علي وتوت
الحوار المتمدن-العدد: 1583 - 2006 / 6 / 16 - 11:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
المؤسسة العسكرية في الدولة العراقية السابقة
(1-2)
د. علي وتوت
باحث في سوسيولوجيا السياسة
[email protected]
يتوخى الباحث في المقالة الحالية أن يفسـر كيف نمت وتطورت مؤسـسات معينة أتاحت للدولة العراقية السابقة أن تصبح أداةً قوية لتنظيم وقيادة الناس. ويجب التأكيد على أن وصف ظاهرة ما ليس أبداً علامةً على الموافقة عليها. وسوف يحاول التركيز على الدور السلبي للجيش في الانتقال بالدولة المؤسساتية الحديثة في العراق إلى الدكتاتورية البغيضة.
إذ يمكن النظر فعلاً إلى الدولة العراقية الجديدة كنسق من العلاقات السياسية اخترقته المؤسسة العسكرية تدريجياً ثم لعبت فيه دور الطاغي. وكان هذا الدور ينمو طبيعياً بقدر ما كانت عليه النخبة المدنية مفككة وهزيلة، بسبب هشاشة معالجتها لعدد من التحديات التي رافقت قيام الدولة، لاسيما مسألة تثبيت حدود الدولة مع جيران طامعين بأرض العراق، والتمايزات العرقية والمذهبية في المجتمع، وقوة الروح القبلية، ونظام ملكية عقارية متخلّف، ناهيك عن التفاوتات الاقتصادية الهائلة، وانعدام الأخلاقية والتماسك في أوساط النخبة التي تسلّمت مقادير الحكم( ). ولكنها وقبل كل شيء معدة لقمع المجتمع.
وقد يكون الملك فيصل الأول (متجاوزاً لصلاحياته بحسب الدستور) أوضح الساسة العراقيين في رؤيته لدور الجيش، فلقد كتب في المذكرة الشهرية التي وزعها على بعض السياسيين قبل وفاته بأسابيع، انه يرى في الجيش العمود الفقري لتكوين الدولة الحديثة (أو الأمة كما يقول). ويضيف فيصل: (إنني لا اطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الحاضر الذي سوف نتطلبه منه بعد إعلان الخدمة العامة. أما ما سأطلبه منه الآن هو أن يكون مستعداً لإخماد ثورتين تقعان (لا سمح الله) في آنٍ واحد في منطقتين بعيدتين عن بعضهما). ولم يسأله أحد من السياسيين العراقيين لماذا تحدث هاتان الثورتان مثلاً ؟؟
لقد درس أحد الباحثين( ) تكوين الفئة العليـا من الجيش العراقي من خلال عينة واسعة تضّم (61) ضابطاً كبيراً كانوا في الجيش النظامي عشية انقلاب 1936. والصورة المتأتية عن العينة تشير في الواقع إلى ضيق واضح في المساحة الاجتماعية التي ينتمي إليها هؤلاء الضباط. ذلك أن (95%) منهم كانوا من المسـلمين السنّة، بينما لم تكن هذه الفئة تشكل آنذاك أكثر من (46%) من المجتمع. وكان (67%) من مواليد بغداد، بينما لم تكن العاصمة تضّم أكثر من (8%) من سكان العراق. وكان (82 %) قد تدربوا في الجيش العثماني، وعملوا فيه على الرغم من انقضاء (16) عاماً آنذاك على تأسيس الجيش العراقي. وتعطي هذه الأرقام صورة عن مدى التشابه في الهوية النخبتين المدنية والعسكرية آنذاك، كما تشير أيضاً إلى التمثيل المتواضع للمجتمع المدني من خلال نخبته العسكرية. فالمؤسسة العسكرية كانت خارج المجتمع الحقيقي، إن جاز القول، وكان دورها تالياً مواجهته( ). وسيتضح دور الجيش في اللعبة السياسية الداخلية في مبادرة علماء الشيعة، وأيضاً بعض شيوخ الأكراد وقادتهم لرفض التجنيد الإجباري. فليس من الصدف فعلاً أن يستعمل الجيش بعدها لضرب عصيان الشيخ محمود في منطقة السليمانية، ثم لضرب محاولات الآشوريين الانفصالية، ثم أخيراً لضرب انتفاضة العشائر في الفرات الأوسط في عامي 1935 و1936.
في هذا الجو، حصل انقلاب بكر صدقي الذي حظي بعد نجاحه على الأقل، بتأييد عدد من الأطراف: الملك نفسه، المفوض السامي البريطاني، وبعض الأحزاب والجمعيات الوطنية بما فيها جماعة (الأهالي). لكن الانقلاب لم يحدث أثراً يذكر في الحياة السياسية العراقية، ذلك أن الجناح العسكري من النخبة، كان يعيش تناقضات ومطامح وخلافات وحدود الجناح المدني منها. وبقيت هيمنة العاصمة على الحياة السياسية قائمة من خلال أسماء جديدة نسبياً، ولكنها ضحية القيود نفسها (من أمثال جعفر أبو التمن أو كامل الجادرجي أو حكمت سليمان ويوسف عز الدين). وخلال عمر الحكومة الانقلابية القصير (عشرة اشهر ونصف) لم يحصل أي أمر يمسّ حقيقة تركيبة السلطة.
لكن أحداث 1941 ولجوء الوصي الواضح للبريطانيين ليساعدوه ضد أبناء شعبه، أدت إلى تغير جوهري في بنية الجيش. منها إحالة أكثر من ثلثي الضباط على التقاعد وتسريح أعداد واسعة من العسكريين وعدم شراء أسلحة ومعدات. ولم تتغير هذه السياسية في جوهرها حتى عام 1958 باستثناء تحسينات متواضعة في أحوال الضباط بعد حصول انقلاب 1952 في مصر وخوفاً من تكراره في العراق. والواقع انه بعد 1941 تبنّت الأسرة والنخبة الحاكمتان الموقف البريطاني الرافض لمشاريع فيصل إنشاء جيش وطني والمتسامح مع الاستقلالية الذاتية للقبائل المسلحة. غير أن ما تبقى من الجيش بعد سنوات من التطهير المنظم، كان موالياً للسلطة التي سوف تستطيع الاتكال عليه لمواجهة انتفاضات 1948و1952و1956 الشعبية( ).
لكن هذا الجيش المراقب والمضطهد إلى حد كبير سيقوم بانقلاب ناجح في تموز (يوليو) من عام 1958. فالجيش في العراق، وليس المجتمع، هو الذي تحول أولاً لإسقاط النظام الملكي وإبادة العائلة المالكة وهي ترفع راية بيضاء( ). وكان ردة الفعل الشعبي عفوياً في تأييده الساحق لهم، وانتقام أهل بغداد الشرس من رموز النظام الملكي. أدى نجاح الانقلاب إلى تبدل أساسي في وظيفة المؤسسة العسكرية، إذ انتقلت من دور المحافظة على النظام وأداة للقمع تستعمل من حين إلى آخر، إلى تكوين العمود الفقري للنظام الجديد. لكنه كان عموداً هشاً( ).
إن التغييرات والمنعطفات السياسية التي شهدها العراق منذ الثلاثينات مروراً بالأربعينات والخمسينات وصولاً إلى الثمانينات، حطمت الدولة البرلمانية التقليدية (1921-1958)، وأزاحت الدولة التسلطية / العسكرية الحديثة (1958-1968) بعد أن أضعفتها بسلسلة انقلابات، ثم فتحت الطريق إلى نشوء الدولة الكليانية (الشمولية). هذه التغيرات الكبرى كان عمادها الرئيس ومحركها الفاعل: منظم العنف (الجندي / السياسي)( ).
وعاد الجيش أو بعض الجيش إلى انقلاب فاشل في الموصل في آذار 1959. وشهد عام 1963 انقلابين عسكريين في 8 شباط (فبراير) و18 تشرين الثاني (نوفمبر). اللذين أوضحا للعيان هشاشة الوحدة داخل القوات المسلحة، واثبت أيضا أن التوجهات السياسية لا تخلو من التلوينات الطائفية. برز واضحا أولاً, أن أحياء بغداد السنية كان اقرب إلى انقلابي1963 منه إلى نظام قاسم. كما تبين أن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة العسكريين بلا استثناء هم من السنّة. واثبت انقلاب 1963 أيضاً أن للعسكريين طموحات سياسية لا يستطيع حزب البعث، وكان آنذاك بقيادة علي صالح السعدي، الحدَّ منها. ولم تنجح محاولة البعث إنشاء حرس وطني تحت سيطرته، يعّد للتوازن مع العسكريين لمصلحة الحزب فما لبث منذر الونداوي، رئيس الحرس (البعثي) أن أقيل، وما لبث العسكر أن اخرجوا البعث من السلطة الجديدة( ).
#علي_وتوت (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟