أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هيثم بن محمد شطورو - سلفنا السعيد المفقود فينا














المزيد.....

سلفنا السعيد المفقود فينا


هيثم بن محمد شطورو

الحوار المتمدن-العدد: 5462 - 2017 / 3 / 16 - 02:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ألا يكون الأمر متـناقضا، حين تصف تصرفا للغير بـ"حيواني ـ حيوان"، بينما لا تعتبره كذلك إذا اقـترفته أنت في لحظة عماء ـ غضب ـ اختلاء؟ هل يعني ذلك أن الحيواني مختبئ في الأعماق و الاجتماعية كما تظهر في الآخر تجعله مبعثا للخجل و الاستـنكار؟ ألا تـنكر نفسك و ميولاتك الطبيعية في حضرة المجتمع بدعوى التصرف اللائق الواجب أو المحبذ؟
لماذا ينتابك إحساس عذب عميق و أنت وحيدٌ أمام البحر؟ لماذا تـنـتابك رغبة الركض و المشي و الاستـلقاء على التراب تحت شجرة، بإحساس حميمي عميق دافئ و كأنك تضم نفسك بنفسك بشبه بكاء عذب دون بكاء حين تكون في أرض سائبة ممتدة لا تحدها مستطيلات أو مربعات المدن الكريهة؟ لماذا تـشاء أن تـنام هناك تحت الشجرة؟ لماذا ربما تـشاء أن تموت هناك؟ لماذا تسحرنا الغابات و تبعث إحساس الطمأنينة الكلية فينا؟
لماذا في أعماقـنا نكره الاجتماع بالآخرين، و تربكنا المحادثات و المعاملات؟ أليس في الأمر كره للاضطرار للاصطناع؟ اصطناع أحاديثـنا و أنـفـسنا حتى و إن جاهدناها لنكون صادقين مع الآخرين.. أليس كل وجود مع آخر هو وجود مربك؟ ألا يعني ذلك انه وجود غير طبيعي؟
أنظر كيف هي الطبيعة الأصلية البدئية تهمس في ظلمات نفـسك بصمت، و كيف أن ضياعها مع الآخرين يشعرك بالقلق الذي تعبر عنه بالمبهم..
يقول الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" :
" لم يعد المجتمع يعرض أمام بصر الإنسان الحكيم سوى حشد من الناس المصطنعين و الأهواء المزيفة التي ليس لها أساس حقيقي في الطبيعة".
هنا تـتمحور إشكاليات الاشتغال الفلسفي في العلاقة بين الأنا و الآخر، الوجود في ذاته و لذاته، الماهية و الكينونة.. هذه الاشكاليات تدور من زاوية "روسو" في فلك التناقض بين الطبيعة الأصلية فينا و ما وجدنا فيه أنفـسنا في حالة اجتماعية فرضت علينا الاغتراب عن أنفسنا..
الاجتماع كحالة غير طبيعية بدءا ثم بحكم الاعتماد المتبادل غدا كأنه طبيعي، و لكن "روسو" لا يعتبر "الإنسان مدني بالطبع"، و إنما العادة في الاجتماع اللاحق نتيجة أحداث مشؤومة جعلته يدمن الاجتماعية حتى اعتبرها اللاحقون في طبع الإنسان، ذاك أن الحالة الطبيعية الأصلية بدون تاريخ أي قبل اكتساب اللغة و بالتالي الذاكرة الشفهية.. لكن تلك الطبيعة الأصلية لازالت تهمس في ظلمات النفس بما أنها حالة إحساس دفين بالسعادة العظمى للحر المستـقـل المتلائم مع نفسه دون تـفكير..
يقول "روسو": "الإنسان الذي يتأمل حيوان منحط"، و قد فسرها الاستاذ "محمود بن جماعة"، أن التـفكير هو المميز الوحيد لانتـقال الإنسان من الحيوانية أو شبهها إلى الإنسانية.
الاغتراب الرهيب منبع كل القلق النفسي حاولت الأديان تلطيفه بالوعد بجنة الخلد. لكن المؤكد أن الجنة ورائنا اكثر مما هي أمامنا. الجنة مفقودة بكل أسف. إنها حالة الطبيعة الأولى التي كان فيها أسلافنا الأولين ( اللذين لازالوا يعيشون في أعماقنا) السعداء في توحشهم الحر المستـقـل.
عن "روسو" قال انه " لم تكن الطبيعة تعد الإنسان البدئي للحياة الاجتماعية، فقد عاش، ربما طوال آلاف العصور، وحيدا و بالتالي مستـقلا، الأمر الذي يمثل عنصرا أساسيا في السعادة التي كان ينعم بها. و لم يكن يتميز عن الحيوانات إلا بذكائه و وعيه بأنه حر غير خاضع للغريزة، و بالقدرة على استكمال ذاته، و هي قدرة كان يمتلكها بالقوة، و كان يمكن أن لا تـنمو أبدا، فكان لابد من سلسلة كاملة من الظروف المشؤومة لتصيره كائنا شريرا بعد أن جعلته كائـنا اجتماعيا".
و قارن الطيبة التي يتصف بها سكان الأرياف عامة مع الخبث الذي يطبع سكان المدن بشكل عام. فـ"روسو" على حق حين يرى الخير في الحالة الطبيعية أو المقتربة إليها خاصة مع قـلة أعداد السكان، و الشر في المدن المكتظة بالسكان أساسا..
يقول "روسو" عن الإنسان الطبيعي الأصلي سلفنا القابع فينا يثير قلقـنا ينادينا إلى فردوسه:
"رأيته يأكل حتى الشبع تحت شجرة بلوط و يرتوي من أول جدول و يجد فـراشه عند جذع الشجرة نفـسها التي وفرت له غـذائه، و هكذا يكون قد لبى حاجاته."
و لكن اللحظة التراجيدية المأساوية الكبرى التي حلت كاللعنة المنتـقمة من الإنسان السعيد الخير المسالم بحق، ابتدأت منذ تلك اللحظة التي عبر عنها "روسو" قائلا:
" أول من سيج أرضا و تجرأ على القول "إن هذا لي"، و وجد أناسا سذجا فصدقوه، كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني، و كم من جرائم و حروب و اغتيالات، و كم من بؤس و أهوال يكون قد وفرها على الجنس البشري شخص كان صاح في أمثاله من الناس و هو يقـتـلع الأوتاد أو يـردم الخندق:" حذار من أن تـنصتوا لهذا الدجال، فان مآلكم الهلاك إن نسيتم أن الثمار للجميع و أن الأرض ليست لأحد""..
استـشهد الاستاذ "محمود بن جماعة" مترجم كتاب "المقال في أصل المساواة بين البشر" لـ "روسو"، بتعليق للفيلسوف "فولتير" على هذا الكتاب، قائلا انه دليل على الطابع الثوري لفكر "روسو" حيث قال:
" هذه فلسفة صعلوك يريد أن تصير أموال الأغنياء نهبا للفقراء".



#هيثم_بن_محمد_شطورو (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الإصرار على إقالة وزير التربية
- المشهد الثقافي التونسي يعكس حقيقة ما يدور بالمشهد السياسي
- تونس أمام نهاية الانتقالي ام الثوري أم كليهما؟
- طبول الحرب تقرع من جديد في تونس..
- بين الاحتجاج و دوافعه في تونس
- في الذكرى 31 لتأسيس حزب العمال التونسي
- علاقة -دستويفسكي- بالتحرر الفلسطيني
- في الانتقام ل-شكري بالعيد-
- رسالة الى السوريين حكومة و معارضة
- الصفعة الروسية لايران
- تونس بين ديدان الأرض و ثورتها
- نظرة تونسية للجزائر اليوم
- مساجد لعبادة الله أم الإمبريالية ؟
- المسرح الروماني ضد الإرهاب الاسلامي
- -بشار الأسد- و الناعقون على حلب
- المثقف و الاستبداد
- الفوضى السياسية في تونس
- مارد الاستثمار في تونس
- وقف سلسلة الانتقام في تونس
- بوح معذبي الدكتاتورية في تونس


المزيد.....




- ما ردود فعل دول أوروبا على إعلان ترامب رسوم -يوم التحرير-؟
- الحرية الأكاديمية في خطر: قرارات ترامب تهدد تمويل الجامعات ا ...
- غارات إسرائيلية تستهدف مطارين عسكريين في سوريا
- وزير الدفاع الإسرائيلي: العملية العسكرية في غزة تتوسع لاستيل ...
- قائمة بالرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة على الدول العربية.. ...
- الرسوم الجمركية..قواعد ترامب ترعب أوروبا
- ترامب يلاحظ -تعاونا جيدا- من قبل روسيا وأوكرانيا بشأن السلام ...
- -ديلي إكسبريس- نقلا عن مصدر مقرب من إدارة ترامب: إيران قد ت ...
- الخارجية السورية: تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة ا ...
- وزير الخارجية الفرنسي يحذر من صدام عسكري مع طهران إذا انهارت ...


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هيثم بن محمد شطورو - سلفنا السعيد المفقود فينا