عبدالامير الركابي
الحوار المتمدن-العدد: 5382 - 2016 / 12 / 25 - 18:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كيف ولماذا هزمنا أمام صدام حسين ؟(9)
تمرينات في الوطنية مابعد الايديلوجية
ليست هذه كما قد يظن البعض مناسبة سجال "حزبي"، من نوع تلك النقاشات المزرية التي يتشاطر فيها الحزبيون، ايهم اقدر على اثبات انطباق مواقفه على ماقال "ماركس" وماقال " لنين" بتجريد نصوصي خارج أي قاعدة احتكام تعطي لمايقولونه قيمة، او صلة بالحياة، خارج قوقعه احزابهم وافكارهم التي يظلون يلوكونها ويكررونها ببغاويا، ويعمدون الى اقحامها على السياق الحياتي والتاريخي، من جهة أخرى، لايحمل هذا التناول أي نوع من ضغينة لتجربة "الحزب" والوطنية الايديلوجية، او لاشخاصها بذاتهم، ولا على ظاهرتهم، فالمعطى الذي نتناوله كدلالة، معامل هنا من ضمن الحقائق التاريخية الموضوعية كما افرزها التاريخ العراقي والعربي الحديث، وهي ظواهر بررتها وجعلتها ممكنة وقائمة، ليس مايردده هؤلاء من أسباب ايهامية ايديلوجية، من صنف "الطبقات وصراعها"، او "الحافز القومي"، او "الضرورة الليبرالية ".
ولو غصنا وراء تلك الظواهر، او تقبلنا وسائلها وعدتها التي يسمونها "نظرية"، لانتكسنا بالغرض المرتجى من هذه المناسبة، نحو عالم يتهيأ للزوال بعدما استنفد اغراضه، وخرج من نطاق الفعل الحيوي الحياتي، تاركا خلفه، الان على وجه التحديد، حالة من الفراغ مظهره الأبرزالطاغي، نوع من الشلل التاريخي، حيث الماضي القريب ووسائله لم تعد فعالة باي قدر كان، والإصرار على اعتمادها يشبه "النفخ في قربة مقطوعة"، بينما المستقبل لم يتبلورتماما، ولا اكتملت قسماته وملامحه بعد، ماقد جعل الحياة العامة ماخوذه للّافعاليّة برغم ظواهر التشبه بالفعل التاريخي، مايوفراجواء تشجع على طفو قوى ميته على السطح وفي مجال السلطة، تمارس بلا كابح او رقيب جدي، فعلها في الوقت الضائع بين منقلبين.
يريد التناول الحالي تسجيل انتماءه لعملية بلورة الوطنية العراقية في حقبة مابد "الوطنية الايديلوجية" المنتهية والمتدنية بنية ومفاهيم، قياسا لمتطلبات الوعي "الامبراكوني العراقي" المتزايد حضورا والحاحا، أي انه معني بمحركات الحياة الوطنية، وقوة دفعها، وهو مايقتضي تخليصها من اوهام كانت قد بلغت بها الى ماوصلته من ترد كارثي، واهم ماتنبغي الإشارة اليه استدراكا، ودرءا لفعل أساليب ووسائل الحزبية المنقضية، موضوع المصادر والمنطلقات، او "الصدورعن" في لغة من لغات فذلكة عباقرة الثقافة المعدودين، فيقال : "من اين يصدر فلان ؟ " ثم يركبون مقياسهم الحزبي على حجم القائل، ومن قد يقال بشانه، مثلا قد ينظر الحزبيون من التيارات الحديثة الى مانقوله هنا، على انه غيرذي قيمة بناء على قواعد واعتبارات يظنونها شامله للفعل التاريخي، فهم ينكرون التمايز، او احتمال الانفصال وتباين دوافع الممارسة ومعناها. وهذه نقطة ينبغي ان توضح، لانها سوف تكون لازمة في تفنيد مايردده ويلوكه المنتمون لمعسكر "الوطنية الحزبية" باصرار وجهالة معتادة، فهولاء لايمكن ان يصدقوا بان الوطنية العراقية تتجاوز وجودهم ودورهم، واساسا وعيهم، وانها يمكن ان تكون خاضعة لاليات، هي التي جعلت وجودهم / أي وجود الوطنية الايديلوجية/ ممكنا مؤقتا، كما ان هذه الوطنية التي هي الأصل والخلفية، تتجاوزهم وتتركهم على قارعة التاريخ، بحكم تبدل الضرورة التاريخية.
وهنا نقع على نقطة أساسية سوف تأخذ في مقتبل الوقت، مكانا غير قليل من انشغالات الأفكار والبحث، قبل ان تصير معتادة ومقرة كقاعدة انطلاق عند النظر في السردية التاريخية للعراق الحالي، والاهم الذي يرفضه الايديلوجيون، هو تجسد تفارقات التمثيل او التطابق الكلي، او الجزئي للظواهر الوطنية، ممارسة وموقعا، اي قبول احتمال تمثلها المبكرعبر سلوك اشخاص واتجاهات أولية مشتته ومبعثرة في العادة، سوى مواقف واراء يمكن ان تبدو غبر منتسبة لاي مفعول قابل للاندراج داخل وجهة بالامكان التعويل عليها، فاجتماع كل هذه الالتماعات ونظمها ضمن سلسله، هو مما لايقبله الايديلوجيون باعتبارها "تاريخا اخر"، لان التاريخ والممارسة الحقة، هي مايمارسونه هم، وكل الممارسات الحرية بالاعتبار،لابد ان تتطابق مع نموذجهم وقواعد سلوكهم، او تكون خارج المقبول، مدانه ومن عالم "الشبهة" والخطأ الجسيم ان لم توصم ب "الخيانة".
فالايديولوجيا مجسدة حزبيا هي "دكتاتورية تاريخية" مفهومية، لاتقبل ماسواها، او ماهو خارجها، لانها الأصل والصواب العقيدي المطلق، مثل الأديان السماوية النبوية بالضبط، بيدها مفاتيح الصواب والخطا ، الجنة والنار، فلنتصور ان يقال مثلا بان العراقي بدا يعرف أنماط تبلور وطنية جديدة، مابعد ايديلوجية، مجسدة في سلوك وعمل ومواقف واراء اشخاص عاشوا بصفتهم منبوذين مشبوهين حسب العرف الايديلوجي الغالب.
المؤكد ان من يطلقون مثل هذا الراي هم "كفرة وزناديق"، ينبغي تقديمهم للذبح فورا، وبلا ابطاء او تردد، وبدون نقاش عقيم. فاذا تحالف حزب الاندماج بالبعث، مع الحزب القائد، وحاول أي شخص ان يمارس أي نشاط يساري من منطلقات ماركسية حتى، خارج اطار، او عالم الحزب الملتحق بالحزب الحاكم، اصبح بلا ادنى نقاش "خائنا"، مايدل على ان العراق وقتها لم يكن يمر بحقبة دكتاتورية نظام صدام جسين فقط، وانما كان خاضعا لحكم دكتاتوريتين وهو سيبقى كذلك، حتى بعد انفراط عقد الجبهة المصون، سيظلان يعملان بالتوازي، وبنفس القوة والإصرار، الاولى عامة شاملة، والثانية، مختصة بمعسكر اليسار بعمومه، فاحتكار التمثيل بالنسبة للدكتاتورية الفرعية، هو جزء أساس من وزن الحضور والجدوى، وعامل اكتساب أهمية بنظر الحكم.
في عام 1974 وفي الذكرى الاولى لانعقاد "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية"، وتعقيبا على الخطاب الذي القاه احمد حسن البكر بالمناسبة، نشرت مجلة " الثقافة" مقالا صدّرته المجلة باعتباره مشروعا باسم "الديموقراطيين المستقلين"، كتبته انا، وطالبت فيه بتوسيع اطار الجبهة القائمة، باعتبار ان الحزبين الشيوعي والبعث لايمثلان جماع الطاقة والخبرة الوطنيتين، وان ثمة تيار واسع من القوى غير الحزبية، الديموقراطية، يجب استيعابها والسماح لها بإصدار جريدتها المستقلة، وإقامة مقراتها، فما كان الا ان تحولت الى متعاون مع النظام، ومتآمر على الحزب، مع انني لم ار وقتها أي مسؤول بعثي، وان المقال الذي نشرته المجلة التي كان يصدرها الدكتور "صلاح خالص" بطريقة غير مباشرة في حينه، قد وصلها مني عبر شخص على صلة بالدكتور صلاح، الذي لم اكن قد رايته حينها او تعرفت عليه.
شن الايديلوجيون حملة واسعة، ازدحمت وقتها بالتقولات والتلفيقات الخرافية والاساطير المعتادة، المستولدة من مستودع مرض ( الرهاب) الاضطهاد، فهذا الصنف من الأشخاص لديهم أسلحة اضطهادهم التي تخصهم، ولانهم لايملكون معتقلات وسجون، او وسائل تعذيب جسدي، او اغتيال، فانهم ينكبون على تنمية صناعة او استيراد وسائل قتل واغتيال امضى، عنوانها "اغتيال السمعة" كعامل يلجاون اليه لتحصين معسكرهم وبيتهم الهش المنخور، مكرسين مناخامن العصاب قريب من الجنون الجمعي، المرتاب والمهووس بالاختلاق، خارج أي عقلانية، واي منطق سياسي او فكري قابل للمعالجة.
وعلى اعتباري احد اكثر الناس في النصف قرن الأخير، ممن تعرضوا لمثل تلك التلفيقات المرضية، فانني ساعمد بمناسبة التناول التاريخي الحالي، لعرض لوحة قد تطول، من مناسبات تهافت معسكر الايديلوجيا، وعلائم تهاويه المتوالي، وترديه على ضوء تجربتي الخاصة، وصولا للحظات قرب هزيمة هؤلاء، وتراجع موقعهم، وافلاسهم التاريخي، بينما هم يعجزون عن رؤية تبلورات وصعود طور اخر من الوطنية العراقية السائرة نحو لفظهم واطراحهم خارج الفعل التاريخي، ماقد استغرق مدى زمنيا، مايزال ،حتى وان هو قطع اشواطا مهمة، لم يتبلور نهائيا بعد، على رغم تعدد محطاته ووقفاته، ومنها محطة الاتهام ب"التحاور المشين" مع النظام، قبل الغزو الأمريكي، سيدهم الذي اختاروا وقتها ومايزالون السير في ركابه، لينتهوا بالعراق الى ماهو عليه اليوم.
في محاكمات عقدها واحد من اهم من اضطلوا بمحاولة تطبيق المادية التاريخية الماركسية على الوضع في العراق، يقيم هذا مقارنة بين البرجوازية العراقية، والبرجوازيتان المصرية والهندية، فيعيب على العراقية "ضعفها" وعجزها عن إقامة "حزب وطني" كبير مثل "الوفد المصري" و "المؤتمر الهندي"، مامنح برأيه التيارات الايديلوجيا الحزبية، الفرصة او الامكانية حتى تتقدم وتحتل هي واجهة المسرح في الثلاثينات، والمذكور لم يخطر له طبعا، توسيع مدى تصوره او مقارنته المبتورة، فلم ينتبه لاحتمالات ان يكون التعبير الوطني في مكان ما مثل العراق، غير قابل للتبلور، الابعد انقضاء حقبة او مرحلة من سيادة وهيمنة المنظور الحزبي الايديلوجي، وان ماقد راه او تصوره ضعفا يميز البرجوازية العراقية، وهو ما لاوجود له الافي خيالاته واوهامه، هو بالأحرى شان آخر نابع من خصوصيات كيان "امبراكوني"، له تجليات أوضاعه وتمظهراته الحديثة الخاصة، المختلفة عن ماراه من اشكال تجل في كيانات بسيطة أحادية، مثل مصر الدولة المركزية الاستبدادية، التي تهيمن على المجتمع تاريخيا، او الهند بكينونتها الخاصة.
في عراق العشرينات والثلاثينات، لم يكن لا "الحزب الوطني العراقي"، أي حزب "جعفر أبو التمن"، ولا التيارات الحزبية الايديلوجية التي حلت محله ابتداء من الثلاثينات، سوى تعبيرات أولية سابقة على تبلور ونضج الرؤية "الامبراكونية" التي هي وطنية مغايرة، لها خاصياتها وشروطها التي كان اكتشافها في حينه سابقا لاوانه، وغير متاح، وغير ممكن.
#عبدالامير_الركابي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟