أحمد أبو مطر
الحوار المتمدن-العدد: 1484 - 2006 / 3 / 9 - 09:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أود التأكيد منذ البداية أن خلفية هذه المقالة وهدفها هو مصلحة العرب والمسلمين ، وليس الهجوم عليهم ، والحريص على مصلحة قومه ينبغي أن يمتلك الجرأة لمناقشة أخطائهم وهفواتهم قبل مديح وتثمين إنجازاتهم وإيجابياتهم ، لأن المرء في أدبياتنا وتراثنا لا ينبغي أن يشكرعلى مايقوم به لمصلحة قومه ووطنه ، لأن هذا من أول واجباته حسب كل المقاييس والمفاهيم ، لذلك قالوا في الأمثال الشعبية ( لا شكر على واجب ) ، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) . قلنا لمن ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولإئمة المسلمين وعامتهم ) ، رواه مسلم .وفي هامش الصفحة 66 في ( رياض الصالحين ) من طبعة دار الخير لعام 1996 ، ورد شرح النصيحة لعامتهم : ( بجلب النفع لهم وبإرشادهم وبإصلاحهم ) ، ومن هنا جاء في الحديث الشريف ضمن سياق مشابه قوله ( ص ) : ( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ). موضوع المقالة هو عرض التداعيات التي مازالت متواصلة على ومن جراء الرسوم المسيئة للرسول ( ص ) في تلك الجريدة الدانمركية ، وقد عبر العرب والمسلمون في أغلب أرجاء العالم عن غضبهم الشديد ، وكما قلت في مقالة سابقة فقد أوصلوا رسالة مفادها عدم الرضى والقبول بالتعرض للرسول الكريم ، رغم التجاوزات التي رافقت بعض المظاهرات بأشكال عنف وتدمير وإحراق أساءت للرسول والإسلام أكثر من الرسومات نفسها ، خاصة عندما دخلت على خط عواطف الجماهير الملتهبة أنظمة كالنظام السوري والإيراني ، فأحرقت سفارات بلدان من أكثر دول العالم تأييدا للقضايا العربية ، وكان وما زال سؤالا منطقيا : لماذا تمّ إحراق السفارات في دمشق وطهران فقط ، وفي بيروت التي ما زال النفوذ المخابراتي السوري منتشرا ؟؟. ومقابل ذلك في أغلب العواصم العربية والإسلامية ، كانت المظاهرات منظمة ملتزمة بنفس إسلوب المظاهرات المعمول به في الأقطار الأوربية والأمريكية ، ولا يستنكره كإسلوب للتعبير الرأي العام الغربي نفسه ، بدليل أن من تظاهروا في الولايات المتحدة والدول الأوربية ضد الحرب على العراق ، مئات أضعاف من تظاهروا في الدول العربية والإسلامية !!. وبعد وصول تلك الرسالة المهمة للرأي العام الغربي ، لماذا الإستمرار في إجترار نفس المواقف لأسباب مشابهة ،
أوصلت البعض من العرب والمسلمين إلى حالة مرضية لا تقبل النقد ، وكأننا أصبحنا منزهين عن الخطأ ، ومن مظاهر هذه الحالة المرضية ( الفوبيا ) ، إستمرار فهم أي نقد لظاهرة أو حالة عربية أو إسلامية على أنه نقد وتشويه للإسلام . هذا غير منطقي وليس مقبولا في كافة المقاييس ، لأنه ليس هناك أمر يسيء للرسول الكريم والإسلام العظيم أكثر من تصرفات المنتسبين إليهما من العرب والمسلمين !!.
فما إن هدأت زوبعة وحرائق الرسومات الكاريكاتورية ، حتى حاول البعض في إستراليا أن يستغلوا تصريحات لرئيس الوزراء الأسترالي ومن بعده وزير ماليته ، ليفتعلوا مشكلة لا أساس لها . فقد أعرب رئيس الوزراء الإسترالي عن قلقه ممن أسماهم ( المهاجرين المسلمين المتطرفين ) ، فهل في هذا التصريح ما يسيء للمسلمين ؟؟. لأن المتطرفين من كل الديانات يثيرون القلق في كافة المجتمعات ، وهل المتطرفون السعوديون الذين حاولوا قبل أسابيع قليلة تفجير مصفاة النفط في مدينة إبقيق السعودية لايثيرون القلق ؟. بدليل أن قوات أمن بلادهم طاردتهم وقتلتهم !!. وماذا في تصريحات وزير المالية الأسترالي بيتر كوستلو من إساءة للمسلمين عندما قال : ( إن المسلمين الذين يريدون تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ليسوا موضع ترحيب في البلاد ) ، و ( إن قبول قيم إستراليا هو دليل إحترام يوازي نزع الحذاء عند دخول المسجد . إذا كنت تعارض تماما الدخول إلى المسجد دون حذاء ، يجب ألا تتوجه إلى المسجد ...,قبل أن تصبح إستراليا يطلب منك أن تقبل ببعض القيم ، إذا كنت معارضا تماما لهذه القيم عليك أن لا تجيء إلى إستراليا ) ....ماهو الخطأ في كلامهما ؟؟. نحن من جئنا لبلادهم ..نحن من إستعملنا الطرق المشروعة وغير المشروعة للوصول لبلادهم ، فإما أن نقبل بقيم بلادهم وأنظمتها أو أن نعود إلى بلادنا ،فهم لم يطلبوا منا أن نأتي لبلادهم ، ومن غير المعقول أن نعيش في بلادهم وكثير منّا عالة على أنظمتهم الإجتماعية ، ونرغب في العيش بعقلية بلادنا وسلوكها...في هذه البلاد كافة حرية الدين متاحة للجميع بدليل أن المسلمين يمارسون العبادة بحرية أكثر من بلاد المسلمين نفسها ، وأئمة المساجد يقولون في خطبهم مالا يستطيعون قوله في بلادهم ...لذا فإحترام قيم هذه البلاد وقوانينها لا يسيء للمسلم طالما حرية العبادة متاحة ومتوفرة وفي العديد من الدول الغربية ، تدفع الدولة ميزانية المساجد...فهل يريد البعض منا تكرار سلوكيات و عقلية أبو حمزة المصري الذي دعا الملكة اليزابيث لدخول الإسلام أو دفع الجزية ، وصبرت عليه السلطات البريطانية ، حتى فاض بها الصبر فأودعته السجن !!.
وضمن نفس السياق ، إحتج السفراء العرب في جمهورية تشيكيا على برنامج تلفزيوني ، إعتبروه مسيئا للمسلمين لأنه ( إستهدف خلق إيحاءات بأن الإرهاب له علاقة بالإسلام كدين ، من خلال تصوير لقطات بكاميرا خفية في المركز الإسلامي في براغ ، والربط بين أقوال بعض الذين لديهم مواقف راديكالية بما جرى في لندن ومدريد و قبل ذلك في نيويورك من هجمات إرهابية ) . ولماذا الغضب من هذا الفيلم لكونه يريد خلق إيحاءات ، ولدينا جماعات إسلامية أعلنت علنا بالصوت والصورة عن تبني هذه العمليات خاصة ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك ، ألم يعلن إبن لادن مسؤوليته عنها علنا وصراحة وسمّاها غزوة مانهاتن ، وفي لندن إحتفلت بذكراها جماعات إسلامية ، وأطلقت على من قاموا بها ( الأبطال التسع عشرة ) ؟؟. فلماذا الغضب وهذا المرض مما يقوله الغربيون عنّا ، ونحن نعطيهم المادة التي يستخدمونها ضدنا ؟. فهل بهذا نخدم الرسول الكريم والإسلام العظيم ؟. هل خدم الإسلام وسمعة المسلمين تجنيد البلجيكية ( موريد ديجوجي ) من قبل زوجها المغربي ( عصام حوريس ) ، وإرسالها إلى العراق لتفجر نفسها في عملية إنتحارية قتلت فيها ستة عراقيين مدنيين ، ومات زوجها المغربي في اليوم ذاته في عملية مماثلة فشلت في قتل غيره ؟. وهل خدم الإسلام تخطيط المغربي نورالدين فاطمي وإحدى زوجاته ( سمية سحلة ) لإغتيال البرلماني الهولندي ( آيان هرشه ) لمجرد أنهما فهما أن له آراءا ضد الإسلام ، واعتقلتهما الشرطة الهولندية وهما في طريقهما لتنفيذ الإغتيال !!. وهل خدم الإسلام إلتحاق المغربية البلجيكية الجنسية ( مليكة عروض ) بزوجها في معسكر للقاعدة في أفغانستان ، ثم قيام زوجها بتفجير نفسه وقتل القائد العسكري الأفغاني أحمد مسعود شاه ، وعودة الزوجة إلى بلجيكا لتنظم إنتحاريين آخرين . ماذا إستفاد الإسلام والمسلمون من قتل أحمد شاه مسعود ؟ . وهل تصفية الخلافات الحزبية بهذه الطريقة عبر مسلمين يحملون جنسيات أوربية ، يخدم الإسلام وسمعة المسلمين ؟؟.
إن العديدين من المسؤولين الأمنيين الأوربيين ، يعبرون صراحة عن قلق بلادهم من هذه العناصر المسلمة ، وهم على حق في ذلك لأن هذه العناصر تسيء للمسلمين والإسلام أكثر من إساءتها للأوربيين ، لأنهم يضربون رسالة الإسلام في الصميم ، رسالة ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ).
آن الأوان أن نتخلص من هذا المرض أو العقدة ، ولا نعتبر أية كلمة أو قول أو رأي إهانة للإسلام والمسلمين ، لأن الإسلام أعظم من كل هذه الأمور الصغيرة ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ، وليتنا نستعيد ردود فعل الرسول ( ص ) على من أساءوا إليه في حياته ، ففي ذلك درس للمسلمين يرشدهم لأمور مشابهة في حاضرهم المعاصر !!.
ahmad64@hotmail.com
http://www.dr-abumatar.com
#أحمد_أبو_مطر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟