أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - الحديقة في المنفى














المزيد.....

الحديقة في المنفى


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 7009 - 2021 / 9 / 4 - 02:43
المحور: الادب والفن
    


حين تخرج كي تتنزه في الحديقة المجاورة لمنزلك في شمال فرنسا، لا تقول لك الأشجار إنك غريب، والنباتات العطرية سوف تعطيك عطرها كما تعطيه لابن هذه الأرض، لا فرق. لن تهرب الحمامات الوديعة من خطواتك المقتربة، فأنت لست غريباً عنها، وكذلك الكلاب النظيفة المدللة، سوف تقترب منك طمعاً بملاعبة ولو بلمسة على الرأس.
أنت من ترى الأشجار بعيدة وقليلة الألفة، وترى عطر النباتات منحرفاً عن عطر النباتات. أنت من تبدو لك وداعة الحمام هنا بليدة، وتودد الكلاب بارداً.
لا بأس، تحاول أن تعالج الأمر، تحاول أن تخرج من ذائقتك الذاتية إلى ذائقة عامة أو أعم، لعلها تحررك من تلكؤ الشعور وبروده. تقول لنفسك: الأشجار هنا جميلة متسقة وكأنها مرسومة في لوحة، عالية ومغزلية الشكل، أو عشوائية ومتداخلة ولكنها متسقة مع ذلك. الأوراق اليابسة تحت الأشجار ناشفة دون تعفن، فهي تعود إلى الخريف الأخير فقط. هنا لا يُسمح للأوراق اليابسة بالتراكم عبر السنين فلا تتعفن. الممرات التي ابتكرتها الأقدام، تشق طريقها بين الأشجار محفوفة بالعشب. ألا ينبغي لهذا أن يكون جميلاً؟ هل يمكن للجمال أن يكون غريباً؟
وتتابع في دخيلتك: النباتات في الحديقة العامة تبدو كأنها مرسومة في دفتر واسع، أوراق خضراء لامعة وممتلئة بقوة الحياة. أشكال متعددة وألوان لا تنتهي من بينها الأصفر الصريح الذي يبهج روحك. لماذا تفشل مراراً في إدخال هذا الجمال إلى ذلك المكان "الخاص"، لماذا يبقى هذا الجمال بارداً ويفشل في اختراق الغلاف والوصول إلى العصب الذي يوحدك مع ما تراه وتذوب فيه إلى حدود التماهي؟
هنا شجر الدلب جميل، ولكن جماله متعثر، فأوراقه بلا وبر وجذوعه بلا خرائط وثماره الكروية المشوكة أصغر من ثماره هناك. شجر الحور هنا طويل ويتجه صوب السماء مثل سهم، لا يشتت مساره "السماوي" أي تفرع، أغصانه مضبوبة على الجذع بانضباط صاحب الحلم البعيد، وأوراقه لامعة وتعطي، مع هبوب الريح، صوت الحفيف الذي تألفه أنت، ما الذي يدفعك إذن إلى أن تجعل المنظر مجرد مدخل إلى منظر آخر تنظر فيه إلى أشجار الحور التي في ذاكرتك وتصغي منه إلى صوت الحفيف البعيد؟ هذا الصف الطويل من الحور يشبه كثيراً ذاك الصف الذي كانت تتباهى به قريتك كما تتباهى امرأة بعقد ثمين. الحور هنا يشبه الحور هناك. إنه يقترب من تخوم قلبك ولكن النفس، دون إرادة منك، تصده، بحجة إنه لا يتاخم ساقية "عين الجديدة" ولا يشرف على حقول "المرجة". حقاً، كيف يمكن أن يكتمل جمال الحور بعيداً عن تلك الأرض؟ وكيف للحور أن يكتمل دون أن تلتمع بين أوراقه التي تستعد للخريف، عناقيد عنب صفراء عالية؟
شجيرات الورد الجوري تشكل في الحديقة العامة، دوائر ومثلثات وصلبان مرسومة وملونة، وتصطف بنظام دقيق. على اليمين تحيط الورود الحمر بتجمع صغير من ورود بيض، وعلى اليسار يصبح الورد الأحمر في الوسط. وفي مكان آخر تنتصب شجيرات ورد حمراء عالية وسط مرج خفيض من الورد الزهري. ولكن حين يشدك هذا الجمال وتقترب لاستنشاق عطره، تعود خائباً لأنه لا يفوح بتلك الرائحة.
لا يوجد ما يذيب هذه الغلالة اللامرئية بينك وبين كل جمال خارج أرض مولدك، ولا حتى الزمن. هذه الحديقة جميلة وغنية، مع ذلك فإنها ليست أكثر من نافذة إلى تلك البيئة الأقل جمالاً وغنى، ولكنها الأكثر تمكناً من النفس والأكثر إثارة للشعور بانتماء مشترك أو بولادة مشتركة. كل جمال هنا هو مجرد طريق إلى جمال هناك. "حلب قصدنا وأنت السبيل".
الأقحوان وحده يذيب غشاء الغربة. الأقحوان لا يكون إلا هو، هنا وهناك. بساطته وعفويته وبياضه الناصع وهذا اللب الأصفر الذي يجعل الأقحوانة شمساً بأشعة بيضاء، هو القاسم المشترك للعالم النباتي في كل البلدان. إذا طلبت من طفل في أي مكان في العالم أن يرسم لك زهره، سوف يرسم أقحوانة. قد يخطئ في التلوين، ولكنه لن يخطئ في الشكل.
الأقحوان قريب إلى الأرض، سهل النمو، لا يطلب عناية من أحد، لا يغيب عن الأرض. حتى في أشد الأيام برودة سوف تجد زهرة اقحوان ما في زاوية ما من الحديقة. الأقحوان لا يتخلى عن الأرض، هو زهرة الفصول والابتسامة التي لا تفارق الأرض.
لا يخترق الغلاف الشفاف لغربة المنفى سوى الأقحوان وابتسامات العابرين بك في الطريق.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات سورية تعلو بالخيبة
- أفغانستان وظاهرة التنكر الوطني
- موت البرامج السياسية
- انقسام جديد بين السوريين
- لكي تكون الديموقراطية ممكنة
- في الحاجة إلى مركزية مضادة
- العرض التونسي للمشاهد السوري
- -نريد وطناً-
- هل يمكن تجاوز الانقسام السوري؟
- بين إرهاب قادر وإرهاب قاصر
- عن العنف وصعوبة السياسة
- الجزائر اليوم، سوريا المستقبل
- بين الكميون والبرميل
- كيف صارت سوريا إلى ما هي فيه؟
- خدعة التبسيط وبؤس الجذرية
- قلوب بيضاء تحت ستار أسود
- لوحة كئيبة بلون واحد اسمها سوريا
- على ماذا يبتهجون؟
- حين تصبح -الديموقراطية- وبالاً على الناس
- الربيع العربي، إشكالية العلاقة بين الشعب والنخب السياسية 2


المزيد.....




- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - الحديقة في المنفى