أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - جبرا ابراهيم جبرا : المثقف رساما ً















المزيد.....

جبرا ابراهيم جبرا : المثقف رساما ً


خالد السلطاني

الحوار المتمدن-العدد: 1408 - 2005 / 12 / 23 - 07:46
المحور: الادب والفن
    


لا يشك احد بان انجازات العقد الخمسيني في الثقافة العراقية كانت انجازات مهمة ومتشعبة وتجديديةً ، وربما ساهمت انجازات ذلك العقد " البطولي " : الفريد وشديد الثراء في خلق مبدعيه المعبرين عن منجزه المتشعب والمتنوع بصدق وجلاء واضحين ؛ وقد يكون حدث " مصادفة " تواجد العدد الكبير من المبدعين ابان تلك الفترة ، هو الذي اكسب تلك المرحلة الزمنية من تاريخ العراق الثقافي تلك الاهمية الفائقة ؛ الاهمية التى ما برحت تأثيراتها تبدو واضحة وقوية على مسار تطوّر مجمل الاجناس الابداعية العراقية . وايا ً يكن الامر ، فان العقد الخمسيني سيظل يمثل اهمية استثنائية في سجل المعطي الثقافي العراقي ، نظرا لتشعب ذلك المعطى وشموليته ونَفسَه التجديدي ، .. وأحد الذين عبروا وساهموا وابدعوا في تلك الفترة هو " جبرا ابراهبم جبرا " ( 1920- 1994 ) – " الكاتب الشمولي الموسوعي " ، بحسب وصف " فخري صالح " له ، والذي تحل ذكرى رحيله الحادية عشر في هذه الايام .
يتعين التأكيد بادئ ذي بدء ، بان جبرا ابراهيم جبرا ، وبحكم مرجعياته الثقافية الرصينة والمتنورة قد وعى بصورة جيدة اهمية الاحداث الدراماتيكية والتجديدية التى كان يمور بها المشهد الثقافي العراقي وقتذاك ، تلك الاحداث التى افضت في النتيجة الى تكريس مفاهيم جديدة وحداثية في مجالات ثقافية عديدة ساهمت ، بالاخير، في تغيير الذائقة الفنية وبدلت من اساليب التعاطي للمنجز الثقافي بتجلياته المتنوعة . كما ان ذلك الوعي اقترن ايضا لدى " جبرا " بممارسة نشطة وجادة ومتنوعة في مجمل المنجز الثقافي العراقي ، فهو بالاضافة الى كونه روائيا وناقدا فنيا ، ومترجما وصحفيا ، فانه ايضا .. رسام ، ساهم بابداعه الفني في ترسيخ مبادئ التجديد والحداثة في الفن العراقي ، جنبا الى جنب اصدقاءه وزملاءه في " جماعة بغداد للفن الحديث " .
قد يجادل المرء في اساليب ونوعية اصطفاءات " جبرا " الثقافية ، ومسعاه في تركيز الانتباه باتجاه جانب محدد ومنتقى من الثقافة العراقية ، ولا سيما في تجلياتها الفنية ، وعدم اكتراثه وحتى تغاضيه عن تناول الجوانب الابداعية الاخرى من تنوعيات الفن العراقي التى اكسبت ذلك الفن ثراء اسلوبيا واسست لاصالته المتميزّة . بيد ان الامر الاكيد بان مسعى " جبرا " التنويري والتجديدي كان امرا واضحا ومعترفا به . فقد ظل ، بفضل معرفته الواسعة لاساليب النقد الحديث وتنوع نشاطه الثقافي مرجعا ً رصينا ً ومعتمدا ً لانجازات الفن العراقي الحديث وخصوصا في سنينه التأسيسة ، ولم تقتصر متابعته في الشأن الفني فقط ، وانما شملت جميع اجناس الثقافة الاخرى ، بضمنها العمارة العراقية الحديثة ، التى كان " جبرا " احد المعجبين والمتابعين والمروجيّن لانجازاتها على مدى اكثر من اربعة عقود ، وهي الفترة التى وصل بها الى العراق لاول مرة عام 1948 ، قادما من بلده فلسطين ، ولحين وفاته عام 1994 . واعد شخصيا روايته " صيادون في شارع ضيق ") التى ظهرت ترجمتها الى العربية سنة 1974 ) بمثابة ايماءة اعجاب الى بيئة بغداد المبنية ومناخها " المتروبوليتاني " من خلال الحضور المميّز لشارعها المهم في الرواية : شارع الرشيد – الجادة الاكثر شهرة وفخامة في فضاء العاصمة العراقية . كما اذكر زيارتي له بالتسعينات في دارته بالمنصور في شارع الاميرات ، الشارع الذي خلده بكتابه "شارع الاميرات " الصادر عام ( 1994) ، للاستفسار منه عن نشاط المصور الفوتوغرافي " جاك برسفيل Jack Persival " ، الذي عمل معه في مجلة " اهل النفط " في الخمسينات ، والذي سجل بعدسته الرائعة منجز العمارة العراقية الحديثة بشكل خاص ، والبيئة المبنية والاجتماعية العراقية بشكل عام ؛ وقدمّ لي ، في حينها ، جميع المعلومات التى اكتنفت حياة ونشاط هذا الفنان الانكليزي ، الذي يعود له الفضل في تأسيس فن " الفوتوغراف " العراقي الحديث .

... امتلك في ارشيفي الخاص مجموعة صور لاربع لوحات مرسومة من قبل " جبرا ابراهيم جبرا " ، تعود الى فترة الخمسينات وتحديدا الى 1951- 1957 . لا اعرف بالتحديد مصير هذه اللوحات ، واين الان مستقرها ؛ وازعم بان الكثيرين من محبي نتاج " جبرا " لا يعرفوا عنها الكثير ، كما انها لم تظهر في غالبية المطبوعات التى تناولت ارث " جبرا " الفني . اقدم هذه اللوحات الى القارئ ، داعيا النقاد المختصين لابداء الرأي فيها ، محاولا هنا ، ابداء تعليقات شخصية وسريعة عنها .
تنتمي جميع اللوحات الاربع الى خصوصية " المناخ " الطليعي والتجديدي الذي كان سائدا في الخطاب الفني العراقي بالخمسينات ، المناخ المتـّطلع نحو المقاربات الفنية الحداثية ، والتائق الى مجاراتها وتبني اساليبها الفنية بذائقة محلية متشكلة من اجتهادات ذاتية لتفسير تلك المقاربات ومحاولات محض شخصية لفهمها .
ولئن كان اكثر الفنانين العراقين المجايلين له في تلك الفترة ، سعوا وراء ترسيخ " ثيمات " الحياة اليومية ، لابطال " قرويين (!!) يمارسون فعالياتهم في المشهد المديني ، كلوحة فائق حسن " في المطعم " و " الشجرة " لجواد سليم ، و " الرحيل " لاسماعيل الشيخلي ، ومنحوتة " الشرقاوية في ليلة الدخلة " لخالد الرحال ، و " الملايـّات " لمحمود صبري و " سوق في كربلاء " لحميد العطار و " جاء الرزق " لارداش كاكافيان ، و " سوق الدهانة " لحميد العطار ، و" ام اللبن " للورنا سليم ، و" البناؤون " لكاظم حيدر ،و " الفارس وحصانه " لزيد محمد صالح ، و " الكوفة " لطارق مظلوم ، و " سوق الميدان " لرسول علوان وغيرهم من الفنانين الذين اشتغلوا كثيرا على تكريس موضوعة " النقيضة " المتمثلة بحضور القروي في المشهد الحضري ؛ فان " جبرا " الرسام الذي لم يك بعد " هاضما " بشكل جيد مغزى ذلك الصراع الاجتماعي الذي طبع المجتمع العراقي بطابع خاص ومميز ّ ، انتقى " ثيمة " مخالفة تماما لموضوعة اقرانه ، وهي " ثيمة " - كناية ، كما ارى ، في تشبث الرسام في " اميج " الانتماءات الحميمية ؛ التى احسّ ، برهافة الفنان ، بانها معرضة للتلاشي سريعا من الذاكرة ، اثر النكـبة التى حلت ببلده مؤخرا وقتذاك ! .
في لوحات " العائلة - 1955 " ، و " امرأة وطفلها – 1957 " و " النافذة " ( 1951 ) ، يحرص " جبرا " الى جعل موضوعة لوحاته بمثابة مادة قابلة لاستيلاد افكار واستدعاء ذكريات متنوعة ، يمارسها المتلقي الناظر الى شخوص اللوحة والناظرة هي اليه . ومما يسهم في تعزيز هذا الشعور اختيار الفنان للاسلوب التعبيري < بمدرسته الالمانية > ، الاسلوب المثقل بفيض الاحاسيس والمترع بالترميز ! . في لوحة " النافذة " ثمة وجه بورتريتي لامرأة نصفها الايمن يدلل على مرحلة شبابها والنصف الاخر وهي في خريف العمر ، انها تتمعن بالمشاهد بعين مفتوحة وكبيرة في نصفها الايمن ، وبعين متعبة وصغيرة في نصفها الايسر، لكن نظراتها ما فتأت تحمل سمات جمال غابر يؤكد حقيقته النصف الاخر من اللوحة . ثمة نافذة مفتوحة بدون اطارات ( او بالاحرى حفرة معمولة بالجدار ) تطل على فضاء مغلق ، يغمر شعاعها النصف المسن من الوجه الانثوي المحاط بحيّز نصفه معتم والاخر مضئ ، يتحدد فضاءه بقسوة من خلال خطوط المنظور الحادة التى تتلاشى نهاياتها في عتمة خلفية اللوحة .
لا يبدو " جبرا " الرسام ، قادرا على النأي بعيدا عن تأثيرات مجايليه حتى النهاية ؛ ففي لوحة " الصفـّار – 1955 " ، نشعر بنزوع الفنان نحو السعي الى تناغم " ثيموي " مع موضوعة فناني البيئة البغدادية اليومية ، الموضوعة العزيزة على قلب الفنان العراقي الخمسيني. اذ تمثل اللوحة دكانا لبيع ادوات منزلية مصنوعة من النحاس / الصفر . تمور اللوحة بكثافة عارمة من اقواس لخطوط منحنية ، ترسم تقاطعاتها اشكال تلك الادوات المنزلية البسيطة من اوان ٍ وقدور و " تنك " لحفظ المياه ، مرصوفة على شكل خطوط شاقولية متوازية تقسم سطح اللوحة الى تقسيمات عمودية متوازية في جزءها الوسطي ، وتنتهي ، كما بدأت بخطوط افقية في اعلاها وفي اسفلها . وتلوح هيئة الشخص البائع الجالس بين تلك الاواني ، وكأنها جزءا من خضم الاشكال المنحية الحافلة بها اللوحة ؛ انها تعبير عن ما يريد الرسام ايصاله لنا عن تماهٍ شديد وتآلف حميمي بين " الصانع " و " المصنوع " ! .
قد تمنح اللوحات المشار اليها في هذا المقال مع بقية نظيراتها التى انجزها " جبرا ابراهيم جبرا " ، صورة واضحة عن ثراء وغنى المنجز الثقافي " للكاتب الشمولي الموسوعي " . وليس المهم ، في اعتقادي ، هنا البحث عن مهارة تكوين اللوحات المرسومة وحذاقة الخطوط فيها ، بقدر ما تفصح تلك اللوحات الفنية مقدار عمق واتساع شخصية المثقف " الرسولي " واهتماماته الجمالية ، وتبين في الوقت ذاته ، فداحة الخسارة التى فقدتها الثقافة العربية .. بوفاته . □□



#خالد_السلطاني (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنويعات عمارة ما بعد الحداثة
- كتاب - خواطر السنين - : مكان .. يتوارى
- العمارة ، بصفتها قبولاً للآخر : عمارة مبنى سفارة الدانمرك في ...
- معاداة الاخر : ايران نموذجا
- عمارة زهاء حديد :واقعية الفضاء الافتراضي
- عمارة مابعد الحداثة : المصطلح والمفهوم
- زمن - الجهاد - الارهابي : زمن الارتداد المشين
- عمارة مكتبة الاسكندرية : الحيز ، المكان ، والزمان
- سلالة الطين : الكاتب ، والكتاب
- تسعينية جعفر علاوي - العمارة بصفتها مهنة
- مسجد ما بعد الكولونيالية
- رسالة مفتوحة الى برهان شاوي
- صفحات منسية من تاريخ العراق المعماري: مبنى مجلس الامة-الى ال ...
- تحية الى 9 نيسان المجيد
- نكهة العمارة المؤولة
- مصالحة ام ... طمس حقوق؟
- مقترح شخصي ، لادانة جماعية
- المشهد المعماري في الدول الاسكاندينافية بين الحربين - صفحات ...
- الانتخابات و - رياضيات - الباجه جي المغلوطة
- العمارة في العصر الاموي : الانجاز والتأويل - مقدمة كتاب ، يص ...


المزيد.....




- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...
- ياسمين صبري توقف مقاضاة محمد رمضان وتقبل اعتذاره
- ثبت تردد قناة MBC دراما مصر الان.. أحلى أفلام ومسلسلات عيد ا ...
- لمحبي الأفلام المصرية..ثبت تردد قناة روتانا سينما على النايل ...
- ظهور بيت أبيض جديد في الولايات المتحدة (صور)
- رحيل الممثل الأمريكي فال كيلمر المعروف بأدواره في -توب غن- و ...
- فيديو سقوط نوال الزغبي على المسرح وفستانها وإطلالتها يثير تف ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد السلطاني - جبرا ابراهيم جبرا : المثقف رساما ً