|
على جسم السد
شريف حتاتة
الحوار المتمدن-العدد: 7211 - 2022 / 4 / 6 - 06:11
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
------------------------------- بعد خروجى من السجن فى أواخر سنة 1963 ، عينت طبيبا فى إدارة الوحدات الصحية الريفية بوزارة الصحة . وفى شهر يوليو سنة 1964 سافرت مع المرحوم الدكتور النبوى المهندس ، وزير الصحة إذ ذاك ، فى وفد للتفتيش على المنشآت الصحية فى أسوان . وقفت أطل من أعلى السد العالى . الصور تتوالى فى ذهنى . ليلة 26 يوليو سنة 1956 فى معتقل الواحات . صوت عبدالناصر نسمعه واضحا فى الخيمة حيث جلسنا القرفصاء . فى بعض الأيام كرهت هذا الصوت . لم ينطق بالحق دائما ، وسلبنى حقى فى الحرية والكلام . لكن الليلة صوته فيه دفء ، صاف كالبللور يحمله نسيم الليل فوق المسافات . الصدف فيه ينفذ إلىً ، يتبلور فى النطق ، فى النبرات . كان المذياع كبير الحجم فحفرنا له حفرة فى الرمل حتى لا يهتدى إليه الحرس ، وفى الليل أخرجناه ، وجلسنا حوله القرفصاء نستمع إلى كلماته تصل إلينا هادئة مفعمة بالعزم . لغتها بسيطة يخاطب بها الناس . فيها ذلك الحس الذى يقترب منهم فى اللحظات العظيمة ، يرفع الأقنعة ، ويقول كلمة الحق باترا كالسيف . تحدث عن " يوجين بلاك" رئيس البنك الدولى جاء إلينا يفاوضنا ، ويفرض علينا رقابة دولية مقابل القرض الذى سيبنى به السد . يريد أن يحدد مصادر الدخل ، وكيف نصرفها ، وأن يكرر ما فعله الإنجليز ، والفرنسيون . فى عهد خديوى مصر حفرنا قناة السويس بدماء عشرات الألوف من الفلاحين وعرقهم ، بالسخرة ، والفأس ، ثم بعنا الأسهم لنسدد القرض . الاستعمار القديم حل محله استعمار جديد اخطر منه . والخواجة " يوجين بلاك " جاء يذكرن بالخواجة " ديليسبس " . أسمع ضحكة عبد الناصر . ضحكة من القلب . ضحكة فيها مرارة ، وسخرية ، وحب للنفس ، وللشعب . ضحكة المنتصر على التردد ، والخوف يواجه الظلم . ضحكة مصرية صافية اخترقتنى ، وأنا جالس قرب المذياع اسمعه . أخذ قراره ، ونفذه . ستعود إلينا القناة . جزء من أرضنا . حفرناها بجهدنا . فى هذه اللحظة أحاطت الدبابات المصرية بشركة قناة السويس . أممناها . أصبحت ملكا للشعب . انطلقنا من أبواب الخيم . حملنا كل ما يمكن الاستغناء عنه . قطعا من الخشب ، جذوعا للنخيل نستخدمها للجلوس عليها ، فروعا للزعف جفت فى الشمس ، ملابس قديمة للسجن ، جردلا فيه كيروسين ، وصفيحة صغيرة من المازوت . كومناها فى الحوش على الرمل . أشعلنا فيها النار فصعدت ألسنتها حمراء فى الليل. رقصنا حولها رقصصة الفرحة بالنصر ، بالذل يرفع عن كاهلنا . رقصنا لعبد الناصر ، للأرض التى ولدتنا . قلبى يدق . اأشعر به تحت الضلوع كبير الحجم ، ملىء بالفخر ، بسعادة ليس لها حد ، تدمع عيناى . أتوقف عن الرقص . ساقاى ترتعشان من الجهد الذى بذلته . آخذ نفسا عميقا . نسيم الليل يتسلل إلىً ، أصابعه تلمسنى . عيناى تدوران حول المعتقل . أرى ألسنة النار تصعد حمراء وبرتقالية ، وذهبية اللون . انقضت الساعات ، واقترب الفجر . مازالت الأصوات تغنى . مازالت الأقدام تدق الأرض على وقع الطبل . لكن فى النصف الآخر من المعسكر ، حيث يرقد الأخوان المسلمون لا أرى شيئا غير أشباح الخيام ، والظلام . ولا أسمع شيئا سوى الصمت . ......................................................... أقف أعلى السد العالى وأطل فى عين الشمس . الريح تعبث بسترتى ، وتطيرها . أحكم أزرارها وأغلقها . الشمس على وجهى وجسمى تدفئنى ، والمساحات تمتد أمامى مثل الحرية بلا حد . مثل الحياة انتظرها . النظرة هنا مثبتة على شىء فى البعد . لا تنظر تحت قدميها ، فأمامها البراح تستكشفه . الوجوه فيها صحة لفحتها الشمس ، وصقلها الجهد . تقاطيع الطبيعة الصخرية تنتقل الى الوجوه ، مثل صيادى البحر . يرتدون القبعات ويضعون اليد فوق الحاجب ليحموا العين من الشمس . يشيرون إلى الجبل ، شقوه بالديناميت ، وآلات الحفر . أزالوا عنه الحطام ، وفى الفراغات التى صنعوها صبوا الأسمنت والجرانيت الأسود . آلاف العمال جاءوا ليبنوا السد ، لا بالسخرة وإنما بالأجر ، لا بالإجبار ، والقهر ، وإنما هذه المرة بقدر من الرضاء وفى لحظات بالفخر . نقلوا عشرات الآلاف من أطنان الحجر ، والرمل ليقيموا السد . عمل ضخم يحتجز وراءه بحيرة من المياه مساحتها خمسمائة كيلو متر مربع . قام به مئات من المهندسين ، والفنيين ، والعمال المهرة من مصر ومعهم عدد من السوفييت . يقف بعض المهندسين بالقرب مِنى . لا يملون من الشرح . أليس هذا العمل الضخم ملكهم ، صرحهم بنوه للغد ؟ . سيبقى بعد أن يرحلوا هم ، ليغذىمنطقة الوادى بالمياه ، وينظم الرى ، ويولد طاقة كهربائية تصل إلى أبعد بعد قرية ، وحى ، وتدير المصانع التى نحتاج إليها . يقولون عشرة آلاف كيلوا وات ساعة ، فأهز رأسى كأننى أدرك معنى هذا الرقم وضخامته . أتصوره فى خيالى قادرا على إضاءة مصر ، واكتفى بهذا القدر من الفهم . يشير أحدهم إلى المياه تتدفق شلالا أبيض من احدى البوابات ، يقول بنبرة فخر : " هذا هو التوربين الأول " . الرذاذ على وجهى ينعشنى . أستنشقه . أملأ صدرى بتدفق جديد للحياة فى الجسم . يضيف : " بعده سيتم تركيب التوربين الثانى والثالث " . خمسة وثلاثون ألف عامل ، جاءوا ليعملوا فى موقع السد . أغلبهم من صعيد مصر . مازال بعضهم موجودين بعد أن رحل أغلبهم .. أرى أجسامهم السمر تتسلق الجبال ، تنتقل على سطح الحجر الأبيض ، والأصفر اللون . أحد الواقفين يقول أن كسَارة الحجر يخرج منها غبار خطير على صحة العاملين . يتسبب عنه تكلس فى الرئة شبيه بما يحدث فى مناجم الفحم تحت الأرض . أعرف معنى هذا الداء . تكلس الرئة يحول دون أن تتنفس الرئة لتعطى الأكسجين للدم . انه يخنقها . يعنى الموت . لا يمهلهم سوى بضع سنوات ينقض بعدها عليهم . هكذا دائما . يبنون ويموتون . الأهرامات ، وقناة السويس ، والسد العالى ، وأشياء كثيرة أخرى. يقيمون المبانى ، والإنشاءات ، والصروح ، مقابل كسرة الخبر والمِش ، والفول ، والبصل والفجل . هبطت إلى التوربين . لم أر آلة بهذه الضخامة من قبل . أشعر بالرهبة أمامها . قدرة الإنسان غير المحدودة ، تتجلى فى هذا الصنع ينقلنا من عصر إلى عصر ، من الكيروسين والمازوت ، والفحم إلى طاقة نظيفة بيضاء اللون . انتقل فى صمت ، عيناى تلهثان من شىء إلى شىء آخر . أتأخر . أسير ببطء ، بعيدا عن الزحام ، عن المسئولين يشرحون للوزير ، يسألهم . يهز رأسه ببطء . حوله الوجوه . نفس الوجوه لا تتركه . تسير معه خطوة خطوة حتى لا يفلت منهم . فمنْ يدرى ، ربما فى لحظة غفلة بتسلل إليه منْ ليس منهم . صلعاتهم تلمع فى الشمس . أضع يدى فوق رأسى أتحسسه . الشعر أقل لكن الصلع لم يأت بعد . الوزير يقول شيئا ، يضحكون جميعا . لا يتخلف عن الضحك أحد منهم . هنا عيون الناس فيها بريق . ليست كعيون الجالسين خلف مكاتبهم . هنا يبنون حياة جديدة . لم يعد يهمهم الفراش المريح ، ولا أضواء المدينة . ربما وحشتهم الأسرة تركوها ، ولكنهم يحيون على الرسائل ، ومنظر البناء يرتفع أمامهم ليتحكم فى النهر . صعدنا مرة أخرى فوق جسم السد . وجدت إلى جوارى رجلا قصير القامة ، مدكوك الجسم يرتدى قميصا مفتوحا ، وبنطالا كاكى اللون ، وصندلا من الجلد . عيناه ضيقتان ، زاد من ضيقهما الحملقة فى ضوء الشمس .. ألمح فيهما بريقا حادا ، يطل من بين الجفون نصف المغلقة مثل عيون القط . خطواته فيها حيوية ، رغم حفر الزمن على وجهه . سألته : " منذ كم سنة ، وأنت هنا ؟ " . قال : " منذ ثلاث سنوات " . " والحياة صعبة هنا ، أليس كذلك ؟ " . " إلى حد ما ، لكننا تعودناها ، والعمل يستوعبنا . أنا لا أتعب إلا فى الصيف . عندى دوسنتاريا مسالة بسيطة مقدور عليها " . ساعة تناول الطعام جلسنا على مائدة طويلة مخصصة للضيوف . جاءت جلستى إلى جواره على الطرف . سألته : ما هو عملك فى المشروع ؟ . قال : " أنا نائب المدير التنفيذى للمشروع . اسمى " إبراهيم زكى قناوى " . ---------------------------------------------------------------------------- من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002 ------------------------------------------------------------------------
#شريف_حتاتة (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحياة تبدأ بعد السبعين
-
طائر أسمر عند شاطئ البحر
-
كبش الفداء فى أوروبا
-
اكتشاف ما ضاع مِنى
-
رجل على - دراعه -
-
انتحار أستاذ جامعة
-
انجيلا ديفيس
-
مدينة العبادة والفساد .. من يوميات خبير سابق
-
حماية النيل من الحسد
-
قضية لا تموت
-
امرأة من ايران
-
خواطر فى سرادق العزاء
-
بلد فوق قمة العالم
-
الوجه الآخر من القمر
-
إنهم لا يزالون الخطر الأكبر: عن «الإخوان المسلمين» أتحدث
-
عن حال العرب في ظل «الفوضى الخلاقة»
-
تمرد الطبقة الوسطى لا يصنع ثورة
-
اليسار وإنقاذ الرأسمالية
-
العولمة والعولمة البديلة
-
شقة إلي جوار الكنيسة
المزيد.....
-
-المعادن النادرة مقابل المساعدات العسكرية-.. ترامب يكشف ملام
...
-
الاتحاد الأوروبي يستعد للمواجهة بعد تأكيد ترامب فرض رسوم جمر
...
-
ترامب يطالب أوروبا بزيادة المساعدة لأوكرانيا
-
-بوليتيكو-: قلق كبير يعيشه نظام كييف إزاء تقارب المواقف الرو
...
-
السعودية واليابان توقعان مذكرتي تفاهم حول إنشاء مجلس الشراكة
...
-
-رويترز-: الولايات المتحدة تستأنف ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا
-
-Senego-: فرنسا تبدأ في سحب قواتها من السنغال
-
الرئيس الجزائري يندّد بـ-مناخ ضار- في العلاقات مع باريس
-
عشية زيارته إلى تركيا... الشرع يؤكد أن تنظيم انتخابات في سور
...
-
النائب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي جو ويلسون يدعو إلى ق
...
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|