أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبحي حديدي - أصيص ديريك ولكوت














المزيد.....

أصيص ديريك ولكوت


صبحي حديدي

الحوار المتمدن-العدد: 1734 - 2006 / 11 / 14 - 12:11
المحور: الادب والفن
    


تصدر جامعة كمبردج البريطانية سلسلة متميّزة، عميقة في المستوى النظري وبالغة النفع عملياً، بعنوان "دراسات كمبردج في الأدب الأفريقي والكاريبي"، غطّت حتى اليوم أعمال إيميه سيزير وإدوارد غليسانت من المارتينيك، الروائية جان ريس من الكاريبي، وولي شوينكا وشينوا أتشيبي من نيجيريا، نادين غورديمر وج. م. كويتزي من جنوب أفريقيا، نغوجي وا ثيونغو من كينيا، ف. س. نايبول من ترينيداد، كما تناول الإصدار الأخير أعمال الشاعر والمسرحي الكاريبي ديريك ولكوت، حامل نوبل الآداب للعام 1992.
وقّع هذه الدراسة إدوارد باو، وهو أستاذ شرف في جامعة جزر الهند الغربية، جامايكا، والرجل الذي صرف الكثير من الجهد والوقت لدراسة أعمال الشاعر الكاريبي الكبير، حتى استحقّ بالفعل صفة الاختصاصي الأول في شعره ومسرحه وأفكاره (وأيضاً: في رسوماته!). وفي عام 1978، قبل أن يصعد نجم ولكوت عالياً، أصدر باو كتابه الكلاسيكي "ديريك ولكوت: الذاكرة بوصفها رؤيا"، فكان رائداً في تقصّي المنظورات الثقافية ـ السياسية (التي ستتندرج فيما بعد ضمن المصطلح الجديد الرائج: ما بعد ـ الكولونيالية) في أدب ولكوت. وما يجعل فضل باو مضاعفاً حقيقة أنّ ولكوت ليس أعظم شعراء الكاريبي وجزر الهند الغربية وأفريقيا الأنغلوفونية فحسب، بل هو ـ في تقديري الشخصيّ ـ أعظم شعراء اللغة الإنكليزية الأحياء.
وليس دون اعتبارات عديدة، فنية وإنسانية ةأخلاقية وفكرية في آن، أنّ باو يتوقف مطوّلاً عند أفكار ولكوت في محاضرة نوبل، ثمّ يعود بها ـ وبالخطوط الكبرى في منجز ولكوت ـ إلى عقود سابقة تخصّ حياة الشاعر وفنّه فحسب، بل الحياة الجمالية لأهل الثقافة التي ترعرع ولكوت في كنفها، قبل أن يعيش أطوار الحيرة الكبرى بين اللغة الوطنية الأمّ واللغة الإنكليزية. وفي تلك المحاضرة، التي حملت عنوان «الأنتيل: شظايا ذاكرة ملحمية»، تحدث ولكوت عن الشتات الأفريقي والآسيوي كما تختصره ملحمة «رامايانا» الهندوسية، وعن الذاكرة التوّاقة إلى الالتحاق بمركزها الخاص بها، تَوْق الضلع إلى استذكار الجسد الذي بُتر عنه. كما أشار إلى حقّه، كواحد من أبناء هذا الشتات، في الإنتماء إلى طبول إفريقيا، وعاشوراء الحسين، ورقصة التنين الصيني (بعض شظايا الأصيص العبقري الذي سعت الهيمنة الإمبريالية ـ الكولونيالية على تحطيمه، كما قال)، وذلك قبل وفي أثناء وبعد الإنتماء إلى وليام شكسبير!
ومنذ بداياته الشعرية المبكرة أدرك ولكوت جدل التحرّك في هوامش منفى اللغة هذا، وانخرط في معضلات ذلك الموقع الحرج بين مطرقة الإحساس بالواجب السياسي الشخصي حيال موطنه وثقافته، وسندان المصير التمثيلي والتعبيري للغة الكولونيالية (الإنكليزية) التي يكتب بها. كذلك ناقش مأزق الشاعر المطالَب بالدفاع عن الوطن (وبالتالي عن حقّه في استخدام لغته القومية)، والشاعر المنفيّ في ذات لا فكاك لها عن جوهر النفي. وهكذا، استخدم ولكوت لغة الـ «باتوا» الكاريبية على نطاق واسع في مسرحياته، كما استخدم إنكليزية أدبية (بريطانية) رفيعة للغاية في أشعاره الأولى، ثم بدا أشبه بمَنْ يحاول تفجير هذه اللغة من داخلها بحثاً عن تلك الطاقات الدلالية الثمينة التي يحتاج إليها في عمليات تجميع شظايا الأصيص التعبيري الجميل الذي كسره الخطاب الكولونيالي. وفي قلب تلك السيرورة، غير الخالية البتة من ألم جمالي شديد وقلق تعبيري عميق، كانت ثنائياته تتصالح: الذات الوطنية الكاريبية، مقابل التربية الأدبية البريطانية؛ وآدم العالم الجديد، أمام أفعى العالم القديم؛ والجزيرة الدافئة الصغيرة حيث مسقط الرأس، في الخلفية البعيدة من الجزيرة الباردة الشاسعة حيث الثقافة والوعي والكتابة...
والشاعر، الذي يخطو اليوم نحو السابعة والسبعين، ولد في جزيرة «سانتا لوسيا»، وتفتّح وعيه على التراث الأدبي الإنكليزي، فقرأ الإرلندي و. ب. ييتس، والبريطاني و. هـ. أودن، والأمريكي إزرا وباوند. لكنه، مثل معظم أبناء الكاريبي، قرأ بالفرنسية أعمال أرتور رامبو وسان جون ـ بيرس، وقرأ بابلو نيرودا وسيزار فاييخو بالإسبانية. ولقد توجّب أن يطرح سؤالاً كبيراً، وأن يجيب عليها بنفسه: هل يعاني الكاتب الكاريبي من حصار ثقافي يفقده حصانته؟ إجابته كانت حاسمة، وذات مرجعية تاريخية ـ أدبية: ألم تكن هذه حال ييتس وجيمس جويس، فبرهن الكاتبان الكبيران أنّ الثقافة الإستعمارية غير قادرة على منع ولادة أدب وطني فذّ؟
ذاك يقين حوّل ذاكرته إلى أدراج متراصّة يفتحها شاعر كبير بلغت مخيلته حدّ الفيضان الإنفجاري، فقرأناه يعبث بالأدراج على هواه ويطلق محتوياتها في عراء غنيّ، فيختار مسمّيات جديدة لأقاليمه ومشاهده وأصدقائه وأشيائه، عابراً في ذلك حدود الزمان والمكان: إنه اليوم قبالة زيتون غرناطة الذي ينزّ اللغة العربية ويذرف دموع لوركا، وهو غداً في عباب اللغة اللاتينية التي تلهث مثل كلاب بُنّية في روما، ملقياً التحيّة على نهر الغانج في الهند، أو على تلال النمل في مصر، منتصباً «مثل إشارة تعجّب في صفحة بيضاء»، واجماً «أمام حباحب لا تكفّ عن إشعال الثقاب»، غامراً «بهيم الفضاءات، ليس بالنجم أو بالجذوة أو بالشهاب، بل بالدموع»...
دراسة إدوارد باو الأخيرة تعلّمنا الكثير عن أدب ولكوت، كما تضع ما كنّا نعرف عنه داخل سياقات جديدة، ولعلها تعيد تذكيرنا بقاعدة قد يلوح أنها تسير عكس ما يخطر عادة في الذهن: قلّة هم الشعراء الكبار الذين تعلو قاماتهم أكثر، فنياً وإنسانياً، كلّما طعنوا في السنّ!



#صبحي_حديدي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيت حانون في -الشرق الأوسط الجديد-: كاشف البربرية المعاصرة
- مالرو في سماء اليمن
- محاربة الفساد وسياسات الإفساد: نفخ في قربة مثقوبة
- بيكر وتمحيص الاحتلال: هل العود أحمد للعراقيين؟
- أوبئة إمبراطورية
- مأزق كردستان العراق: مغامرة صغرى داخل المغامرة الكبرى
- محمود درويش وقصيدة النثر
- بين الرقابة الذاتية وحرّية التعبير: هل أخرس الاسلامُ الغرب؟
- النبوءات حول بلقنة الشرق الأوسط: ماذا يتفكك؟ مَن يفكك؟
- في ذكرى إدوارد سعيد
- قمّة هافانا: ضحية تنحاز أم عولمة للانحياز؟
- شمشون انتحاري
- اليمن والانتخابات الرئاسية: في انتظار المسرحية الخامسة
- القادم أشدّ هولاً
- أيلول بعد خمس سنوات: ما الذي تغيّر حقاً في واشنطن؟
- تحنيط محفوظ أم استكشافه؟
- إحياء القناة السورية: ليس لدى الجمعية الخيرية مَن يكاتبها
- الراقد عند نبع الدموع
- الأسد وغياب المقاومة في الجولان: العتبى على الشعب
- جوهرانية ال ميركافا


المزيد.....




- تعرفوا على كارلو أكوتيس.. أول قديس كاثوليكي بالجينز من جيل ا ...
- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبحي حديدي - أصيص ديريك ولكوت