بحيرات السدود ، السدود نفسها ، المصانع ، منشآت وورش الصيانة ، دور حضانة الأطفال ، المدارس ، المكتبات العامة ، مدابغ الجلود ، المطابع .. وصولا إلى دور الثقافة ! ما معنى ذلك ؟
يشير علم النفس إلى أن خوف المرء من الموت ونسيان الآخرين له ، وبالتالي انقراض ذكره من عالم الأحياء والتاريخ ، هو الدافع الذي يتحرك في عقله الباطن ( اللاوعي ) ويحثه على القيام بأعمال ما ، أو تحقيق إنجازات معينة ، تضمن له الخلود بعد موته . ويميز علم النفس بين صنفين من الأعمال والانجازات ، أحدها تقوم به الشخصيات السوية والموهوبة كالمفكرين والمبدعين وبقية الناس الخيرين ؛ وثانيها تقوم به الشخصيات السيكوباتية ( المريضة) والمنحرفة التي لا تتردد في ارتكاب الجرائم والأعمال الشريرة ، باعتبارها ، أيضا ، نوعا من " الإنجازات " التي تضمن الخلود ! وعلى هذه القاعدة يتذكر الناس مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وأنطونيو غرامشي وبينديتو كروتشه و نوربيرتو بوبيو كما يتذكرون موسوليني . فالصنفان كلاهما .. خالدان !
في سوريا يمتزج الدافع المرضي بالدافع السياسي على نحو خاص وفريد ونموذجي جدا . وإلا ما الذي يدفع ، مثلا ، رئيسا نال قسطا محترما من التعليم العالي ، وورث ما ورثه من الامتيازات المادية والمعنوية بما يكفل ويضمن له " احتراما اجتماعيا " و " ذكرا خالدا " فيما لو سلك سلوك الأسوياء ، إلى إصدار مرسوم يقضي بتسمية دار عامة للثقافة ، أو غيرها ، باسمه !؟ هنا تجد نفسك وجها لوجه أمام الدافع السياسي . ذلك أن لجوء شخص ذي سلطة إلى خلع اسمه على أشياء مصنفة ، قانونا ، في خانة " الملكية العامة " لا معنى له سوى تطويب وامتلاك ووضع يد معنوي على ممتلكات الآخرين . أي شكل من أشكال " السرقة " ! ويدخل في هذا الإطار أيضا الاسم الذي تحول إلى مثار للسخرية والتندر في أرجاء العالم : " سوريا الأسد "!
في كل بلدان العالم ، سواء منها التي تحكمها الديكتاتوريات الحقيقية أو الديمقراطيات الحقيقية ، حصل أن جرى تسمية ممتلكات عامة بأسماء حكام هذه البلدان بعد موتهم أو خلال حياتهم . ولكن ذلك حصل ويحصل دوما بمبادرة من جهات أخرى ، طبيعية أو اعتبارية ، لها السطلة القانونية التي تخولها خلع الأسماء على الممتلكات العامة ، كالبرلمانات والبلديات .. إلخ . إن سوريا هي البلد الوحيد في العالم والتاريخ الذي يصدر حاكمه مرسوما بتسمية مؤسسة باسمه ! والواقع إن هذا " التطويب المعنوي " ، أي الملكية النظرية واحتكار ذلك ، ليس سوى الشكل الآخر لتطويب الممتلكات العامة ، المادي ، باسم شخصية مثل رامي مخلوف الذي أصبح يمتلك البلد من بابها إلى محرابها !
خلال عملي كمساعدة مخرج في فيلم وثائقي عن تأثر أنطونيو غرامشي بالفيلسوف بينديتو كروتشه ، اضطررت لأن أجري مسحا لـ " الحياة الثقافية " في ظل موسولويني نزولا إلى عهد كافور وغاريبالدي . ما لفت انتباهي أمر يستحق الإشارة والتأمل : لم تسجل الوثائق أن أيا من هؤلاء خلع اسمه على أي مؤسسة عامة . وأظن أني سأجد الأمر نفسه لو بحثت عن ذلك في عهدي هتلر وفرانكو . وهذا ما يجيز لنا الحديث عن الديكتاتور الوطني الذي يكرس حياته لخدمة وطنه ، وإن من زاوية رؤيته الخاصة للأمور . أي الديكتاتور نظيف الكف الذي يترك السلطة ، سواء طوعا أو قسرا ، ولا يجد الآخرون فلسا واحدا مسروقا وراءه . والواقع هذا ما حصل مع موسوليني وهتلر وفرانكو وعبد الناصر ، وصلاح جديد ورفاقه أيضا في سوريا ، كما أخبرتني زميلتنا الدكتورة نعمى الخطيب ، التي عرفته عن قرب بحكم صداقته لوالدها .
ترى هل وصلت سوريا إلى درجة من التصحر الثقافي بحيث أن راس النظام لم يجد مثقفا واحدا يسمي دارا للثقافة باسمه !؟
لم أترب في سوريا ، ولا أعرف الكثير من الأسماء في تاريخها الثقافي . ومع ذلك أستطيع أن أعد أكثر من عشرين مثقفا تعرفت عليهم من خلال الصحافة الإيطالية والغربية عموما : ألم يكن حريا برأس النظام أن يسمي الدار باسم نزار قباني أو الياس مرقص أو ممدوح عدوان ؟ أليس من العار على بلد أنه ليس فيه مؤسسة ثقافية واحدة باسم بدوي الجبل أو عمر أبو ريشة أو وجيه البارودي ( ابن بلدي ـ حماة ) ؟ أولم يكن حريا برأس النظام أن يسمي دار الثقافة باسم ميشيل كيلو نفسه بدلا من أن يسجنه مع المجرمين !؟
كلا لم يكن حريا به أن يفعل ذلك . فهذا أمر لا يمكن أن يحصل إلا في الخيالات المريضة . فلو فعل ، وحصل الأمر ، لما بقي هناك أي فرق بين "دار الأسد للثقافة " و " مطعم ميشيل كيلو للفلافل والمرطبات" !
نابولي
www.journalist.com
www.syriatruth.com
#ناديا_قصار_دبج (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟