|
الجزء الثاني من الرواية: السين 3
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5363 - 2016 / 12 / 6 - 11:33
المحور:
الادب والفن
كنتُ أنتظر " أولغا "، جالساً على طرف الأريكة. لم أكن أتململ من الضجر، وإنما خشيةً من حشرات البق. تمنيت لو أن ثمة كرسياً في الحجرة الأخرى، الموارب بابها. فيما كنتُ أنهض إلى تلك الناحية، إذا بأحدهم يوقع طرقات لجوجة على باب الشقة. ثم ظهر على الأثر شابان بسنّ فتية متماثلة، الأقصر فيهما كان ذا عينين تتريتين. كان هذا يحمل كيساً بلاستيكياً، فما لبث أن فرد محتوياته على الطاولة، الملتمع سطحها المصقول بفضل آثار الدسم. فعل ذلك ببساطة، وكأنه في بيته. أما محتويات الكيس، فكانت زجاجتا خمر، إحداهما فودكا والأخرى ليكيور، علاوة على لفة من لحم الخنزير المقدد. " أأنتما زميلان لأولغا في العمل؟ "، توجهتُ للضيفين مستفهماً ما أن أقتعدا على الأريكة الأخرى وكان في نيّتي تبديد جوّ الحَرَج. بادر إلى الجواب الشابُ الفارع القامة: " بلى، أنا أعمل مخدّراً بالمشفى، فيما زميلي هذا يشارك أولغا في إختصاص الولادة ". ندّت عنه مع ضحكة مخنوقة، مما جعلها منتعشةً بثورُ وجهه. الشابّ الآخر، ردّ من فوره وهوَ يُخرج مطوىً من جيب سترته الجلدية: " إختصاصي معاون جرّاح، وسترى بعد قليل كيفَ سأشرط مؤخرة صديقتنا! "، خاطبني وهوَ يغرس حدّ المطوى في لفة اللحم ليقتطع منها شريحة رقيقة. جلجلت ضحكة الشاب الطويل، فيما كان زميله منهمكاً في قطع شرائح اللحم ووضعها على جريدة كانت أجزاء منها مطوية فوق الطاولة. ثمّ أعدّ صاحبُ السحنة التترية كؤوساً ثلاثة، وما عتمَ أن وزعها علينا مترعة بالشراب الناريّ: " بصحتك أيها الصديق.. "، قالها وهوَ يطرق كأسي بكأسه. قرّب إليّ بعدئذٍ شرائح اللحم، إلا أنني أعتذرتُ عن تناولها. " أأنتَ مسلم..؟ "، سألني وهوَ يبدأ مجدداً بملء الأقداح المنمنمة. ثم أردفَ بحيوية: " أنا أيضاً كذلك، بل إننا نحن الكازاخ أصولنا جميعاً من عربستان! ". جاء دوري هذه المرة لكي أضحك، متفكّهاً في سري من سذاجة الفتى. علّقَ الطويل على كلام زميله، بغمغمة مبهمة عن الختان. فقال له الآخر بنبرة رصينة: " الختان طقسٌ يهوديّ بالأساس، والمسيح نفسه كان مختوناً في صغره.. " " ماذا تعرف أنتَ عن ربنا المسيح، هه؟ فلا تتكلّم فيما لا علم لك به! "، عادَ الطويل للكلام بوضوح وقد أشتعلت بثور وجهه بنار الفودكا. أجابه الكازاخيّ مقهقهاً، وقد بدا بدَوره متأثراً بالشراب: " المسيح مقدّسٌ لدينا أيضاً، ولكن بصفة نبيّ مرسل من رب السموات. فلمَ تغضب، أنتَ من أبديت لي أكثر من مرة رغبتك في أن تختن؟ " " فقط أنا نبهتك بعدم تحبيذي الخوض بموضوع الدين، ولكنك تصرّ في كل حين على إثارته بصورة مضحكة. أما الختان، فمسألة أخرى.. طبية. فالباحثون في الغرب، كما تعلم، أثبتوا أن المختون أقلّ تعرضاً للإصابة بعدوى الإيدز " " نعم، يبدو أن هذا المرض كان مألوفاً في زمن الأنبياء...! " " أأنتَ تعني زمنَ نبيّ اليهود أم نبيّ المسلمين؟ " قاطعه الطويل ببلادة. وقبل أن يتسنى للآخر فرصة الجواب، فتح باب الشقة على غرة لتدلف منه قامة " أولغا " المطيّفة بالعطر. تسمّرت عند عتبة المدخل، مرخية رأسها إلى جانب على عادة الروس في حالة التعبير عن الدهشة أو التساؤل. خاطبت زميليها وهيَ تلهث قليلاً، مكدودة ربما من إرتقائها الدرج: " يا لي منكما..! هلّا شرحَ أحدكما سبب مجيئكما بدون موعد مسبق؟ ". دمدمَ الشاب الطويل مستاءً: " إننا نقيم في جوارك، مثلما أنّ شقتك خالية من جهاز هاتف " " بلى، ولكنني أرغب بالراحة بعد يوم عمل شاق. وأهلاً بكما في أمسية السبت! " " أعلينا أن نذهب، حقاً..؟ "، قال لها مجادلها قبل أن يومئ برأسه نحوي ليضيف: " والمعذرة، على أيّ حال، فلم نكن نتوقّع أن لديك ضيفاً ". عند ذلك، بادرتُ إلى النهوض مُستأذناً في الإنصراف: " سأمرّ على سفيتا، لعلها تكون قد عادت للمنزل "، توجّهت بكلامي إلى " أولغا ". وربما لحظت هيَ تجّهمَ ملامحي، فقالت لي متكدّرة: " أعتقد أنهما أعلماك بكونهما زميلين في المشفى، الذي أعمل فيه. هما على حماقة بعض الشيء، ولكنهما طيبان للغاية ". هززتُ رأسي بحركة تفهّم، طالما أنّ جملتها الأخيرة جعلت أسارير وجهي تنفرج عن ابتسامة خفيفة. لم تعاند فتستبقيني، وفي مقابل ذلك، حصلت مني على وعد بزيارة أخرى. على أنها باغتتني بالقول وقد أرتسمت بسمة سعيدة على شفتيها الممتلئتين: " سفيتا في المنزل، وهيَ تنتظرك! ". كنتُ بمزاجٍ رائع حينَ ودّعتُ " أولغا " عند باب شقتها، حتى أنني طبعتُ قبلة على فمها المُرطب بأثر التبغ. ثم أتجهتُ مباشرة إلى الدرج، صاعداً إلى الشقة الأخرى والتي كدّتُ أسلو أمر ساكنيها نتيجة ذلك اللقاء غير المتوقع. ما عتمَ باب الشقة أن أنفرجَ عن وجه " سفيتا "، الفاتن القسمات على الرغم من غمامة الحزن في عينيها. تبسمت برقة، وقد أنتبهت ولا مِراء لنظراتي المفتونة: " كنتُ متكهّنة أننا سنلتقي من جديد، ولكن ليسَ بهذه السرعة! "، قالت لي وهيَ تفسح مجالاً لدخولي. كانت مرتدية بيجاما رياضية، حمراء اللون، جعلت أطرافها تتفجّر بالإثارة. لحظتُ ذلك، لما استدارت على عقبيها كي تسير أمامي في ردهة المدخل وصولاً إلى الصالة. ثمة، كانت شقيقتها " ناستيا " تلاعب طفلاً في نحو الخامسة من عمره. لفت نظري ما في سحنته من شحوب، فأجتاحني حالاً شعورٌ جارف من الشفقة. بكّت نفسي، كوني نسيتُ أمرَ إحضار هدية لهذا الطفل الجميل. ما أن أنتهيتُ من إلقاء التحية على الصبيّ وخالته الصغيرة، إلا و" سفيتا " تشيرُ بيدها إلى ناحية باب حجرة النوم المفتوح: " والدتي طريحة الفراش، فلم تتمكن من القدوم لإستقبالك ". أتجهتُ عندئذٍ إلى ناحية الأم بخطوات متعجلة، مضطربة نوعاً. فلما صرت بالقرب من السرير، رفعت هيَ رأسها عن الوسادة لتحييني بصوتٍ واهن. كانت الحجرة ضيقة، بالكاد تتسع لسرير وخزانة ملابس. على منضدة صغيرة، كان ثمة عقاقير وشمعة مشتعلة أمام أيقونة للعذراء. فيما كنتُ أهمّ بالإلتفات إلى ناحية باب الحجرة، هاماً بمغادرتها، أنتبهتُ إلى ما يشبه الإيقونة مثبتة على الجدار فوق رأس المريضة. كان وجهاً أليفاً، تشعّ منه أنوار القداسة. قالت لي " سفيتا " وقد فطنت إلى إستغراقي بتأمل الصورة: " إنه دستويفسكي؛ ولشدة تعلقي بأدبه، فإنني أطلقتُ اسمه الأول على ابني ".
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجزء الثاني من الرواية: السين 2
-
الجزء الثاني من الرواية: السين
-
الفردوسُ الخلفيّ: النون 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: النون 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: النون
-
الفردوسُ الخلفيّ: الميم 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: الميم 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: الميم
-
الفردوسُ الخلفيّ: اللام 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: اللام 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: اللام
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: الكاف
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء 3
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء 2
-
الفردوسُ الخلفيّ: الياء
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء 3
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء 2
-
الجزء الأول من الرواية: الطاء
المزيد.....
-
-ترويكا-- برنامج جديد على RT يفتح أمامكم عوالم روسيا
-
علماء: النجوم تصدر -موسيقى- قد تفسر كيفية نشأة المجرات
-
تعرفوا على كارلو أكوتيس.. أول قديس كاثوليكي بالجينز من جيل ا
...
-
RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
-
Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
-
الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز-
...
-
جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
-
نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ
...
-
الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف
...
-
ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
المزيد.....
-
عشاء حمص الأخير
/ د. خالد زغريت
-
أحلام تانيا
/ ترجمة إحسان الملائكة
-
تحت الركام
/ الشهبي أحمد
-
رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية
...
/ أكد الجبوري
-
نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر
...
/ د. سناء الشعلان
-
أدركها النسيان
/ سناء شعلان
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
المزيد.....
|