|
استعصاء مفهوم الانبطاح ...
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 6195 - 2019 / 4 / 8 - 10:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ ما يزال المصطلح الذي سنأتي عليه بعد قليل يترنح تحت وطأة التكرار الذي ساد في الحروب ، فمنذ وقت طويل كان يلفت انتباهي تلك الوضعية التى ارتبطت مع ظهور الطيران الحربي في سماء لبنان ، فالجميع بلا استثناء وأثناء قصف سلاح الجو للمواقع الأرضية وبدون مقدمات يأخذون وضعية الانبطاح كملجاء آمن ومن يتجاهل فعل ذلك يتم توبيخه وبشدة وهذا بالفعل لم يقتصر الفعل على ساحات القتال كما كان الحال في لبنان ، بل كانت معظم الأفلام التى شهاهدتها في حياتي ( الانبطاح ) هو الشيء الوحيد المتفق عليه بين الجنود ، ومنذ تلك المشاهدات والأحداث المتتالية فرض الوعي عليّ سؤال وبالتالي جعلني أسأل نَفْسِي قبل الآخرين ما هي الحكمة من وراء الانبطاح طالما القذيفة بعد انفجارها في الأرض تشكل انشطار على شكل مظلاتي من الأصغر إلى الأكبر ، أي لا مجال للمنبطح تجنيب نفسه من الإصابة ولأنني ايضاً كنت أخجل طرح مثل هذا السؤال لكي لا يقال عني مستجد أو بلا خبرة لكن ظلت مسألة التموضع تحيرني إلى يومنا هذا .
تماماً مرت الأيام حتى جاء اجتياح لبنان 1982م ، كانت سماء لبنان شبه مغطاة بالطيران في المقابل كانوا ايضاً الناس في حالة انبطاح متكرر وبالتالي شجعني الانبطاح الجماعي طرح تساؤلي بل وجدتها فرصة مناسبة لأنها من الممكن لها أن لا تكرر ، وبالفعل سألت أحد المنبطحين والطاعنين بالحروب ، لماذا ننبطح في كل مرة يتم قصفنا من قبل الطيران ، لأتفاجاء بقوله لي كيف تسأل مثل هذا السؤال البديهي ، إيّاك مرة أخرى تطرح مثل هذه الأسئلة على شخص أخر غيري كي لا تصبح مضحكة ، بالفعل أصابتني البديهية بصمتها .
للأمانة إلتزمت الصمت وهو ليس من عادتي لكني وجدت نفسي مضطر إلى ذلك مع أني استمريت بالبحث عن إجابة تشفي غليل فضولي ومعرفة السبب ، وبالفعل مرت الأيام وفي يوما ما شاءت الأقدار أن ألتحق مع مجموعة من 13 شخص للسفر إلى بولندا لتلقي دورة عسكرية لمدة أربعين يوماً وبقدر فرحتي بالانضمام إليها لكن كان هناك ما في داخلي يقول اخيراً سأحصل على سؤالي الذي طال الإجابة عنه ، وبعد مرور 30 يوم من تلقينا كل ما يمكن يخص العسكرة إلا أن مدربين المعسكر لم يأتوا على مسألة الانبطاح والطيران أبداً وانتابتي شعور الخجل لطرح سؤال الانبطاح في مثل هذه الكلية الحربية ، لكن في اليوم الواحد والثلاثون طرحت ذات السؤال على زميلي في الغرفة وقلت يا كامل لعلى أجد جواب مقنع لديك عن تساءل قد بات مشكلة لدي ، لكن رد فعله كان تماماً كرد من سبقه ، المهم في النهاية عدنا من الدورة وفكرة الانبطاح مازالت مجهولة لي وبديهية للآخرين .
راحت الأيام وجاءت ايّام أخرى وتشكلت علاقة وطيدة مع رجل يعمل في المخابرات العامة ، الآن هو لواء متقاعد ، بالطّبع الرجل طاعن في الحروب والاقتتال وله صولات وجولات في ميادين الاشتباك ، وجدتها فرصة وقلت لنفسي بالتأكيد سأجد بعد هذا العمر جواب عن سؤالي الذي دوخني ، لكن التجارب السابقة علمتني أن أتحسس الفرصة المواتية في طرح السؤال طالما السؤال بديهي ويُعيب سائله ، وفي ذات يوم تلقيت اتصال منه يدعوني إلى حيث يجلس ، بالفعل وجدته قد توغل بشرب الكحول وهو في حالة نادرة لكي يجاوب عن الأسئلة التى لم يُجيب عنها التاريخ ، لهذا شجعني المحيط والجو العام وقلت هذه فرصتي الوحيدة التى يمكن لي أن أحصل على إجابة شافية ووافية لهذا بادرت بمقدمة خفيفه ، قلت يا ابو فلان كما تعرف هناك قاعدة عسكرية تقول عندما الطيران يحلق في السماء على المجتمعين الانتشار وكنت اُتابع تفاصيل وجهه ومدى اهتمامه لحديثي ، كان الرجل يسّتمع وينظر بين كأسه وسيجارته ويهز براسه بالموافقة على كلامي إلى أن جئت على كلمة الانبطاح والسؤال إياه لماذا يجتمع الانبطاح مع ظهور الطيران ، حينها خرجت عينيه من وجهه وظهرت عروق رقبته وقال يخربيتك لقد طيرت كل ما تناولته من مشروب كيف لك بعد هذه الخبرة في الحياة أن تسأل لمثل هذا السؤال ، في وقتها خيم عليً مجدداً الصمت البديهي وعدت إلى البيت دون معرفة اهمية الانبطاح مِنْ أهم المنبطحين .
مرت الأيام ولم أكن أتوقع بأن الأيام ستدور ويأتي اليوم الذي يصل الدور عندي ، بالفعل دون مقدمات كان لي صديق بعيد كل البعد عن الحروب ولكل ما يجري داخلها من تفاصيل ، تماماً اثناء اجتياح الإسرائيلي في الانتفاضة الثانية وعلى الأخص في مدينة رام الله ظهر الطيران في سماء المدينة والصديق بصحبتي ، على الفور طلبت منه الانبطاح فنبطح دون تردّد ونحن في وضعية الانبطاح سألني عن فوائد الانبطاح ، نظرت في عينيه وجدت فيهما براءة السائل للمسؤول وقلت اسمع ، نحن في وضعية لا تسمح للمرء ممارسة التفنيص فيها لأننا على مشارف الموت ، لكني سأروي لك قصتي مع الطيران والانبطاح وأعدك بأن تكون مفيدة ومختصرة ، منذ ما يقارب الثلاثون عام وأنا أتساءل عن فوائده أو الهدف العسكري من ورائه ، لم أترك جهة حربية أو طاعنين بالحروب أو حتى عابرين فيها إلا وطرحت هذا السؤال عليهم بل وصلت إلى بعض مخرجين الأفلام فكان الصمت يسود القاعة ، وفي كل مرة كان سؤالي يواجه المتاعب ، لأن حسب تقدير الطاعنون ، مثل هذه الأسئلة لا تُسئل لأنها من البديهات بل السؤال يعيب ساءله خصوصاً إذا كان من خلفية عسكرية أو على الأقل في المطبخ العسكري ، إلا أنني بعد عصارة طويلة من التفكير تبين لي هكذا ، قد يكون السبب الوحيد أو الفارق الوحيد بين قصف الطيران للفرد واقفاً أو منبطحاً، طريقة موته ، فالموت اثناء الوقوف سيعرض المقصوف إلى سقوط يؤدي إلى ارتجاجات ضخمة في رأسه وجسده أما الموت منبطحاً بالتأكيد هو أسلم ويضمن للميت موتةً آمنةً أو قد تكون الفكرة كلها من الانبطاح فقط تجنيب المقتول رؤية ميتته بشكل مباشر كما كان يحصل في معتقلات بولندا وعلى الأخص معتقل الشهير اوشتفيز فعندما قمت بزيارته اثناء وجودي في بولندا لفت انتباهي طريقة القتل ، كانت هناك طريقتين اعتمدها النازي بقتل اليهود ، الأغلبية كانت تُحرق في محارق خصصت لذلك وهي مازالت شاخصة حتى الآن ، بينما كانت قلة تقتل بطريقة ملفتة ، يقال للشخص المعتقل عليك الدخول إلى كشك قد جُهز لقياس الطول ومن ثم يُطلق النار على رأسه من الخلف بالطبع من خلال طاقة حُددت بمستوى الرأس وهذا النوع من الاغتيال يحتاج إلى وقفة أخرى مع القارئ لكي أبين الفرق بين المقتول حرقاً والمغتال بالرأس ولماذا تحديداً الرأس . والسلام
#مروان_صباح (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انزلاقات متشابهة بين الاستبداديين والشبه ديمقراطيين ..
-
سكموني المقاومجي
-
إعادة الطبقة الوسطى مؤشر للدولة العدالة ...
-
أسباب فشل حراك غزة وحماس بلا عمق دولي أو إقليمي ..
-
بولا والعشاء الأخير
-
التغير في الجزائر في ظل النتف وإعادة الرسم ...
-
الطائفية تطرح نفسها كبديل للأوطان ...
-
بين منظومة الثايد الأمريكية و400 اس الروسية يقف الشرقي في حي
...
-
إخفاقات الجزائريون في الماضي تمنح الطرفين دروس للانتقال السل
...
-
الجزائريون يبحثون عن من يخرجهم من البدايات ليلحقهم بالعصور .
...
-
إصرار على الترشح هو أمر استفزازي ومهين ليس إلا ...
-
أربعون عام من الرداءة حتى استحسن ذلك مزاج الشعب الايراني ...
-
مصطلح دبلوماسي جديد
-
الفشل في السودان كان المقدمة للسلسلة إفشالات ...
-
التضحية خير من الخضوع ...
-
الإنسان بين الإدراك والأشراك ...
-
ثنائية القاعدة
-
الأقطش خانه التوصيف ..
-
رسالتي إلى الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد والرئيس اوردغان
...
-
دول شكلية وميليشيات حاكمة ...
المزيد.....
-
بعد رسومه الجمركية.. ترامب يوجه رسالة للمستثمرين القادمين إل
...
-
ألمانيا.. الحكم بسجن وزيرة الصحة السابقة في ولاية برلين بتهم
...
-
مسؤول إسرائيلي رفيع: تل أبيب تجري مفاوضات مع أكثر من دولة -ل
...
-
اللاعب الجزائري يوسف عطال يواجه السجن لثمانية أشهر وغرامة ما
...
-
حادثة حفل العيد في طنجة
-
تعريفات ترامب تطال جزر البطاريق
-
قاذفات الشبح في المحيط الهندي وأكبر -مطار عائم- إلى الشرق ال
...
-
ماذا نعرف عن مشروع قانون إدارة ممتلكات الوقف الإسلامي الذي أ
...
-
-محور ميراج-: إسرائيل تتحرك لرسم واقع جديد جنوب غزة… ما القص
...
-
الرئيس الأرمني يصادق على قانون بدء انضمام بلاده إلى الاتحاد
...
المزيد.....
-
حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3
/ عبد الرحمان النوضة
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
المزيد.....
|