أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد وجاني - حكمة العدس














المزيد.....

حكمة العدس


فؤاد وجاني

الحوار المتمدن-العدد: 5327 - 2016 / 10 / 29 - 02:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان الفيلسوف ديوجانس الكلبي يتناول الخبز والعدس ذات ليلة فدخل عليه الفيلسوف أريستبوس المقرب من القصر وقال: إن شئت ألا تأكل العدس فكن تابعا للملك. رد عليه المتقشف ديوجانس: إن شئت أن تتحرر من تبعية الملك فعليك أكل العدس.
لم يكن ديوجانس الميت ثلاثمائة سنة قبل الميلاد ليعلم أن العدس قد يبلغ يوما لدى المغاربة ثمن نصف كيلوغرام من اللحم ليتفوه بحكمته تلك، فقد صار بسعره ذاك طعاما للطبقة البرجوازية. وإذا كان العدس في رأي الفيلسوف ديوجانس وسيلة للتقشف، ووازعا لحفظ النفس عن الجشع، وبالتالي سبيلا نحو التحرر من التبعية المطلقة، فلا أعلم ماذا سيأكل المسكين عندنا، المتحرر من أمور السياسة إجمالا، بعد أن ارتفع سعر ما كان يعتبره نعمة تقيه وساوس النقمة.
كثيرون من يؤرقهم ثمن العدس، طعامُ الفقراء بالأمس القريب، هم غالبية الشعب، لكنه حتما لا يؤرق من يتقاضى سبعمائة مليون كل يوم من أموال الشعب، ولا يقض مضجعَ من سيحصلون على تقاعد مريح جزاءً لسبات عميق تحت قبة البرلمان لمدة خمس سنوات، المصوتين على ميزانية القصر دون تمحيص أو تعليل فما بالك بالنبذ أو التقليل.
زاد ثمن العدس في وقت انكمش فيه صندوق المقاصة تحت غطاء الإصلاح، وتقلصت ميزانيتا التعليم والصحة، لترفع الدولة يد الدعم عن المواطن وتُبقي يد البطش فقط. زاد ثمن العدس ورَخُص المواطن بعد أن وضعته الدولة سلعة في المزاد السري للخصخصة. المدرسة الخصوصية تنتفه، وشركات الماء والكهرباء تنهبه، والدولة تستقطع منه الضرائب، والطريق السيارة تسلبه ذهابا وإيابا مقابل السلامة وإلا فعليه أن يلقي بنفسه في مخاطر الموت بالطرق "الوطنية"، والشرطة والدرك له بالمرصاد لعله يُصطاد في فخ شراكهم المنصوبة في كل تقاطع ومُفترق.
وعلى المواطن فوق كل ذلك أن يحافظ على سلامة صحته بشقيها العقلية والبدنية ومتانتها كي يؤدي الأدوار المنوطة به، فإن خانته يوما، خرج من سباق الدائرة المعيشية، لتلفظه مستشفيات الدولة المتقهقرة نحو المقبرة أو تستأصل المصحات الخاصة ما تبقى معه من ادخار السنين.
أتساءل كيف سيكون هذا الشتاء دون عدس، كيف سيأكل المواطن الفقير العدسَ الغني بالحديد والبروتينات والألياف والفولايت بعد أن صار ثمنه موازيا للدجاج -الذي لا يراه فوق مائدته سوى أيام نُزر في السنة-. ذلك العدس المبارك بالأمس، اللعين اليوم، صار عدوا كسائر الأعداء التي يواجهها المواطن بشراسة كل يوم، وبات أهلا للذم عوض المدح الذي سقاه به العالم والمغني والشاعر إسحاق بن إبراهيم الموصلي في أحد أبياته:
نِعْم الصديقُ صـــديقٌ لا يكلفني
ذبح الدجاج ولا ذبح الفراريج.
ولا شك أن قلوب الناس ستتحجر ضد نظام لا يدعم طعام الفقراء، فقد رُوي في التراث الإسلامي أن رجلا شكا إلى النبيّ قساوة القلب، فقال له: "عليك بالعدس، فإنَّه يُرقُّ القلب، ويُسرع الدمعة".
لقد أبانت ضائقة العدس عن أزمة في تدبير الدولة للشأن العام، وعن فشلها في سياستها الفلاحية، فالعدس ليس وجبة غذائية تملأ طاولة أغلب الشعب، إنما أحد مكونات السلم الاجتماعي.
السنة الماضية ارتفع سعر البصل ارتفاعا حادا، هذه السنة العدس، تصور أيها القارئ لو ارتفع ثمن الخبزة ليصل خمسة دراهم السنة المقبلة مثلا، ماذا سيحدث؟ حتما سنشهد انتفاضة كتلك التي حصلت في الدار البيضاء عام 1981، لكنها هذه المرة قد تشمل المغرب كله عوض مدينة واحدة.
لقد كشفت أزمة العدس أننا نعتمد في غذائنا، ونحن الدولة المتوفرة على أكبر مخزون للفوسفاط بالعالم، على دول أجنبية ومنها كندا. ماذا لو أصاب القحط ولاية كانساس الأمريكية مثلا، ولم تُصدّر إلينا الدقيق ذات سنة؟
ألم يصف الحسن الثاني نفسه بباني السدود، أين يذهب ماؤها؟ هل لري ّملاعب الكولف وضيعات الإقطاعيين والقصر الموجهة نحو تصدير الطماطم والفاكهة مقابل ربح الأموال الطائلة؟ أم لمزارع تضمن الغذاء الأساسي للمغاربة ومعه السلم الاجتماعي.
أسفرت أزمة العدس أيضا عن الوجه الحقيقي لأصحاب القرار في هذا البلد، الذين لا يملكون البصيرة الثاقبة، ولا يستشيرون الحكماء، بل هم وراء الربح المادي السريع وجمع الثروات على حساب مستقبل الوطن والمواطنين.
إن الموضوع أكبر من العدس، إنه ينم عن ثقافة سلطوية فاشلة، لم تتحرر من التبعية الاقتصادية حتى في المجال الغذائي، و لا تتوفر على برنامج فلاحي واضح المعالم ينشد الاكتفاء الذاتي ويضع نُصبه مصلحة الشعب أولا، وأنها ذات مسغبة ستأتي على اليابس وما بقي من أخضر في هذا البلد.



#فؤاد_وجاني (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -فراقش- السيد الوالي لا تصلح للحناء
- هل هو انفصال بريطانيا أم تشييد لقبر الرأسمالية؟
- أي وجه بقي لملك المغرب بعد الشريط الوثائقي الفرنسي؟
- لماذا وجب على المغرب الابتعاد عن الحلف الخليجي؟
- هل يستقيل الملك؟
- بين الخطاب الشعبي والخطاب الشعبوي في السياسة المغربية الحالي ...
- جوج فرانك وأعلى الهرم
- راعي الماعز المغربي
- بين تكساس وتيقيساس جبالة
- مَتاجر السويد ومَتاجر قضية الصحراء
- من الحركة إلى التنظيم
- الملك والرعية
- خطر السعودية على الانتقال الديموقراطي بالمغرب
- عشرة أسباب لمقاطعة الانتخابات الجماعية القادمة في المغرب
- الموت والديموقراطية
- الضيعة والدولة
- هل المغرب في طريقه نحو الديموقراطية؟
- لماذا يزعج فن الراب السلطة في المغرب
- خطاب الحسد
- شيوخ الخليج العربي: أعداء الديموقراطية وكرامة الإنسان


المزيد.....




- هبوط حاد لأسهم الأسواق.. الصين تواجه ترامب
- محمد نبيل بنعبد الله ضيف بودكاست “Talks21”
- زيلينسكي: تركيا بوسعها لعب دور مهم للغاية في توفير ضمانات أم ...
- إعلام: بريطانيا تقدم تنازلات للتخفيف من أثر الرسوم الجمركية ...
- المستشارة القضائية الإسرائيلية: إقالة رئيس -الشاباك- يشوبها ...
- الحكومة السورية: فلول النظام السابق ارتكبت انتهاكات بحق الأه ...
- تركيا تفقدت ثلاث قواعد جوية في سوريا قبل قصفها من قبل إسرائي ...
- الموفدة الأمريكية أورتاغوس تبدأ زيارة إلى بيروت
- إعلام: ماكرون مستعد لتمثيل أوروبا في مفاوضات السلام الأوكران ...
- رئيس الوزراء الكندي يدلي بتصريح جريء بشأن الولايات المتحدة


المزيد.....

- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3 / عبد الرحمان النوضة
- سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا- / نعوم تشومسكي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد وجاني - حكمة العدس