أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=770010

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد المغربي - عن الفلسفة: حديث شارد















المزيد.....

عن الفلسفة: حديث شارد


احمد المغربي

الحوار المتمدن-العدد: 7387 - 2022 / 9 / 30 - 09:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كان المعلم الأول يُصر على أن الدهشة أصل الفلسفة و في أكثر من عمل نجد الفيلسوف المصري عبد الغفار مكاوي يُلح على أهمية تصور أرسطو و يقول أن النشاط الفلسفي ينعدم في غيابها و نجد في رواية "المتشردون" لمكسيم غوركي إشارة توضح هذه الأطروحة بشكل رائع إذ يقول:
"(...) و أمسك بقبضة من الطين ثم ضغط عليها فتفتتْ و الجد يراه و يغرف في أفكاره
و قال لانكا و هو ينفض التراب في رفق و صوت رتيب:
-غريب. كتلة من الطين أمسكت بها ثم سحقتها فاستحالت إلى ذرات من التراب لا تكاد تُرى
-وماذا في ذلك من غرابة و أي غرابة في هذا؟"(ص120-ص121)

إن هذا لكفيل بتوضيح الفرق بين النظر الفلسفي و نظرة الحس المشترك كما هو كفيل أيضا بتوضيح معنى أن المألوف عادة ما يكون أكثر شيء غير مفهوم و قد كان شوبنهاور يؤكد أن الفلسفة يجب أن تتعلم اكتشاف الاشياء المدهشة في الأشياء العادية و المعتادة إذ لم يكن يرى هذا الارستقراطي العبقري أي تناقض بين الفلسفة و الحياة اليومية بل دعا للحفاظ على روابط متينة دائمة بينهما و اعتبر ذلك شرطا ضروريا لتحقيق نشاط فلسفي حقيقي و لو تأملنا هذا الجانب الذي يعكس جزءا مهما من روح الفلسفة الأصيلة لأدركنا الجوهر الثوري للفلسفة و ضرورتها بالنسبة للإنسان و لفهمنا جيدا معنى أن للأطفال قدرة و ميلا فطريا للتفلسف فهم ليسوا مجرد ساذجين لم يفقدوا براءتهم بعد بل هم أيضا ذو عقول لم تُلوّت بعد بالأوهام التي تملأ رؤوس الكبار كما أن المقدس الذي يثقل رؤوس هؤلاء و يعيقها عن التفكير لا يكون له أي وجود في عقول الاطفال الذين لا يتوقفون عن التساؤل ولنا أن نقول ل:"الكبار" مثل المسيح لكن بمعنى آخر أنه: "إن لم ترجعوا و تصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات"(إنجيل متّى، الاصحاح الثامن عشر، الآية الثامنة عشر)
إن الدهشة الفلسفية هي نقيض العادة و هذه الاخيرة - كما لا يخفى عن الثوريين – هي أحدى أهم ركائز النظام و النزعة المحافظة إذ يحاول المدافعون عن كل نظام اجتماعي أو معتقدات ايديولوجية تبريرها كشيء طبيعي و في حديثه عن العادة يقول الفيلسوف البراغماتي وليم جيمس في كتابه "مبادئ علم النفس" انها "ترسُ المجتمع الهائل، أنفسُ عوامله محافظة هي وحدها ما تبقينا جميعا ضمن الحدود المرسومة و تحفظ الأطفال الأثرياء من ثورات الفقراء الحاسدة" و هذا يؤكد حقا ضرورة جعل المألوف موضوعا للتفلسف من أجل التحرر كما يؤكد ما قاله هيجل عن المألوف باعتباره أكثر شيء غير مفهوم و في الحقيقة فبعد أن يفكر الانسان في المألوف بجدية ستتملكه دهشة و نشوة غريبة لكونه سيطلع على أسرار ما كان يفترض أنه خالٍ من الأسرار ولعل أهم و أعظم سر قد يصل لاكتشافه معظم -إن لم يكن كل- من سيعيشون هذه التجربة هو غفلتهم و عدم انتباههم لكونهم كانوا مثل النائمين أثناء يقظتهم قبل التفلسف و تكمن قيمة الدهشة الفلسفية و روحها الثورية في أنها تسقط الشرعية عن كل ما يبدوا عاديا و تخضع كل ما اعتاد الحس المشترك على التسليم به للمسائلة و الاستجواب أما لو تأملنا المسألة من الناحية التاريخية لوجدنا أن الدهشة التي تولّد التساؤل هي أهم لحظة فلسفية إذ يوضح فيورباخ أنه:
"و إذا ما حولنا ما هو غير معطى هكذا إلى موضوع و أذا ما جعلنا ما هو غير قابل للفهم قابلا للفهم أي أن نرفع شيئا من مجرد كونه موضوعا للحياة اليومية العادية إلى جعله موضوعا للفكر-أي موضوعا للمعرفة- فإن هذا يعد فعلا فلسفيا مطلقا- أي فعلا تدين له الفلسفة أو المعرفة عموما بوجودها"(فيورباخ – ماهية الدين، قضايا لإصلاح الفلسفة و نصوص أخرى، ص322)
اليوم في عصرنا الذي قام فيه العلم -بما سماه أحد المفكرين- بنزع السحر العالم يحق للمرء أن يتساءل عن إمكانية وجود الدهشة لكن هذه التساؤلات رغم ذلك تفقد قيمتها إن كنا نتحدث التفلسف كنظر عميق لا كتصوف أو كنشاط منفصل عن العلم بشكل جذري إذ أن العلم كما تشهدُ النقاشات الفلسفية منذ القرن الماضي لم يلغي الحاجة للفلسفة بقدر ما أكد على ضرورتها لإضفاء معنى على تلك الاكتشافات العظيمة التي تصارعت التيارات الفلسفية حول معناها الحقيقي فذلك التطور المدهش وفّر مادة جعلت البعض يرى تفنيد الاكتشافات الجديدة للنظريات القديمة دليلا على النسبية المطلقة لمعارفنا كما جعلت البعض الآخر يتساءل بجدية عن الامكانيات الخطير التي يحملها هذا التطور في ظل احتكار النخبة الحاكمة للمعرفة و السلطة و فضلا عن هذا فلو انتبهنا جيدا لوجدنا أنه لطالما رأى ذوي العقليات الجامدة(حتى و إن كانوا شديدي الثقافة) أن لا شيء يدعوا للدهشة في العالم سواء في عصر ازدهار العلم أم قبله أما من جهة أخرى ففي ظل هذا التطور تزيد أهمية النظر الفلسفي لتفادي تحويل العلوم لمعارف جاهزة يتم اكتسابها عبر التلقين لأنه لا يوجد ما هو أخطر على الذهن من هذا النهج الدوغمائي الجامد و هنا قد نعود مجددا للإشارة التي يتفوق بها الأطفال على الراشدين و أوهامهم المقدسة كما يمكن أن نشير للقرار الذي اتخذه ديكارت بالشك في كل معارف عصره لنوضح ما نقصده لكننا في نفس الوقت يجب أن نُشير لأنه لا يمكننا أن نخلط اليوم بين حب الحكمة و السذاجة فالنشاط الفلسفي عند الراشدين يفترض تمَلُّك حس التساؤل الذي يملكه الأطفال بالفطرة مع تخطي سذاجتهم التي يمكن أن تجعلهم عرضة لعدم التمييز بين مختلف الأجوبة و لعل هذا كفيل بجعل النشاط الفلسفي بعيدا عن التناقض العدائي مع العلم و بشكل عام فإذا لم نتحدث عن الفلسفة بمعناها الكلاسيكي ستكون الدعاية الرائجة التي تزعم أنه لم يعد للفلسفة أي جدوى سخيفة جدا ففي عصرنا صارت الفلسفة ضرورية أكثر من أي وقت مضى و لا غنى عن الفلسفة و التفلسف لمن يريد تطهير عقله و تحصينه من سموم الايديولوجيات السائدة إذ أنه لا غنى عن هذه العظيمة التي ترفع شعار التساؤل و التحقق في مواجهة الكم الهائل من الدعاية السائدة التي تصور أفكار السلطة السائدة كحقائق لا جدال فيها
و في عصرنا فمن أكثر المفارقات طرافة هي أن الفلسفة لم تعد مرغمة على مواجهة عدوها التقليدي وحسب بل صار شكها مرغما على الامتداد لرفيقها القديم إذ لم تعد السلطة تقتصر على تسخير الدين للدفاع عنها بل صارت العلوم الزائفة نفسها مكرسة للدفاع عن النظام الرأسمالي و قيمه و مع أن الأمر لا يتعلق بمؤامرة أجمع علماء العالم على المشاركة فيها فمن الواضح أن للروح الفلسفية النقدية فائدة عظمى في ل وضع فوضوي كوضع عصرنا فإن افترض البعض(مع بعض الحق) أنه لا يمكن الشك في عصمة العلم سيكون جوابنا المستند على "الوقائع" أنه إن كان الأمر كذلك بالنسبة للعلم المجرد فهو ليس كذلك بالنسبة لكل من يزعم تمثيله كما أن الفلسفة حين ترفع العصمة عن الكل تستطيع التحقق مما يُرَوّج كحقائق فتظفر بفرز العلم الصحيح عن العلم الزائف و حتى إن لم تنجح في هذا بشكل مرضٍ فهي تظل وفية للمبدأ الذي يوصيها بأن "لا تؤمن إلا بما تم البرهنة عليه" و بذلك تُحصِّن من يلجأ لها و يمنحها وفائه مِن التلقي السلبي و السطحي ل:"ما يُقال" سواء كان القائل صحفيا أو "خبيرا" وقد أشار غرامشي لهذا الجانب العظيم من الفلسفة حين وضح أهميتها و ضرورتها لكي لا يكون الانسان ناتجا عن التلقي السلبي و الميكانيكي للمحيط الخارجي إذ قال:
"(...)هل من الأفضل للإنسان» التفكير« بدون وعي نقدي و بشكل مفكك و صدفي أي» المساهمة «في مفهوم للعالم» مفروض« ميكانيكيا من قبل المحيط الخارجي أي من قبل إحدى الجماعات الاجتماعية الكثيرة التي يدخل الانسان إحداها أوتوماتيكيا منذ دخوله عالم الوعي (و هذه الجماعة يمكن أن تَتَمَثَّلَ بقرية الانسان أو اقليمه و قد تستمد أصولها الثقافية من الابرشية و من »النشاط الفكري «لراعي الأبرشية أو من الشيخ المسن الذي تصبح »حكمته« قانونا أو من المرأة التي ورثت معرفتها عن الساحرات أو من المثقف الذي» حمض« في غبائه و عجزه عن الفعل) أم أنّ الأفضل هو أنْ يبني الانسان مفهومه الذاتي للعالم بالوعي و النقد بشكل مرتبط بالتالي مع العمل الدؤوب لعقله و أن يختار نطاقه الخاص لنشاطه و يساهم إيجابيا في صناعة تاريخ العالم و أن يكون دليلا موجها لنفسه فلا يقبل سلبا من الخارج الطابع الذي يطبع شخصيته"(مختارات غرامشي –الجزء2)
×××××××
لقد تحدثنا عن الفلسفة كضرورة غير أنه من المهم جدا أن نضع في عين اعتبارنا أن المقصود بما أشرت له هو الروح الفلسفية الأصيلة التي قد تنعكس في "فلسفات" مختلفة لأنه من الضروري جدا أن نميز بين هذه الفلسفة التي تحمل دوما روحا ثورية و نقدية و بين نقيضتها الرسمية التي تكرس جهودها ل:"تلقين" الناس احترام المؤسسات الرسمية السائدة و في عصرنا الذي يسود فيه التشكيك و انعدام الثقة في المؤسسات الرسمية فمن المهم أيضا أن ندرك أنه بالإضافة لضرورة التمييز بين الفلسفة الرسمية التي تروجها الطبقة الحاكمة و الفلسفة الثورية التي نحن في أمس الحاجة لها و بين نظريات المؤامرة و الشك الدوغمائي الذي تتبناه الجماعات اليمينية و تروج له بشدة فلو أخدنا العلم الذي قلنا أنه من الواجب التعامل معه بشكل نقدي كمثال سيكون لازما علينا التفريق بين التعامل النقدي مع أفكار كتلك الواردة في كتب غوستاف لوبون(سيكولوجية الجماهير – روح الثورات...الخ) و بين ادعاء أن الأرض مسطحة لكن العلماء يتآمرون ضد الدين لإخفاء ذلك و لو أخدنا قضية أزمة المناخ كمثال آخر أشد راهنية و حيوية فسيتضح لنا كيف يمكن أن يتحول أي شيء غلى نقيضه إذا عُزل عن سياقه و تم التعامل معه بطريقة شكلية إذ أننا ندرك أن العلم غير منفصل عن المجتمع و المؤسسات السائدة الذي يشكل جزءا منها و أزمة المناخ أثبتت هذا بشكل واضح لكنها وضحت أيضا مدى تعقد ما أشرنا له ففي حين أن هناك عددا كبيرا من العلماء الذين يحذرون من الكارثة القادمة التي نلحظ حتى بوادرها فهناك أيضا الجماعات اليمينية التي تستند على الأبحاث المزيفة و المدفوع اجرها من طرف الشركات للتشكيك في صحة الأبحاث التي تحذر من الكارثة



#احمد_المغربي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على هامش بعض الاحداث: تأملات
- على هامش بعض الأحداث : شيرين و لينين و أشياء أخرى
- عن الانتحار
- لعنة التلعثم
- عن ما هو موجود و ما ينبغي أن يكون
- إلى الحب في عيده: بضع كلمات
- عن الأمل و اليأس
- عن أطروحة رأسمالية الدولة : بين الأمس و اليوم
- نظام الحسن الثاني و النظام الاسرائيلي
- السفسطة و الاغتصاب
- عن ما يحدث في المغرب و السودان : باختصار شديد
- عن الثائر الأممي تشي جيفارا
- حول الثورة المغربية و فئات المجتمع المغربي
- الحياة قبل الموت
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية
- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى
- الموضوعي و الذاتي
- لماذا استسلم السرفاتي ؟
- الاشتراكية الاضطرارية
- حول السلطة و القانون و المجتمع


المزيد.....




- قاض أمريكي يرفض الدعوى ضد ولي العهد السعودي في قضية مقتل خاش ...
- قاض أمريكي يرفض الدعوى ضد ولي العهد السعودي في قضية مقتل خاش ...
- واشنطن تحث أوروبا على مساعدة أوكرانيا في إعادة تأهيل الطاقة ...
- الرئيس العراقي لوفد أوروبي: لدينا استراتيجية خاصة للانفتاح ع ...
- ألمانيا ترفض تسليم أوكرانيا منظومات -باتريوت- للدفاع الجوي
- ليبرمان يدعو لسحب اعتماد صحفيي -الجزيرة- في إسرائيل
- واشنطن توافق على بيع دبابات -أبرامس- لوارسو
- البنتاغون: لا نتدخل لمنع كييف من تطوير أسلحة بعيدة المدى
- إدانة شركة دونالد ترامب بالاحتيال الضريبي
- خامنئي يدعو إلى إصلاح النظام الثقافي الإيراني


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد المغربي - عن الفلسفة: حديث شارد