عامر حميو
الحوار المتمدن-العدد: 6028 - 2018 / 10 / 19 - 08:42
المحور:
الادب والفن
عادة ما يستخدم الروائي الصور البيانية لتقريب بؤرة الحدث من المتلقي، ولتوجيه مزاجه دون أن يشعر مع صورة الحدث أو بالضد منها.
والصور البيانية هي مجموع عبارات التشبيه والاستعارة والمجاز التي يوظفها الروائي في منجزه.
فمثلا: لقد وقف أدب السرد العربي عاجزا عن ايجاد نهاية كريمة للمومس تحسب فيها الظروف القهرية التي دفعتها لأن تبيع جسدها ثمنها للقمة العيش أو تحت زيف إغواء الحبيب ووعدها بشراكة المستقبل، وقد سايرت الرواية الواقعية مخيلة المجتمع في رسم الموت نهاية لحياة المومس، لكن الروائيون أجادوا أيما إجادة في التضامن مع شكل موتها، ووجهوا مزاج المتلقي لأن يكون ناقم على المجتمع، ومحتقر لمن أغواها وحاصرها في الزاوية التي انتهت لها، ومتأسف لذلك الموت، لكنهم كانوا يستخدمون الترميز عنوانا لتوجيه المزاج التضامني لمتلقيهم. وذلك بتوظيف الصور البيانية للاستعارة والتشبيه والمجاز لرسم مشهد موتها، وللإفصاح عن رأيهم الرافض للظرف القهري الذي دفعها لأن تموت( وعادة ما يرسم موت المومس أما قتلا أو انتحارا ).
مثال لمشهد روائي:
(كانت جثة المومس طافية على سطح المياه الجارية لنهر المدينة العريض ، وبعض من طيور النورس ترفرف فوقها صارخة بصخب).
صورة لا تثير فينا إلّا فكرة أن ثمة مومس افتضح أمرها، فرمت بنفسها في النهر من على جسر المدينة، لتغرق وتطفو جثتها بعد حين على سطح المياه الجارية، وطبيعي أن تنتبه لها طيور النورس وتحلق فوقها لأنها توصف في علم الأحياء ب(كناسة الشواطئ) وهي تنجذب لكل شيء طاف على سطح المياه الجارية. وهنا ربما يتعاطف المتلقي مع هذا الوصف، وقد لا يلتفت له ويعدّ النتيجة عقاب استحقته الضحية.
لكن لو تلاعب الروائي في المشهد بإضافة صور بيانية له لتغير الرسم كله، وانعكس على مزاج المتلقي ليتضامن مع الغريقة، كأن يضيف للصورة السابقة هذا الوصف:
( بدت صفحة المياه أسفل الجثة كأنها أكتاف تحمل نعش الغريقة، وسرب النوارس كثلة مشيعين يسيرون خلفها ليواروها الثرى، مصحوبا بنعيق حزين مثل صياح نسوة على فقد عزيز لهن ).
أتكلم عن الاستعارة والتشبيه والمجاز التي يواري خلفها الروائي آراءه ورؤاه الفكرية، ليوّجه مزاج القارئ ويقوده إلى البحث عن مسببات الحدث المرسوم.
...وللحديث بقية.
#عامر_حميو (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟