عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 5383 - 2016 / 12 / 26 - 00:06
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
سؤال _ ما هي أبرز تحديات العقل المسلم اليوم في مواجهة إشكالية المعرفة والتطور؟
أنا _ واحدة من أكبر تحديات العقل المسلم اليوم هي محاولته الحثيثة والجادة في الخروج عن نمط الرسم الكهنوتي للفهم العام (فهم المعرفة وتقدير دورها الوجودي)، والسعي لبناء منهجية علمية نقدية تتعامل مع المعرفة والعلم على أنهما نتاج العقل البشري بكل خصوصياته وإنعكاساته وعلاقاته بالواقع والوجود، وليس سرا مكنونا يودع في أدمغة البعض من وراء حجاب لعلل وأسباب خاصة أو أصطفائية، إن تقديس المعرفة هذه أو أحاطتها بستار الجنجلوتية الفارغة إلا من جرس الألفاظ يقتل العقل وإبداعه وحقه في التحرر، ويفرغ المعرفة الإنسانية من جدواها ودورها الوظيفي فتتحول إلى عبث مفرط وثرثرة في ضجيج لا تضر ولا تنفع.
سؤال _ لماذا الخوف والتحذير الدائم من أثر الكهنوت والفكر الكهنوتي على الواقع الإنساني، هل لأنه يعمل بأليات تختلف عما يعمل به الفكر المدني الحداثي أم لعلة أخرى؟
أنا _ الكهنوت الديني كفكر وكوجود وفي كل الأزمان كان يسلك سلوكا أنتقائيا محتالا ومراوغا ومنافقا وخادع أيضا يبحث عن مكاسبه الخاصة إلا ما رحم ربي، فحين يجرم في موضوع أو يدع للجريمة كأجتهاد أو حلا لبعض إشكالياته فهو ينطلق من أساس واحد يتجلى بالحفاظ على سلطانه ووجوده الأجتماعي، فهو لا يراع من حيث جوهر الفكرة على أحترام إرادة الدين والديان، وعند حصاد النتائج النهائية فهو سيلق بجريمته على الله وعلى أمره ليقول إني عبد مأمور، ولكن عندما تقول له أن هذا الأمر ليس من عمل الرب ولا من وظيفته كما ينطق العقل والمنطق، سيخرجك من الملة ويتهمك بالكفر وأنك عدو الله وأنك تحاول أن تنافس الله في عرشه.
سؤال _ هذا على المستوى العام أم النخبوي؟
أنا _ بالتأكيد النخبوي وهو الأقدر على النجاح في ذلك لما يمتلكه من قدرة وتوفر المقدمات والمعطيات العقلية لديه، المشكلة لا تثور مع النخبة بل مع الطبقة المعرفية التي تتلقى من النخبة والتي وظيفتها ترسيخ هذه القناعات والأفكار والرؤى في المحيط العام، هذه الطبقة الفكرية لتنوع مصادرها الفكرية وتنوع مناهجها واختلاف صارخ في مقدماتها تفشل أحيانا بأن تكون حلقة الوصل بين الفكر النخبوي والمجتمع، مما يسبب بطء وتعثر المحاولة، المفترض بهذه الطبقة أنها تمارس قيادة المجتمع واقعيا وهي التي تنقل الأرتدادات الفكرية بالاتجاهين صعودا ونزولا، لكن طبيعة المجتمع الإسلامي الذي يقدس الرمز وينتظر دورا مهما له في قيادة الحياة أهمل دور هذه الطبقة إلا ما كان ظلا للرمز وأمتدادا له.
سؤال _ ما قيمة المعرفة النخبوية قبال الفشل المعرفي الشعبي؟
أنا _ لا علاقة للمعرفة النخبوية بالفشل المعرفي الشعبي خاصة إذا كانت القنوات الطبيعية منفتحة بين الطرفين ومفعلة من جانب النخبوي، النخبة مسئولة عن الأنتاج المعرفي القادر على قيادة المجتمع وتهيئة ظروف التغيير والتحول، أما المعرفة الشعبية فهي نتاج سيكولوجية المجتمع وطبيعة القوى المتحكمة في حركته وأمتداد هذه القوى في مفاصل الفعل، عندما يريد ويعي المجتمع أنه بحاجة فعلية وضرورية للتغيير سيبحث عن نماذج ملهمة ويبحث عن أفكار خلاقة ليتبناها أما أنه يتكاسل ويرضى بالواقع على أمل حدوث المعجز وقدوم غودو من غيبته، فهذه ليست مسئولية النخب تماما كما يحدث في الدراسات الأكاديمية العليا عندما تهيء كادر تعليمي وسطي لتطوير العملية التعليمية والتربوية، ويصطدم المتخرج من هذه الأكاديميات بواقع لا يسمح له بتجاوز حدود وخطوط ملونة فيفشل في أيصال رسالته، لا يمكن أن تلق باللوم على المؤسسة الأكاديمية ولكن الواجب هنا دعم هذه المؤسسة لمقاومة الواقع الفاسد.
سؤال _ هل تعتقد أن فكرة الدوران التأريخي هي فكرة حقيقية وجادة؟
أنا _ قبل أن أجيب لا بد أن نفسر فكرة الدورات التأريخي وهي بأختصار، أن البعض يعتقد أن التأريخ عبارة عن فلك دائري يكرر نفسه في نقاط ما على محور ومنحنى هذا الفلك، في كل مرة يقول التاريخ كلمته ويفعل ذات الفعل ويقول الناس عامة أن التأريخ يكرر نفسه، النظرية هذه تحمل جانبين الأول فكرة الدوران والثاني نسبة الفعل للتاريخ وليس للفاعل، أي أن من يؤمن بها يجرد الإنسان من فعله المختار ليجعله مجرد أستجابة لقرار تأريخي مرتسم عليه الواقع، وبذلك لن يكون مؤدى الفعل البشري إلا ترديد لهذا الأمر الإيحائي الخفي للتاريخ، أولا فكرة أن التأريخ منحني في المسار هذه حقيقة لا خلاف عليها لأن الوجود بكامل حركته يمثل هذه الانحناءة وعدم أستقامته بشكل مطلق، لكن الفرق أننا لم نصل إلى نقطة تلاق بين المبتدأ والنهاية فكيف نؤمن بفكرة تعدد النقاط أصلا، ثانيا أن هناك أحيانا تشابه بالحدث التأريخي وبعض تفاصيله نتيجة أن الإنسان يسلك دائما نفس المسارات الوضعية في التعامل مع الحدث فلا بد أن التشابه بالمناهج والعلاجات سيط تقارب في النتائج المتحصلة، ولو كان التاريخ يكرر نفسه كقانون لأمكننا أن نحرز ونتوقع ونتنبأ بأيلولة الحدث قبل وقوعه وأكتشاف السيرورة.
سؤال _ من الطبيعي أن الإنسان هو من يصنع الحدث وهو من يؤرشفه في الذاكرة والتاريخ ولكن السؤال لماذا يحاول في كل مرة تعليق أخطائه على شماعة الغير؟
أنا _ عندما تنفعل الأنا الذاتية المتضخمة ترى كل أخطائها هي نتيجة وجود الأخر وعدم السماح لها بأن تتصرف وفق قواعدها وقانونها وهي في وحل الخطيئة، لذا فهي لا تقبل الهزيمة ولا تقبل أن يقال لها أنك على خطأ لأنك تمارسين الإقصاء بحق الأخر، فتتهالك لترمي ما حصل على الأخر أو أتهام النظام الوجودي أنه ضاغط وفاعل وما هي إلا مجرد أستجابة لهذا الواقع الأضطراري، أما حين يتولى العقل دراسة الوضع فإنه يمارس النقد بموضوعية وإن كان أحيانا ينحاز للواقع بفرض وإملاء من قوة الأنا ولكنه في الغالب لا يؤمن بخطيئة التاريخ إنما يدين الفعل ومن ورائه حتى لو كان العقل ذاته.
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟