أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 1














المزيد.....

سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 1


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6424 - 2019 / 11 / 30 - 15:01
المحور: الادب والفن
    


" العم سليم "، مثلما كانت ابنة الآغا تدعو وكيلَ والدها بكثير من الود والتدلّه، كان يكبرها في حقيقة الحال بنحو عشر سنين. وها هوَ عُمر أديبة يُضيف إلى هذا الرقم خمسة أعوام أخرى، لتغدوَ صاحبته بنضج تفاح بلدة الاصطياف الأشهر في بر الشام. لكن أسرتها لم تعُد محسوبة على المصطافين المتنعمين، القادمين من دمشق، ولا أيضاً لها الصفة السابقة؛ كلائذة في حمى البلدة الجبلية على أثر فتنة عام 1860. لقد استقرت الأسرة هنا نهائياً، أو على الأقل، لحين أن يُقرر رمضان آغا شيئاً مخالفاً لكلمة الشرف: إنه تعهّد لحميه، والد حوريّة، أن يبقى في الزبداني ما انفكّ هذا الأخير على قيد الحياة. الأب الملول، برغم أنه فلاحٌ بسيط، امتلك الكرامة ليفرض ذلك الشرط على صهره، متعللاً بخشيته أن تُضامَ ابنته وهيَ بعيدة عن عينيه.
كان الآغا يكبر امرأته بعقدين كاملين من الأعوام، لدرجة أن بعض ساكني القرى، المحيطة كالسوار بالبلدة، كانوا يظنون حينَ رؤيتهم لهما معاً أنهم أمام أب وابنته. في مستهل أيام الزواج، وكانت قد أعقبت فترة من الحزن والحِداد على والدة أديبة، أعتاد الآغا على القيام بجولات مع عروسه خِلَل الطبيعة، المونقة بلونيّ الخريف الأثيرين، الأصفر والأحمر. كأنما شعر حوريّة، الطويل والمخفيّ عادةً طيّ منديل رأسها، قد مسّه سحرُ هذين اللونين مذ أن كانت طفلة بعدُ.. وقد بقيت كذلك في نظر رجلها؛ طفلة محبوبة، مدللة. إنه كان متسامحاً مع انطلاقها الحر، في أوان جولاتهما على الخيل والتي كانت تكشف لهما أمكنةً ربما لا يعرفها حتى سكان المنطقة. إنما في البلدة، كان مسلكه يرتد إلى خصلة المحافظة، المأثورة عن أهل دمشق. إذاك، عليها كان أن تسير خلفه، مفصولة عنه بعدة خطوات، ملتحفة بالملاءة السوداء من رأسها حتى أخمص قدميها وقد ضمّت اليدين بإصرار إلى الصدر ـ كما لو أنها غرابٌ عملاق على أهبة الطيران نحوَ سماءٍ مستحيلة، أسطورية.

***
في المقابل، كان ابنة الآغا فرساً جموحاً غير مروّضة، إلا أنها من منبت أصيل ولا شك. زهدها بالطاعة والانقياد، قد يكون ناتجاً عن نشأتها الأساس في الريف وبعيداً تقريباً عن عينيّ الأب. ذلك أنّ رمضان آغا، انشغل أولاً بمرض والدة أديبة ومن ثم بعروسه الفتيّة. هذه الأخيرة، بحُكم سنّها، لم تكن مؤهلة لرعاية ابنة زوجها. لذلك عمد هوَ إلى تكليف امرأة البستانيّ بالمهمة، كونها كانت قريبة من الأم الراحلة في خلال أيامها الأخيرة. جهدت الخادمة في الإخلاص لوظيفتها الجديدة، كمربية لطفلة السيّد، وكانت تلقى تشجيعاً من رجلها حتى لو اضطرت للنوم معها بعدما تستنفذ كل حكاياتها الخرافية.
ذات مرة، سألت ابنةُ العشرة أعوام " الخالةَ آمنة "ـ كما كانت تدعو المربية ـ ما لو أنّ هذه على قرابة بوالدتها الراحلة. " من أدخل هذا الكلام الغريب في رأسك الصغير؟ "، تساءلت المربية بدَورها في ريبة ساذجة. نفت الصغيرة أن يكون أحدهم قد أبلغها ذلك. أوضحت غبّ لحظة صمت: " إنك تشبهين أمي قبل مرضها، كما أنكما لم تفترقا إلا بعد.. ". ثم سكتت غاصّة بالكلمة الأخيرة. أثّر الموقفُ كثيراً على امرأة البستانيّ، فقررت منذئذٍ أن تكون بمثابة الخالة لهذه الطفلة اليتيمة، المحرومة أيضاً لحد كبير من رعاية الأب وحنانه. بيد أنها ما كانت تعرفُ حقاً طباع البنت، وما ستجرّه على نفسها من مشاكل مستقبلاً. في البدء، تظاهرت الصغيرة بالطاعة فيما كانت تطلبه منها المربية؛ أو أنها كانت ما تفتأ تنمو ببطء، نبتةُ التمرد في داخلها. هكذا دأبت على مساعدة الخالة آمنة، في تلك السنوات المبكرة، في شؤون المطبخ والحقل والزريبة.. وإلى ما هنالك من واجبات، تفرضها حياة الريف.

***
قلنا، أن ابنة الآغا بلغت الخامسة عشر من عُمرها. لم يعُد مسموحاً لها أن ترافق المربية إلى البلدة، وهيَ ممسكة بيدها في حرص خشيَة أن يظهر لها فجأة كلبٌ كبير الحجم، ليتعقبها دونما هدف سوى التسلية بإدخال الرعب لقلبها. قبل ذلك، وتحديداً منذ عامين، كانت الخالةُ آمنة مَن تشد على يد الفتاة بحركة متعمّدة حينَ يتعلق نظرُ أحد الشباب بوجهها الجميل وقوامها الرشيق، الملفوف جميعاً بالملاءة السوداء. لكن الجميلة الرشيقة كانت أحياناً تبادل إحدى تلك النظرات بابتسامة رضا، ما يُسبب غيظ المربية. ذات مرة، أرادت هذه زجر الفتاة المراهقة على طريقتها القروية. كانتا في البلدة، لما مرتا بالقرب من دكان جزارة وقد بدا المعلّم منهمكاً في ذبح خروف على قارعة الدرب: " هكذا يكون مصير الفتاة، التي لا تحفظ شرفها لحين الزواج! "، خاطبت ربيبتها دونَ أن تنظر إلى ناحيتها.
" نحنُ لسنَ عاجزات مستسلمات، شأن هذا الخروف "، صدمت مربيتها بجوابها القاطع كحدّ سكين الجزّار.

* مستهل الفصل الثاني/ الكتاب الثالث، من سيرة سلالية ـ روائية، بعنوان " أسكي شام "



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 3
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 1
- ليلى والذئاب: الخاتمة
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 5
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 4
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 3
- ليلى والذئاب: مستهل الفصل الرابع عشر
- ليلى والذئاب: بقية الفصل الثالث عشر
- ليلى والذئاب: الفصل الثالث عشر/ 2
- ليلى والذئاب: الفصل الثالث عشر/ 1
- ليلى والذئاب: بقية الفصل الثاني عشر
- ليلى والذئاب: الفصل الثاني عشر/ 1
- ليلى والذئاب: الفصل الحادي عشر/ 5
- ليلى والذئاب: الفصل الحادي عشر/ 4
- ليلى والذئاب: الفصل الحادي عشر/ 3
- ليلى والذئاب: الفصل الحادي عشر/ 2
- ليلى والذئاب: الفصل الحادي عشر/ 1


المزيد.....




- بقفزات على المسرح.. ماسك يظهر بتجمع انتخابي لترامب في -موقع ...
- مسرحان في موسكو يقدمان مسرحية وطنية عن العملية العسكرية الخا ...
- مصر.. النائب العام يكلف لجنة من الأزهر بفحص عبارات ديوان شعر ...
- عام من حرب إسرائيل على غزة.. المحتوى الرقمي الفلسطيني يكسر ا ...
- قصيدة عاميةمصرية (بلحة نخيلنا طرق)الشاعر مصطفى الطحان.مصر.
- بيت المدى ومعهد -غوته- يستذكران الفنان سامي نسيم
- وفاة الممثلة المغربية الشهيرة نعيمة المشرقي عن 81 عاما
- فنانون لبنانيون ردا على جرائم الاحتلال..‏إما أن نَنتَصر أو ن ...
- مخرج يعلن مقاضاة مصر للطيران بسبب فيلم سينمائي
- خبيرة صناعة الأرشيف الرقمي كارولين كارويل: أرشيف اليوتيوب و( ...


المزيد.....

- جماليات الكتابة المسرحية الموجهة للطفل مسرحية "سندريلا و ال ... / مفيدةبودهوس - ريما بلفريطس
- المهاجـــر إلــى الــغــد السيد حافظ خمسون عاما من التجر ... / أحمد محمد الشريف
- مختارات أنخيل غونزاليس مونييز الشعرية / أكد الجبوري
- هندسة الشخصيات في رواية "وهمت به" للسيد حافظ / آيةسلي - نُسيبة بربيش لجنة المناقشة
- توظيف التراث في مسرحيات السيد حافظ / وحيدة بلقفصي - إيمان عبد لاوي
- مذكرات السيد حافظ الجزء الرابع بين عبقرية الإبداع وتهمي ... / د. ياسر جابر الجمال
- الحبكة الفنية و الدرامية في المسرحية العربية " الخادمة وال ... / إيـــمـــان جــبــــــارى
- ظروف استثنائية / عبد الباقي يوسف
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- سيمياء بناء الشخصية في رواية ليالي دبي "شاي بالياسمين" لل ... / رانيا سحنون - بسمة زريق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 1