أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - أحمد هيكل - الثقافة الذكورية وجسد المرأة














المزيد.....

الثقافة الذكورية وجسد المرأة


أحمد هيكل

الحوار المتمدن-العدد: 6935 - 2021 / 6 / 21 - 09:41
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


زرعت الثقافة الذكورية فى عقولنا أن جسم المرأة شهوة وفتنة، فلا يستطيع المرء أن يرى فى جسد المرأة إلا ما يثير غريزته، فيصبح غيرَ قادر على التعامل معها -ولو مرة واحدة- بشكل سوىّ، وبدون أن ينحِّىَ غرائزه المسعورة. فالمرأة كلها عورة، لا يجوز أن يظهر منها أى عضو من أعضائها، أى أنَّ عليها أن تسير متكفنة حتى يستريحَ الرجل من عناء الشهوة ولا تهتاج أحاسيسه! فراحة الرجل أولى من حرية المرأة! وعليها ألا تختلى بأحد حتى ولو كان مديرَها فى العمل أو زميلَها فى الدوام! فالهاجس الجنسىّ هو ما يحرك التشريع والفكر الذكورىّ على الدوام، بحيث أصبح له سلطة على العقل؛ فلا يستطيع أن يتحرر من هذا الهاجس المتسلط. لذلك نجد التشريعات المتعلقة بالمرأة فى هذا الشرع الذكورىّ متحاملة على المرأة وتحملها مسئولية أخطاء الرجل، فإذا رققت المرأة قولها أو خففت ملابسها أو تصرفت بتلقائية وبدون حرج، فهى الملومة وليس المتحرش!
وفى حقيقة الأمر، لا يوجد شيء يعدُّ فى حد ذاته فتنة أو شهوة أو عورة، ولكنه الوصف الشعورىّ الذاتىّ غير الموضوعىّ الذى يسبغ أمور حياتنا، وهى مشاعر النفس المضطربة إزاء ما تواجهه، وهكذا الأمر مع كل ما يحسه الإنسان وما يشعر به، فلا يوجد شىء موضوعىّ اسمه فتنة أو شهوة أو عورة، ولكننا نسقط ميولنا وأحاسيسنا ومشاعرنا على كل ما يقع خارج إطار الذات! وليس أدلَّ على ذلك من اختلاف النظرة إلى جسد المرأة بحسب كل ثقافة، ففى حين يُنظر إلى العرىّ فى الثقافة العربية على أنه إشارة إلى الشبق والإثارة، تنظر الثقافة الغربية إلى العُرِيّ على أنه يرمز إلى دلالات اجتماعية وفكرية بعيدة. وقد استخدمت النساء التعرِّيَّ عن قصد في أفريقيا بُغيةً توجيه اللعنة، ويرجع تاريخ هذه الممارسة الثقافية إلى قديم الزمان، ومازلت تمارس في أماكنَ كثيرةٍ حتى يومِنا هذا. وقد استخدِمَ تهديدُ التعرية بنجاح في مظاهرات ضخمة ضد صناعة البترول في نيجيريا، كما استخدمته الناشطة والحائزة على جائزة نوبل للسلام ليما غبوي خلال الحرب الأهلية الليبيرية الثانية، وضد الرئيس لوران غباغبو في ساحل العاج. كما يعدُّ اللجوء إلى التعرى أسلوبا من أساليب الاحتجاج، إذ يقوم فيه المحتجون بالتعري بشكل كامل أو جزئي كوسيلة لإثارة الانتباه أو إظهار السخط من سياسة أو قانون ما بطريقة سلمية. كما تتجه بعض الدول الأوروبية (على سبيل المثال: ألمانيا وفنلندا وهولندا) إلى إتاحة الفرصة لكلا الجنسين الاستحمام عراة معًا، ومن ناحية أخرى توجد حمامات بخار فنلندية مختلطة، ودائمًا تحضر عاريًا!
وتختلف كل ثقافة عن الأخرى فى النظر إلى ما ينبغى حجبه أو كشفه من جسد الإنسان أو المرأة، وذلك تبعًا لرؤية كل ثقافة من هذه الثقافات للإنسان، وعلى حسب موقع الجسد ومكانته وتأثيره فى هذه الثقافة، فالثقافة العربية فى الحقيقة تختزل الإنسان إلى جسد، فتولى الجسد اهتماما كبيرا شرعيا وفقهيا وعرفيا، فمنذ اللحظة الأولى لبلوغ الرجل والمرأة يبدأ المجتمع فى تحديد وضبط سلوك وملبس الاثنين، فالمرأة عورتها كل جسمها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها ما عدا الوجه والكفين على الراجح، والرجل عورته ما بين السرة إلى الركبة عند جمهور أهل الفقه . كما تحرص الأسرة والمجتمع على الالتزام بتلك المعايير والأوصاف الدينية، فالجسد وَفقَ هذه الرؤية يتحول إلى ملك للمجتمع وليس لصاحبه، إذ تسعى السلطة الأبوية الرجعية لفرض الزى والملبس بالقوة، والفقه والفتاوى الدينية عندنا منشغلان أشدَّ الانشغال بما تلبس المرأة. أما الثقافة الغربية فتتعامل مع الجسد باعتباره ملكا للإنسان أو لصاحبه وليس للمجتمع حق الوصاية أو فرض ملابسَ بعينها، كما أن الجسد في الثقافة الغربية لا يغدو أو يصبح هو محور الاهتمام، بل السلوك الأخلاقى للفرد هو الأهم ، فلا يهم ماذا تلبس بل الأهم : كيف تفكر ، ماذا تنتج ، هل تلتزم بالأخلاق الإنسانية ؟
ولا يشكل الجسد بالضرورة ، من حيث حجبه أو كشفه، عند كثير من الشعوب والثقافات، أهمية بالغة، ولا يرتبط كشفه أيضا بقصد الإثارة الجنسية، حيث إن دلائل وشواهد واقعية كثيرة تؤيد ذلك، فإنَّ تطور الإنسانية فى القرنين الأخيرين، وتغير وسائل الإنتاج، وظهور الآلة، وتسارع وتيرة الحياة، قد دفع الإنسان إلى تغيير عوائده وأزيائه، بنفس الدرجة التى دفعته إلى تغيير نظامه الاجتماعىّ، وهو ما أدى إلى ظهور أشكال وأنماط جديدة للزىِّ تناسب التطور. بل لا يمكن فهم حركة تعرى المرأة والإنسان بوجه عام فى عصرنا بدون فهم الملابسات والظروف الحضارية التى أدت إليها، فالزى يلبِّى حاجة الإنسان الحضارية في المقام الأول، والشعوب التى تحرَّرت من ملابسها التقليدية إنما كانت تشبع هذا الاحتياج الحضارىَّ بالأساس، وكلما صارت أمة أكثر عمليَّة في حياتها وتقدمت وسائل وأدوات إنتاجها، أصبحت أكثر احتياجًا إلى تغيير ملبسها وتطوير أزيائها، كما أن الشعوب التى تمتاز برتابة الزى وتتصف أزياؤها بأنها محافظة، هى في الأخير تتبع نمط إنتاج وأسلوب حياة تقليدى لم يسمح لها بتغيير عوائدها.



#أحمد_هيكل (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمود الحركة الإسلامية نذير بزوالها
- عرىّ الجسد.. بين النظرة الجمالية والشهوانية
- هل الأسرة التقليدية هي أفضل أشكال الروابط الاجتماعية ؟
- عن الأسرة والتحولات الاجتماعية مرة أخري
- كيف نشأت العائلة ؟
- الحرية بين الإسلام والثقافة الغربية
- الصراع بين الدين والعلم من جديد
- ماذا بعد الكورونا ؟
- العالم بعد كورونا


المزيد.....




- هل تستخدم فرنسا منع الحجاب سلاحا ضد المسلمين؟
- بريطانيا.. اتهام رسمي للممثل الشهير راسل براند بـ-الاغتصاب- ...
- فرنسا: -أنهوا سعادتي بسبب وشاح-... رياضيات مسلمات يخشين من م ...
- توجه فرنسا لمنع الحجاب يصيب رياضيات مسلمات بالإحباط
- في الحرب كانت في الميدان… وفي السلم: “حجابها لا يشبه هوا لبن ...
- سجل الآن وأحصل على 8000 دينار شهريًا “منحة المرأة الماكثة في ...
- دراسة حديثة: النساء يسمعن أفضل من الرجال بفارق ملحوظ
- لماذا نكره؟ نظرة مختلفة حول -العاطفة البغيضة-
- طبيب مغربي يروي شهادة صادمة عن معاناة النساء الحوامل في غزة ...
- الرسوم الجمركية : حسابات دقيقة أم قفزة في المجهول ؟ وفي فرنس ...


المزيد.....

- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل
- بعد عقدين من التغيير.. المرأة أسيرة السلطة ألذكورية / حنان سالم
- قرنٌ على ميلاد النسوية في العراق: وكأننا في أول الطريق / بلسم مصطفى
- مشاركة النساء والفتيات في الشأن العام دراسة إستطلاعية / رابطة المرأة العراقية
- اضطهاد النساء مقاربة نقدية / رضا الظاهر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - أحمد هيكل - الثقافة الذكورية وجسد المرأة