هاله ابوليل
الحوار المتمدن-العدد: 5194 - 2016 / 6 / 15 - 16:38
المحور:
الادب والفن
Reading made Don Quixote a gentleman
, but believing what he read made him mad" .
" القراءة جعلت من دون كيشوت رجلاً نبيلاً، لكن تصديق ما قرأه جعله مجنوناً" .
الكاتب الإيرلندي" برنارد شو"
هذا بالضبط ما يحدث ,عندما نصدق كل ما نقرأه , وربما ,من هنا جاء تحذير أستاذ علم النفس التربوي في جامعة كاليفورنيا الشمالية البروفيسور " شايتور ماسون " آن الآوان لأن يحترس الآباء والأمهات , ويمتنعوا عن رواية الأساطير والخرافات لأطفالهم ,لأن القصص الخرافية حسب رأيه يمكن أن تترك أضرارا تلازمهم مدى الحياة " (1) .
ولكن هذا ليس بالأمر المؤكد, فليس كل من حصل على الدكتوارة -مثلا في تخصص ما , أصبح منظرًا و ملقيًا للخطب والنصائح , فكل ما نحتاجه لتوثيق هذه المقولات ,هي دراسات متخصصة على عينة من القراء , و دراسة تلك النتائج , لكي نأخذها على محمل الجد ,حيث هناك رأي مخالف لما وجدنا عليه من كتّاب وعلماء ومؤلفين - رأي مختلف عما تصدره آراء وتنظيرات و قاعات محاضرات المجال النظري لعلم النفس , فقد ورد على لسان " آينشتاين" – مثلا - قوله "إذا أردت لأولادك أن يصبحوا عباقرة , فأقرأ لهم الحكايات , وإذا أردت أن تزداد عبقريتهم .فأقرأ لهم المزيد من الحكايات " وربما يؤكد تلك المقولة ما سرده العبقري الكولومبي الفائز بنوبل للآداب " غابرييل غارسيا ماركيز "الملقب ب "غابيتو"أو غابو في مذكراته (2) حيث يقول " أن أكثر قصة أعجبته في كتاب ألف ليلة وليلة " وستبقى تبدو لي الأفضل طوال ما تبقى من حياتي ,القصة هي التالية صياد يعد جارته بأن يهدي إليها أول سمكة يصطادها إذ ما قدمت له قطعة رصاص , من أجل شبكته وعندما تشق المرأة السمكة لكي تقليها , تجد في داخلها ماسة بحجم حبة لوز . وتحدث فعليا عن فكرة عدم تصديق وجود جنيّ محبوس منذ مئات السنوات في مصباح سحري أو حصيرة تطير بك من مكان لآخر كما جاءت الكلمة في الترجمة التي قام بهاصالح علماني بدلا من الكلمة المشهورة لدينا "البساط الطائر أو البساط السحري
. ولذا يمكن أن نروي للأطفال قصص الخرافات على أن نشير لهم أن ذلك محض خيال – لا وجود له إلا بمخيلة خصبة , مثل الساحر الذي تخرج من أكمامه - عصافير وحمام يطير , فقد تنفع تلك الإشارة لجعل الإطفال أبناء واقعهم فلا يذهبون في الخيال لآخره , وبرأي الشخصي – ربما يكمن جمال الحكايات الخرافية في إنها خالدة وتنتقل عبر الأزمان والأجيال ولا تفقد بريقها أبدا ,وعليكم بنظرات الدهشة التي تتقافز من عيون الصغار لتعرفوا حجم تأثيرها في لمعة بريق الأعين المضىء والترقب المضني -اللحوح للحصول على النهاية
ولا أنسى أول كتاب صادفته و جذبني لهذا العالم السّري , كان عبارة عن قصة ممزقة ومرمية في الطرقات ,تناولتها ,وبدأت بقراءة طريق سندريلا الحافل بالمآسي حتى النهاية الجميلة التي لا تحدث كثيرا ,لإن عدد الأمراء أقل من كل سندريلات الأمة المنتظرات بأسرها , وهنا يكمن جمال الخيال الممتنع عن التحقق لأن الحقيقة سرعان ما ستطل برأسها منادية عليكم للخروج من بين دفتي الكتاب رغما عنكم .
وربما أجمل من ذلك عندما تصبح القصة مروية بصريا بتقنيات باهرة - صحيح , أن ذلك يقتل الخيال الحر ,بتجسيد الشخصيات , وإعطائها شكل ثابت , ولكن هذا لا يمنع أن تكون الحكاية مبهرة بصريا كما هي كتابيا ,ففي معرض حضوري لفيلم "مرآتي يا مرآتي" الذي عرض في سينما المارينا , قبل عامين , وقامت بدوره الممثلة جوليا روبرتس بدور الساحرة الشريرة مع" الممثلة الصغيرة بالسن "ليلي كولنز"التي قامت بدور بياض الثلج وأن كان لي إعتراض على لون البشرة الخاص بالست " سنو وايت ",فهل يمكن أن نرى وجها اسمرا أو ذو بشرة داكنة تقوم بدورها في الأيام القادمة . مثل الممثلة السمراء الجميلة جينيفر لوبيز مثلا
وربما هذا ما غفل عنه مخرج العمل - الهندي" تراسيم سينغ " حيث بدا سينغ وفيا وهو يجدد قصة الأخوين غريم , بمعالجة مختلفة مع الإحتفاظ بإصل الحكاية .
حصل الفيلم حسب موقع "الطماطم الفاسدة" على تقييم هو 5.6/10, استناداً إلى مراجعة 163 ناقد. ولكن برأي الشخصي , استطيع أن أمنحه 8/10
في الحقيقة, لم انتظر نتائج التقييم للفيلم , ولم أهتم بكون الفيلم -كما يقال- يفتقر لعمق الأصالة ,لاستناده على حكاية قديمة , بل كون بطلته الممثلة التي أحبها كثيرا " جوليا روبرتس" , فهذا سب كاف لحضور الفيلم والإستمتاع بما فيه .
جاء الفيلم الذي تغيّر اسمه ولكنه ابقى - كما في الحكاية القديمة على الشخصيات نفسها , بياض الثلج والأقزام السبعة والساحرة الجميلة ومرآتها السحرية التي كانت تساءلها" بمرآتي يامرآتي " والتي اقتبس منها اسم الفيلم , والذي قامت به جوليا "بدور الشريرة – زوجة الأب
( التي تظهر دوما كإمرأة شريرة ) .
وظهرت المملكة في بداية عرض الفيلم الذي تدور به كل الأحداث , على شكل ناي جميل , وربما, هذا اجمل ما في الفيلم قاطبة, بالإضافة الى تلك الحيلة التي يخترعها الأقزام بالتعلق بعصى طويلة ,ربما تعويضا نفسيا على ما يعانونه من قصر مفرط ,ولكنهم أيضا -لم يعودوا يعملون في مناجم الفحم ,فقد أصبحت " سنو وايت " من زمرة قطاعي الطرق مع أصدقائها - الأقزام , فقد باتت مثلهم , تقاتل وتحارب وتغيرت تفاصيل القصة التي لعب بها المخرج برؤية فنية -حسبما سيلخص كل ذلك في لقاءاته الأخيرة فالمخرج –هنا - وعندما بدأ اللعب بأحداث الرواية كان جل ّهمه, هو إثارة التشويق , في إعادة إحياء للقصص الخرافية القديمة , ولكن هذا التغيير بالأعمال المشهورة لم يكن سبقا فريدا له , فقد سبقته الكاتبة البريطانية ," انجلينا كارتر"(3) ,والتي لم يكن من بين أهدافها التشويق , بل كان شيئا خاصا بالنساء , فلم يكن من السهولة بمكان الحديث عن النظرة الدونية للنساء في تلك الأزمان, فقد انتشرت مبادىء محاربة تلك النظرة , فانجلينا بدأت عملية التجريب بالحكايات الخرافية , فقد جعلت من قصة" الجميلة والوحش " - المشهورة عالميا - تختلف إختلافا جذريا عما هي عليه , فقد تحولت الجميلة إلى وحش ولم يتحول الوحش إلى أمير (4), فلا أمراء يدخلون في القصص الخرافية في عصرنا الحالي , بل الحالمون وحدهم من يملكون مفاتيح ذلك !.
طبعا كان هذا تكنيكا خفيفا لعملية اللّعب بأحداث هذه القصص الخرافية لإرسال رسالة ,مفادها أن النساء قويات , و قادرات على التغيّير والحسم و تحطيم الخرافات الخرقاء ذات النظرة الشوفينية عن المرأة المثالية .
ومابين الدراسات العلمية التي ترفض الحكايات الخرافية أو النزعة نحو التحرر الذي أرادته الكاتبة انجلينا كارتر ومحاولتها إظهار الإمرأة بصورة تظهر فيها كمحرك للأحداث ,لا مجرد تابع للرجل,
وما بين رواد الأدب الخيالي ومستمتعيه ومريديه ,ربما يحسم الأمر ما قالته أحدى السيدات الخارجات من احدى دور العرض هي وبناتها اللواتي حضرن فيلم “Mirror Mirror” السابق الذكر - برأي يختلف عن تقدير لجنة التقييم وعلاماتها التي تتباين حسب اللجان, حيث وجدت تلك السيدة , أن القصة المشهورة عالميا , أنعشت الذاكرة ,وجعلت من جيل الأم وابنتها في تقارب , وأجمل من ذلك ,إنهم باتوا يتشاركون الحكاية نفسها "
. وتبقى الحكاية مستمرة!!!
المراجع :
(1) جريدة الغد : مقالة بعنوان " تحذيرات :" القصص الخرافية تصيب الأطفال بأضرار" , http://alghad.com/articles/843846
(2) مذكرات غابرييل غارسيا ماركيز ,ترجمة صالح علماني " عشت لأروي " (دمشق: دار البلد ,2003), ص:126,ص:127
(3) أ نجيلا كارتر (1940- 1992) - روائية وصحفية إنجليزية عُرفت بمواضيعها النسوية والواقعية السحرية و الشطارية. في سنة 2008 وضعتها صحيفة التايمز في المرتبة العاشرة في القائمة التي تضم أعظم 50 شخصية من الكتاب البريطانيين منذ سنة 1945 .
(4) رحمة , أماني "جماليات ما وراء النص " ص:177 ص:175
#هاله_ابوليل (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟