ريتا عودة
الحوار المتمدن-العدد: 5571 - 2017 / 7 / 4 - 08:45
المحور:
الادب والفن
-4-
جلستْ خولة على الصخرة بالقرب منّي. اكتسحَ القلقُ بؤبؤَيّ عينيها. أحسستُ بموجاتٍ من الدفْء تغمرني. لا أحد يفهمني في هذه الدنيا سوى خولتي. تكبرني بضع سنوات. ربما هذا هو سبب ذلك الوعي في شخصيتها وربما هي ولدت لتكون إنسانة متّزنة حنون مثقفة جميلة الطّباع والطّابع.
= ها... ريتاي احكي حبيبتي. أنا سامعة.
قامتْ بضبطِ المنديل فوق جبينها ووجنتيها فبرزت عيناها المائلتينِ للإخضرار بكامل الألق.
- خولتي. أترينَ هذا البحر الكبير؟ كنتُ أجلس هنا منذ شهور أراقب صخبه فإذا بطيفٍ يخرجُ إليّ من بين أمواجه حاملا فانوسا بيد وفي الأخرى حاملا شمسا.
كانَ كلّما اقتربَ منّي خطوة كلّما تصاعدَت رائحةُ بخورٍ من حولي فأخذتني في غيبوبة. لم أعد أعرف يقينا هل هو طيف من صنع خيالي أم هو حقيقة. لكن..أنا أذكر كلّ كلمة قالها وقد كان كلامه كله غامضا.
قال لي: أحببتُ روحَكِ.
وقالَ:
(عيناكِ منارتان وقلبي سفينة معذبة في العاصفة.
عيناكِ بثتا ذبذباتٍ أتت بي إليكِ.
مجنونةُ الأملِ أنتِ.
بل..
مجنونتي الجميلة.)
نظرتُ إلى خولة لأعرف ردّ فعلها لكنّها كعادتها لا تنفعل من الأحداث بسهولة . كانتْ تصغي لي باهتمام. فتابعتُ:
( كنتُ في انتظارك؟ في انتظار أن تحرريني من قمقم أفكارك.)
وقبل أن يختفي قال بصوتٍ عميق كأنّه يأتي من جوفِ بئرِ فارغة:
(أكتبي ما رأيتِ في رواية. أكتبي ما هو كائن.. وما هو عتيد أن يكون بعد هذا.
سأذهب الآن مع الأمواج الهادرة لعمق البحر.
لكنني.. أعدك بعودة.
لن أتباطأ عن وعدي كما ستحسبين التباطؤ لكنني أتأنى.
في وقته أُسْرعْ بهِ.
انتظري عودتي انتظارا.
اكتئبي.
نوحي.
ابكِ.
اختنقي.
لن أعود.
فقط..
عندما
تتنفسينني
عشقا..
ستجدينني
طوعَ
حلمك)
ثمّ...نظرتُ حولي أبحثُ له عن أثر لكنّه كان قد اختفى كأنّه لم يأتِ قطّ. كأنّني أطلقتُ سراحه من قمقمِ خيالي لا اكثر.
بلمح البَصَر ... اختفى.
منذ ذلك اليوم وأنا أهجرُ كلّ ما في هذه الحياة وآتي صخرتي مساء هنا لأنتظره لعله يعود. لكن يا خولتي عودته مشروطة بحلّ لغز غامض فقد قال لي أنّه لن يعود إلا إن تنفسته عشقا. وأنا..لا أفهم ما رَمَى إليه مجنوني !
ما رأيك خولة؟
ماذا قصد بتلك العبارة الغريبة: تنفسيني عشقا؟!
أمسكتُ عن الكلام فهمستْ خولة:
ربّما قصد أن تعشقيه لدرجة الجنون فيصبح هو أكسجين رئتيكِ.
ابتسمتُ.
أعجبني انّ توأم روحي صدّقت حكايتي ولم تصِمُني بالجنون كما يفعل أبي وأخي باستمرار.
ابتسمتُ.
كيف أعشقه وأنا لا أعرف عنه شيئا؟ لا أعرف عنه سوى أنّه شبيه الآلهة. وجهه يشعّ بنورٍ إلهي مُقدّس.
تراهُ ملاكي الحارس وقد نزلَ من السّماءِ وركبَ الموجَ لينقذني مِن عزلتي ويفديني بدمه!
ربَّتتْ خولة على كتفي وهمستْ بحنانها المعهود:
= ريتاي. تعالي نعود للبيت وهناك تكملين لي الحكاية.
- البيت قريب. لن نحتاج سوى لدقائق كي نصله. لنبق هنا ننصتُ لبحر (حيفا) لعلّ موجة ما تأتي بحبيبي إليّ.
=لا ريتاي. الليل بدأ يتربص بنا. تعالي نعود لغرفتك وهناك نتحدث.
وقفتْ.
بدتْ لي صلبة كصخرة.
أحسستُ انّ أيّ هبّة ريح قد تكسر ساقي أنا الوردة الهشَّة.
أمسكتْ بيدي وجذبتني إليها .
ثمّ, احتضنتني.
غمرتني موجة من الدفْء الأموميّ.
آه خولة.. يا توأم روحي.. لو تعلمين كم أحبّكِ!
= هيا بنا.
قالت .
ثمّ..
بدأت تسيرُأمامي كأنّها فانوسٌ يشُقُّ لي الطّريقَ .
بعد دقائق وصلنا البيت فألقينا التحية على والدي.
كان يجلس في مقعده المعتاد كما لو أنّه أبو الهول مقرفصا فوق ظلّه.
أردت أن أغادر مع خولة إلى غرفتي التي أتقاسمها مع أختي الصغيرة( أمل )لكنه اعترضَ طريقي وهتفَ باصرار:
= تعالي . أقعدي. أريد أن أخبرك شيئا.
شعرتُ بموجة اشمئزاز تسيطر عليّ. أنا لا أطيق هذا الرجل. يبدو لي كالمارد بجثته الضخمة وبطنه المنتفخة وعشقه لإقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج.
انا لا أطيقُ هذا الرجل الذي جعل حياتنا جحيما بتواجده ليل نهار في البيت.. بميله الدائم للشّجار وكأن الشجار والعنف لغته الوحيدة.
كم كنتُ أشفقُ على والدتي من جبروته.
والدتي الجميلةُ العينينِ.
كانتْ محطّ أنظار كلَ شباب المدينة .
هي لم تبادله حبّا بحبّ.
هي أحبّت ابن عمتّها وابن عمّتها أحبّها لكن جدتي سعت لإقصائه عنها فقد كانت تمقت والدته . ثمّ ..سعت لتزويجها من أبي فقط لأنه صائغ.
ضحّت بابنتها لأجل حفنة من النقود.
كتبت على ابنتها الشقاء مع رجلٍ ساديّ تلذذ بتعذيبها وافتخر برجولته فأتى لها بالنساء إلى عُقرِ بيتها وكان لا بدّ أن تصمت وإلا كانت الإهانات بانتظارها وأحيانا العنف الجسدي أيضا.
كان يأخذ أخي البكر معه للخمارات.
حين كانا يعودان فجرا وهما يترنحان من الخمر.. كانت ما أن تفتح أمّي فمها لتعترض حتَى يجلس أبي هانئا في مقعده المعتاد قرب النافذة ويترك مُهمّة التعنيف اللغوي لأخي:
-أنظري لوجهك في المرأة.
قال لها أخي ذات عودة من الخمارة.
-أنتِ إمرأة عجوز بينما أبي ما زال في عزّ ال( شباب).
اتركيه يتمتع برجولته.
ما إن أرادتْ أن تدافع عن حقّها الشّرعي في ألا يخونها رفيق عمرها.. حتّى قبض أخي على قيثارته وهوى بها على رأسها.
ترنّحتْ مكانها كما دجاجة طعنوا عنقها بسكين.
هَوَتْ ..
معها هوَتْ كلّ أحلامي.
في ذاتِ القبرِ الذي دفنوها فيه.. دفنوا فرحي.
فبدأتُ أحيا جثة دونما روح.
ظلّ العنفُ ضديّ وضدّ أختي(أمل) التي تصغرني بعدّة أعوام هو خبزنا اليوميّ. لم أجد ملاذا لقلبي المُتعب إلاّ تلك الصخرة.. هناك .. حيثُ البحر.
قرفصَ أخي بالقرب من أبي. كان واضحا على ملامح وجْهَيْهِما أنّهما أعدّا لي وليمة من التعنيف اليوميّ.
جلستُ فجلستْ خولة على الأريكة بالقرب منّي.
انتظرتُهُ أن يتكلم.
بعد دقائق من الصّمت الملغومِ قال:
انتِ صرت في العشرين من عمرك. عودتك للبيت بالليل تثير الإشاعات ضدّك.
هوى قلبي .
خُيّلَ لي أنني رأيته يتدحرج فوقَ السّجادة الحمراء أمامي.
أمسكتْ خولة بيدي وضغطتْ على كفّي لتمدني بجرعة من الطاقة الإيجابيّة.
صمتَ جلاّدي وتركَ لأخي أن يُكمل مهمة تعذيبي:
-اسمعي ..
أنتِ لم تعودي طفلة.
هنالك شاب طلب يدك منّا ووافقنا أنا وأبي.
أعدّي نفسك للزواج.
هكذا بمنتهى البساطة.. وقّعا معا على وثيقة وأدي!
هل أنا دمية أم بقرة تُباع وتُشترى. ألا رأي لي؟ ثمّ مَن يكونُ ذلك الشهم الذي أتى لينتشلني من بؤرة الخراب هذه؟
سأرفض!
يجب أن اُعلنَ ثورتي على الصّمت.
لا فرقَ عندي بينَ أن أموت الآن أو في أحضان رَجلٍ لا أحبّه ولا أعرف من يكون ولا كم عمره ولا ما أتى به إليّ.
استجمعتُ شجاعتي وقلت باصرار:
- لن أتزوج !
وقفَ أخي.
صرخَ بأعلى صوته:
= يا كلبة! تريدين أن تضعي رأسنا في الوحل!
- لن أتزوج!
كررتُ باصرار.
شدّتْ خولة على كفةِ يدي.
تطايرَ الشررُ من عينيّ أخي. راحَ أبي يلعنني ويلعن السّاعة التي رآني فيها.
من رمادي كما العنقاء نهضتُ لأدافعَ عن حقّي في الحياةِ بكرامة.
لن أتزوج حتَى لو كان الثمنُ حياتي.
ابتعدَ أخي إلى غرفته وعاد والغضب يتطاير من عينيه فيبث شحنات سالبة من حولي.
هوى بقيثارته الجديدة على رأسي.
دَارتْ بي الدنيا.
وقعتُ مضرجةً بدمائي.
عندما استفقتُ. كنتُ في سرير في غرفة الطوارئ في المستشفى أتلقى العلاج. كانت الضماداتُ تكفّنُ رأسي المُتعَب. كانت رائحة دمّي تخنقني.
وكان اخي أمام سريري يتلوّى قلقا.
ما أن فتحتُ عينيّ حتى قال جملته التي أعدّها باتقان:
(إذا فتحتِ فمك بكلمة. سأقتلك.)
#ريتا_عودة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟