غسان المفلح
الحوار المتمدن-العدد: 1761 - 2006 / 12 / 11 - 09:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
صحيح أنه انقلاب يسعى أصحابه لإفشال ما قطعه لبنان على طريق الاستقرار بعد خروج الجيش السوري والانتخابات النيابية التي جرت بنزاهة تامة. وضعنا النتيجة سلفا لأن الصحيح أيضا
أن لبنان الآن بعد أن مر اليوم الأول للاعتصام بسلام، سيبقى خاضعا للتجاذبات الأقليمية والدولية. وهذه حال كل بلدان المنطقة في لحظة ما من صعود البشر نحو أفق التغيير المنشود لوجه هذه المنطقة. نحن حانقين جدا ونحاول جاهدين ألا نكون حاقدين رغم صعوبة الأمر. فالزمن يحتاج إلى تماسك العقل كي تكون الرسائل أكثر عقلانية وأقل صخبا. وكي نستطيع عبور هذا النفق الطويل. في خضم هذا الحدث والأعلام اللبنانية ترفرف فوق المنازل وفي الساحات العامة، وهذه لم تأتي صدفة ولم تأتي فقط بأن المعارضة والحكومة اختارا ذلك بل نتيجة لزحزحات الحراك السياسي داخليا أقليميا ودوليا. فالأكثرية الحاكمة تمثل وفق الانتخابات والدستور أكثرية الشعب اللبناني فمن البداهة أن يكون علمها هو علم لبنان. والمعارضة أيضا ونتيجة لإحساسها الدفين بأنها تخدم أجندة غير لبنانية فإنها اقتنعت أخيرا برفع العلم اللبناني فقط. لأن الألوان الأخرى إنما تؤشر في كل لبنان على حالة طائفية. سواء كانت صفراء أو خضراء أو زرقاء ! العلم اللبناني يعبر الطوائف. إن تماسك النظام الطائفي في لبنان قد بدأ يتخلخل مع خروج الجيش السوري من لبنان. وهذه سمة لا تتوافق في هذه المرحلة مع الاتجاه العام في المنطقة أو لنكن أكثر تحديدا لا يتوافق مع الاتجاه العام في إيران والعراق وسورية وإسرائيل ولا حتى مع جانب مقيت من بقايا النظام العربي الرسمي الذي ينزع نحو حساباته الضيقة في تجديد التزامه التاريخي المقيت بسلط لم تعد من التاريخ. كل هذا لا يحتاج الآن إلى قيام نظام لبناني عابر للطوائف. رغم غباء المحرر الأمريكي للشعب العراقي لكن علينا أن نعترف بأمر هام غير تحرير العراق من صدام هو : لقد حررنا من أوهامنا عن أنفسنا بأننا شعوب غير طائفية. ورأينا من خلال هذه الكوة التي افتتحها الأمريكان في العراق أننا على ما يبدو نحتاج إلى وعي بالوعي الطائفي وتجذره في هذه المجتمعات ودوره في بقاء نظامها الأيديولوجي والقيمي. مرة أخرى السبب ليس في هذه الشعوب بل في السلطات لأننا نعتقد جازمين بمعادلة هي من أبسط ما يكون :
إن أية سلطة في المنطقة تستطيع قمع شعب تعداده بالملايين ونهبه وأن تتحول إلى سلط وراثية هي سلط قادرة بإرادة مختلفة أن تنقل المجتمعات من الوعي الطائفي الصريح أو الكامن إلى الوعي الوطني. من دولة السلطة هذه إلى دولة القانون، ومن دولة الحزب الواحد والرئيس القائد إلى دولة ديمقراطية مدنية. لهذا هي تصعد كل ما من شأنه الحفاظ على ما يتحقق لها من استمرار هذا الشكل من السلطات. وليس أسهل من أن تبقي المجتمع في حالته البدائية سواء كانت دينية أو عشائرية أو طائفية. وكي نعود إلى موضوعنا لابد من الحديث قليلا عن الدور الإسرائيلي في هذا الأمر :
إسرائيل تحتاج إلى تغيير في معادلتها الداخلية والتي بموجبها وصلت إسرائيل إلى ما وصلت إليه، ولكنها حتى هذه اللحظة لم تستطع تغيير هذه المعادلة، وعدم الاستطاعة هذه يجعلها تراهن دوما على بقاء دول الجوار كما هي عليه وهذه معادلة ليست قرار من حكومة بعينها ـ وإن كان شمعون بيريز يمكن أن يعد إستثناءا في هذا الأمر لكنه فشل في معادلة إسرائيل الداخلية. فذهب مشروعه حول الشرق الأوسط أدراج العسكر في إسرائيل والعسكر هنا وعي وبنية وليس شخوصا فقط. لهذا لازالت إسرائيل تعي وفق قواعد نشأتها : أن وجودها مرتبط ببقاء تخلف دول الجوار ! ولهذا الموضوع الكثير من التشعبات المعقدة والتي ليست موضوعنا هنا. ولكن النتيجة هي أن إسرائيل لازالت وفق معادلتها الداخلية لا تريد أي دولة طبيعية في هذه المنطقة أقله دول الجوار. وبحسابات لازال العنصر الحاخامي فيها قويا. رغم أن الفرص متاحة للتعايش بين شعوب المنطقة كلها بلا إستثناء. فهي لا تكتفي بأن تضمن تفوقها العسكري بمساعدة من الغرب طبعا ! ولكنها تريد دوما تفوقا مدنيا يؤهلها لأن تكون إبنة الغرب المدللة. هذا يتضح من خلال مجمل سياساتها سواء تجاه السلام أو تجاه محاولاتها الدائمة في منع التنمية عن هذه الشعوب المجاورة وفي شتى الوسائل والطرق التي تتيحها آليات حضورها في العالم الغربي. والتي تمتد من لوبيات داخلية في دول هذا العالم إلى طلب مباشر من قبل حكومتها من حكومات هذه الدول، وليس مثال حماية النظام السوري من المزيد من الضغوط الغربية إلا نموذجا على هذا الأمر. أو تحطيمها لما يبنيه لبنان في كل مناوشة تجري بينها وبين حزب الله راعي مصالحها على هذا المستوى بشكل غير مباشر !
العلم اللبناني كناية عن مرحلة لم يشهدها لبنان من قبل وبهذا الزخم وبهذا التأكيد ! ولا نعتقد أن المعارضة ستكون ضيقة أفق كي تعود إلى أعلامها في تظاهرات أخرى أو اعتصامات أخرى ! فالعلم اللبناني لايميز بين حامليه ! لأي طائفة ينتمي أو لأي حزب سياسي مع المعارضة أم مع الحكومة. وهذا العلم هو مأزق المعارضة الآن ! ومسؤولية الحكم بالآن معا.
ماذا يفعل عون الآن بعد أن أصبح هو وحزب الله والحكومة تحت يافطة واحدة هي العلم اللبناني وبعد أن أصبح مجيئه رئيسا للبنان عملية مستحلية الآن مهما تمخضت عنه الأمور في هذه المرحلة ؟ إنه بات مدرك أن لا فرصة أمامه بعد هذه القطيعة التي أحدثها مع شارع الاستقلال اللبناني سوى عودة التحالف الإيراني السوري إلى بوابة الوصاية السورية المباشرة.
لهذا فرصة عون الوحيدة هي في المتجر السوري ! وهذه لانعتقد مهما حدث في لبنان أن عون يستطيع أن يجد بضاعته الرئاسية في هذا المتجر لأن بات متجرا مفلسا على الساحة اللبنانية ! حتى ولو أخرج للشارع ثلاثة ملايين لبناني !
أما حزب الله فهو كما قلنا في مقالة سابقة فإن هذه فرصته الأخيرة عبر الشارع في تحقيق الأجندة المزدوجة السورية الإيرانية لأنه إذا فشل هذه المرة فإنه إما سيبقي لبنان معطلا إلى أجل غير مسمى أو يهرع إلى السلاح. وكذلك الأمر حلفاءه الآخرين سليمان فرنجية وطلال أرسلان.
وهذا في نهاية المطاف فشل سيؤدي إلى بداية النهاية للقاعدة الطائفية للسياسة الإيرانية من جهة وإلى إنهيار هذه القاعدة بالنسبة للنظام السوري سواء في لبنان أو في سورية. ولأن الفشل لهذا التحرك المعارض الآن سيجعل مسؤولية الإئتلاف الحاكم أو تيار 14 آذار مسؤولية مضاعفة في تكريس العلم اللبناني كراية واحدة لكل لبنان وتحتل المرتبة الأولى أمام كل الرايات الأخرى. وإلا فإننا سنعود بعد فترة لنقول أن المعركة التي حدثت في لبنان كانت من أجل تقاسم طائفي جديد ؟! وتصبح الحكومة والمعارضة وجهان لعملة واحدة. وهذا بالضبط ما يريده التحالف الإيراني السوري أن تصبح كل القوى اللبنانية هي قوى طائفية بلا أي بصيص من أمل !
أما بالنسبة للوضع في سورية فإن النظام بالتأكيد لن يسقط إذا هزم في لبنان هذه المرة وهزم حلفائه سلميا ! بل سيحاول من جديد وبوسائل جديدة أن يدخل إلى لبنان. ولكنها وسائل ستكون أكثر خطورة وأقل جدوى بالمعنى السياسي. وانكشاف خسارته يتم عبر مستويين :
الأول : أن تكون الأكثرية الحاكمة في لبنان على مستوى المسؤولية الوطنية وليست الطائفية وتقوم بخطوات جدية من أجل بناء الدولة المرجوة في لبنان.
والثاني : عبر استمرار مساندة المجتمع الدولي على كافة الصعد للأكثرية الحاكمة وعدم إعطاء الفرصة للنظام السوري كي يلتقط أنفاسه مرة أخرى في لبنان.
وهنالك مستوى آخر لن نناقشه الآن وهو دور المعارضة السورية في هذا الأمر وسنتركه الآن كسؤال فقط ؟
#غسان_المفلح (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟