عبدالامير الركابي
الحوار المتمدن-العدد: 5248 - 2016 / 8 / 8 - 18:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بعد الإعتراف البريطاني: من يعيد الإعتبار للوطنيين العراقيين؟
عبدالأميرالركابي
اعترفت بريطانيا ومعها ـ وبدرجة اقل صراحة ـ الولايات المتحدة الامريكية، بانها ارتكبت خطا بشنها الحرب على العراق عام 2003، هذا التطور على خطورته مرمن دون اية مترتبات تاريخية او قانونية، اوحتى أدبية، ومن دون ردود أفعال وطنية عراقية، فالقوى التي كانت متحالفة مع البريطانيين والامريكيين على سبيل المثال، لم يصدر عنها أي موقف،لاسلبا ولا إيجابا، لانها وفي هذا المجال أيضا، تقف ضد المصلحة الوطنية، وبالبداهة ضد الاعتراف البريطاني الأمريكي الذي يدينها، ويضعها بموقع المحاسبة وطنيا وقانونيا، لكونها قوى متعاونة مع اجنبي معتد ضد بلادها، والأغرب ان تكون هذه القوى ماتزال في موقع القيادة والحكم، وانها تجادل بخصوص الشرعية، مرتكزة الى مايسمونه "الدستور" الذي لم نتعرف الى الان على صوت قانوني دستوري يعيد النظر في "دستوريته" بناء على الأطر والشروط التي وضع خلالها، او يحاجج في موقع هؤلاء الذين دخلوا "مجلس الحكم" في حينه، واذا كانوا يتمتعون بناء على واقع الحال الماضي والمستجد، باي قدر من الشرعية الوطنية، ناهيك عن فرضية اسقاطهم والمطالبة بمحاكمتهم.
ومع ان هذا النفر من الأشخاص او القوى المتصدية وماتزال لادارة البلاد وفق "العملية السياسية الطائفية" يمثلون الجزء الأكثر اضرارا بمصالح العراق، وانهم مارسوا الحكم كمرتزقة لاعلاقة لهم بالبلاد، ولايمتون لها ولمصالحها باية صلة، وانهم اثبتوا قاعدة مفادها ان"من يتعاون مع اجنبي على احتلال بلاده وتدميرها لايجوز ان يحكمها، لانه ليس منها، ان لم يكن عدوها" وهي القاعدة التي ثبتت عمليا خلال 13 عاما بدات عام 2013، لنجد البلاد مدمرة وممزقه ومنهوبه من قبل "عصابة"، لاتحمل اي قيمة من قيم الوطنية، او الغيرة على المصلحة العامة، او أي درجة من درجات الحرص على البلاد وشؤنها الحيوية، بدليل تحويلها الدولة الى غنيمة، ومصدر للنهب، بلا أي تصرف او خطوة تنتمي للإصلاح او البناء في أي مجال او جانب من جوانب الحياة الاقتصادية او المجتمعية .. الخ.
وتتحمل الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عن الأوضاع وشكل الحكم الذي نتج عن الغزو والاحتلال، مايجعل الاعتذار عن الغزو بحد ذاته، غير ذي جدوى، ولامعنى له، اذا لم يرفق بمراجعة عملية للآثار الخطيرة، لابل الأخطر التي ارسى المحتلون قواعدها، غير ان هذه القضية المستجدة والفريدة في تاريخ وموضوعات "حركة التحرر العالمية"، وجوانبها المختلفة، والجهات التي تتحمل المسؤولية بهذه الدرجة او تلك عنها، وعن استمرارها، متعددة، ومنها جهات عراقية أخرى كانت طرفا في الصراع قبل الغزو، وتبنت موقفا وطنيا مناهضا للاحتلال وللاستعانة بالعدوان الاجنبي لتغيير النظام، وبلورت في حينه موقفا يتلخص في "التغيير بدون حرب"، مطالبة عبر مؤتمرات صحفية، وكتابات منشورة، المجتمع الدولي بإيجاد صيغة تغيير وطني في العراق لاتفضي الى الحرب، والى تدمير البلاد، ووضعت وقتها المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي للمساعدة في انجاز تلك المهمة، معتبرة خيار "الحرب" على العراق خيارا أمريكيا، وليس دوليا، لايستهدف ابدا أيا من التبريرات الكاذبة التي طرحت في حينه، لتسويغه، وبالذات منها "الديمقراطية"، فالديمقراطية لاتتحقق بتدمير الدولة ورهن العراق لممارسات وحكم قوى "ماقبل الدولة"، المناقضة والمعادية كليا وكينونة لاي شكل من اشكال الممارسة "الديموقراطية".
هذه القوى التي اطلق عليها "المعارضة الوطنية العراقية"، وتحملت وقتها مالايوصف من اشكال الدسائس والحرب الإعلامية والاستخبارية الغربية الهادفة لتشويه مقاصدها واغراضها، لم تكن قوى يستهان بها وهي ـ وهذا الأهم ـ تنتمي لظاهرة تاريخية حية، عكسها تركيبها ونوع الأحزاب والقوى والشخصيات المنخرطة فيها، والمنفصلة عن هياكل الوطنية الحزبيه والخارجة عليها. وبغض النظر عما اذا كان هذا التيار قد تبنى في حينه موقفا مكتملا ويلبي تماما المقتضيات الوطنية، الا انه أشار بقوة في حينه الى استمرار عملية إعادة تشكل "الوطنية العراقية" بعد ثورة 14 تموز1958، وفشل " الوطنية الايديلوجية" الحزبية في إقامة النظام المرجو، وصولا الى هزيمته المطلقة مع قيام نظام البعث عام 1968، فالعراق يعيش منذ ذلك التاريخ الى اليوم، مسار تمخضات تبلور حركة وطنية جدبدة، غير تلك التي سادت في الثلاثينات، وانتجت "وطنية حزبية ايديلوجية"مستعارة، ظلت غالبة بفعل ظروف خاصة موضوعية آنية وطارئة، وبسبب طبيعة الحضور الغربي الاستعماري البريطاني، واشكال ممارسته الهيمنة، مقابل طبيعة العراق البنيوية والحضارية التاريخية، وشكل ردة الفعل البنيوية على الطاريء الغربي المدمر، عدا عن مفعول عموم الظرف العالمي المزامن.
ومثل هذا التمخض الذي تعود أولى ملامحه المعروفة في الخارج الى عام 1980 ابان الحرب العراقية الإيرانية، والموقف الذي اتخذته شخصات وقوى من الحرب وبالذات الرد على موقف الخزي الذي تبنته بعض قوى مما يسمى "المعارضة العراقية" في حينه، الى جانب الطرف الإيراني ضد بلادها، وصولا الى الاشتراك القتالي المباشر ضد الجيش العراقي، وهو ماعاد وتبلور من جديد بعد عام 1090 والحرب الامريكية على العراق عام 1991 متخذا صيغه أوسع، ضمت العشرات من الشخصيات وبعض التنظيمات الناشئة، نشطت سياسيا وعلاميا وسط ظروف مجافية عربيا ودوليا كما عراقيا بالاخص على مستوى النظام ومواقفه المتعنتة، واوهامه ومجازفته غير المنطقية، وتخبطه وتفضيله مصلحة النظام على المصلحة العامة. ماكان يصعب مهمة التيار المذكور، ويجعل دوره اقرب للاستحالة، وان هو أشار الى الحقيقة الوطنية الضائعة في حينه، والتي ماتزال تنتظر حكم التاريخ.
هذه القوى التي تراجع حضورها بعد عام 2003 مع ان تيارا منها قد تبنى خيارا وطنيا مضادا ومقابلا للخيار الأمريكي الممثل في "العملية السياسية الطائفية"، تمثل في " المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي"، عقد له مؤتمر تحضيري في بيروت عام 2004 حضرته قرابة 400 شخصية من كل المكونات والتيارات العراقية، من داخل العراق، وعرضه على الجامعة العربية ورئيسها في وقته السيد "عمروموسى"، كما عرضه في مؤتمرا ت دولية، وسعى للبحث عن سبل وإمكانات للعمل على الأرض، وواصل جهوده على هذا السبيل وصولا الى عقد مؤتمر عام 2013 في بغداد تحت شعار "الانتقال من العملية السياسية الطائفية الى العملية السياسية الوطنية"، ضم غالبية القوى العاملة خارج "العملية السياسية الطائفية"، فلقد ظل الاتجاه العام الغالب على حضور هذه القوى يميل الى التشتت، والى تراجع صوتها وخفوته، في حين ظهرت قوى أخرى ذات توجهات جزئية، او متبقيات دكتاتورية مازومة تاريخيا، انخرطت في المحاورالإقليمية والدولية بما فيها الامريكية والاوربية.
هذه القوى يفترض ان تكون هي الحلقة الأصل في اللحظة الراهنة، فلقد تسنت لها فرصة غير عادية، تفرض عليها ان تعيد مرة أخرى التقاءها على موقف ومشروع، يبدا من إعادة النظر في موضوعاتها وتوجهاتها بما يتلائم مع التجربة التي خاضتها في الماضي ويستكملها، ليعيد غرسها داخل تجربة شعبها، وصولا للعثور على السبل المفضية للانتقال الى محطة جديدة تتسم بمزيد من النضج السياسي والفكري، وبهدف العمل على اطلاق حراك في الساحة العربية والدولية، ناهيك عن العراقية تحت شعار"إزالة اثار الغزوالأمريكي البريطاني"، مع كل مايترتب على ذلك من ضرورة بلورة المقترحات الضرورية، والمشروع السياسيى الملائم، ان نداء كهذا ينبغي ان يصل الى الجامعة العربية، والى الأمم المتحدة، والى المحافل الدولية، تحت بند اعتراف الدول المعتدية "بارتكابها جريمة بحق الشعب العراقي من دون معالجة اثارها الفعلية والعملية والاكثر تدميرا".
ان مدخلا كهذا يمكن ان بشكل الان أساس تحرك وطني مستند للضرورات الوطنية، بعيدا عن التعبيرات المنخرطة في الاستقطابات والمحاورالإقليمية والدولية، بما يساعد على سد النقص الأساسي الكبير الذي يسبب الاختناق في الوضع العراقي العام، ويزيد من تازيمه، بحيلولته دون وصول حركة الاحتجاج والتظاهر الجارية الى اية نتيجه، فنقص المشروع السياسي التغييري، هو العلة الأساسية فيما يحدث منذ اكثر من سنه، من دون نتيجة تذكر، ان مثل هذا الانتباه وبدء التحرك ستكون له على الاغلب انعكاسات داخلية، اذا وجدت الحركة الاحتجاجية والرافضة ل"العملية السياسية الطائفية"، منفذا تتأطر حوله الحركة الشعبية وقواها الأكثر وعيا، وبالأخص اذا تاكد جماهيريا وجود مخرج تغيير فعلي يتفق مع المتطلبات الوطنية، واهم ركائزها ممثلة في الوحدة المجتمعية العراقية، وفي التعددية الاجتماعية والسياسية.
لست متاكدا شخصيا من الدواعي التي ماتزال تحول بين هذه القوى، او ماتبقى منها، وبين حاسة تلقف الحدث الأخير المتمثل في الاعتراف البريطاني الصريح بخطأ عملية تدمير العراق، ولعل بعض المنتمين لهذه القوى قد خالجهم مثل هذا الإحساس، وفكروا به، لكنهم اجلوا لهذا السبب او ذاك الاقدام على عرضه على الاخرين، وهذا ماانا واثق منه، واظن انني حين اعرضه هنا، فانما احرك فقط زخما كان جنينا نضج واقترب من لحظة الخروج الى الحياة.
#عبدالامير_الركابي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟