أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حفيظ بورحيم - الأبوة المزيفة














المزيد.....

الأبوة المزيفة


حفيظ بورحيم

الحوار المتمدن-العدد: 5248 - 2016 / 8 / 8 - 20:17
المحور: الادب والفن
    


بعدما مات أبوها تغيرت كثيرا . لم تعد ترفرف الابتسامة على شفتيها وما عاد البهاء والحسن يراود مقلتيها، وحتى وزنها انخفض بسبب الإضراب عن الطعام، أما الكلية فقد هجرتها لمدة شهر بأكمله، تخلت فيه عن كل ما يربطها بمدينة أكادير، لتنخرط في كآبة صماء لا نهاية لها .
تذكرت وهي تنظر إلى دفتر مذكراتها أحداثا عاشتها تحت كنفه ووقائع شهدت على تفاصيلها في حضرته، فكان قلبها يتشظى من فرط اﻷلم وعيناها ترسلان بقية الدمع على وجنتيها الذابلتين بلا انقطاع .
ومع كل دمعة مرسلة كانت تتبدى ذكرى ذلك الرجل في صورة من صوره المعهودة، فصورة للرأفة وصورة أخرى للشجاعة وصور للتضحية والقوة والتواضع، كلها كانت تدون سطور النهاية لرواية سعادتها مع أبيها .
وكم تمنت أن تحضنه، ولو لمرة واحدة فقط، حتى تعوض صدمة المفاجأة التي انتابتها على حين غفلة منها لما كانت في بيتها بالحي الجامعي ذات يوم، فقيل لها عبر الهاتف :
- أبوك مات و الجنازة غدا !
لم تصدق هذا الكلام في البداية، ثم امتزجت السخرية والخوف في بوتقة قلبها ليسفران عن غلبة الحقيقة على أوهام الخلود في اللحظة التالية من عمر الصدمة، ولما رأتها صديقتها في ذلك الوضع المحنط سألتها بتردد :
- ما الذي أسكتك يا مريم ؟ أجيبي ؟
لكنها اكتفت بالصمت، ولم تعد تسمع بعد ذلك شيئا، لأن ظلام المفاجأة أطبق من حولها وتملك روحها للحظات، فلما أفاقت تحت تأثير رائحة البصل، سألت أسئلة وجودية ساذجة لتتحقق من هويتها، ثم استطاعت أن تتغلب على كل ذلك لتعود إلى مدينة تزنيت مسقط رأسها .
وبعدما وصلت إلى الحي القديم حيث تقطن عائلتها، اعترض طريقها سكان ذلك المكان وعزوها في فقدانه وأوصوها خيرا بأمها، فلم تجبهم بشيء واخترقت جمعهم كسهم متوثب إلى هدفه لتدخل إلى منزلها في النهاية .
كانت اﻷصوات تتمازج وتتلاقى عند مدرك السمع، وأغلبها للنوح والشكوى وأقلها للاستغفار والدعاء، فلما رأوها انكبوا عليها متناوبين في معانقتها وتوصيتها بالصبر الذي لم يفلحوا هم بأنفسهم في العثور عليه .
دخلت غرفتها واكتفت بالصمت ولم تفتح لأحد منذ ذلك اليوم، وأقنعت نفسها بأنها قد فقدت أبا مثاليا لا تأتي الدنيا بأمثاله إلا لماما، وباﻷحرى إنها لم تكن تأتي بأمثاله حتى يسلم يهودي حسبما يقوله العوام وأشباههم .
فتحت صفحات أخرى من دفتر مذكراتها الذي تركته هنا قبل موسم الدخول المدرسي، وتنهدت بعمق وهي تقرأ تدوينة مضمونها أن أباها لم ينس الاحتفال بعيد ميلادها الثامن عشر ..
ثم فتحت الصفحة الأخيرة صدفة لتعثر على نص بخطه، وكان هذا محتواه :
ابنتي العزيزة مريم
أنت تعلمين يا بنيتي أنني أحبك وأخاك عمر حبا ليس له حدود، ولأجل ذلك اخترت أن أبوح لك بحقيقة أثقلت كاهلي وجرعتني اﻵلام خلال أعوام عدة .
لطالما ظننت، يا ابنتي، أنني أب وفي لأبنائه، مخلص أشد اﻹخلاص لرغباتهم واحتياجاتهم، لكنني لست كذلك لسوء الحظ، فلقد تزوجت امرأة قبل أمك وكافأني الله بأن رزقني ابنا جميلا تخليت عنه وحرمته من رؤيتي، وحرمته من أدنى مطالب الطفولة .
أرجوك سامحيني يا ابنتي لأني أخفيت هذه الحقيقة، فلم أستطع قولها لك حتى لا أرى نظرة حقد وكراهية منك، واخترت أن أنطق الورق عوضا عن لساني حتى ينوب في إيصال الرسالة .
أبوك العربي .
لما قرأت هذه الرسالة سكتت لمدة طويلة كانت كفيلة بأن تتهافت فيها عظمة اﻷب المثالي، ثم حملت حقيبتها لتبحث عن أخيها المنسي .



#حفيظ_بورحيم (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدينة
- المواطنُ أسعد بن أبي رضوان
- مسعود المبتسم
- حبل وصال - حفيظ بورحيم
- خطاب الدفاع
- وقائعُ إعدامِ المُحِبِّ -مُمُو-
- قصة الكَنْزِ المَخْفِيِّ
- مأساة الطالب سفيان بن عُنفوان
- لاَ تُحَدِّثُونِي عَنِ الأَعْيِادِ
- حديثُ قلبٍ جريح
- أخبار طفل يحب الأشجار
- صعوبات الترجمة الأدبية:
- نظرات حول منهج البنيوية التكوينية
- نزهة
- السوسن يأبى الذبول
- فاضمة والفراشات
- أرق


المزيد.....




- -تيك توك- تطلق منصة -فور أرتيستس- لدعم الفنانين عالميا
- يحقق أعلى إيردات في عيد الفطر المبارك “فيلم سيكو سيكو بطولة ...
- فيلم استنساخ سامح حسين بمشاركته مع هبة مجدي “يعرض في السينما ...
- فيلم المشروع x كريم عبدالعزيز وياسمين صبري .. في جميع دور ال ...
- نازلي مدكور تتحدث في معرض أربيل الدولي للكتاب عن الحركة التش ...
- مقتل المسعفين في غزة.. مشاهد تناقض الرواية الإسرائيلية
- مقتل عمال الإغاثة.. فيديو يكشف تناقضا في الرواية الإسرائيلية ...
- -القيامة قامت بغزة-.. فنانون عرب يتضامنون مع القطاع وسط تصعي ...
- لقطات فيديو تظهر تناقضاً مع الرواية الإسرائيلية لمقتل المسعف ...
- سوريا.. تحطيم ضريح الشاعر -رهين المحبسين- في مسقط رأسه


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حفيظ بورحيم - الأبوة المزيفة