سليم نصر الرقعي
مدون ليبي من اقليم برقة
(Salim Ragi)
الحوار المتمدن-العدد: 5092 - 2016 / 3 / 3 - 20:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الخلافة الاسلامية !؟ ، محاولة للفهم في ذكرى سقوط الامبراطورية العثمانية المسلمة !.
*********************
في مثل هذا اليوم من عام 1924 م أعلن (أبو الترك)(مصطغى كمال أتاتورك) سقوط دولة وامبراطورية السلطنة العثمانية المسلمة ! ، ولا أقول هنا كما هو سائد وشائع (دولة الخلافة الاسلامية !؟) ، فتلك الدولة المسلمة التي انهارت كانت ، في تقديري ، دولة العثمانين ، دولة بني عثمان التي سيطر عليها الاتراك ، وهي تدخل تحت مسمى مرحلة (الملك العضوض) او (الحكم الجبري) التي تنبأ بها النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في حديث منسوب اليه وذكر بأنها ستخلف دولة الخلافة الراشدة التي تكون على منهاج النبوة في الخلق القويم والرشد السياسي ، فدولة العثمانيين المسلمين دولة اسلامية او مسلمة كغيرها من الدول الاسلامية التي قامت وظهرت بقوة السيف عبر التاريخ والجغرافيا ثم سقطت واندثرت كدولة بني أمية ودولة بني عباس ..الخ.... فكلها ، عربية أو غير عربية ، دول وممالك وسلطنات مسلمة وراثية ديكتاتورية جبرية ولكن لا يمكن اعتبارها تجسد مفهوم وقيم دولة الخلافة الاسلامية كما وصفها النبي وحاول الخلفاء الراشدون تجسيدها في زمانهم حسب امكانيات زمانهم ! ، ففي دولة الخلافة الراشدة تختار الأمة بالشورى وبكامل ارادتها ووعيها ورضاها من يقودها ويخدمها باعتباره هو الخادم العام لها وهي المخدوم وليس هو الحاكم وهي المحكوم ! ، بل الجميع في دولة الخلافة الاسلامية الراشدة السليمة يكونون محكومين يقعون تحت حكم الشرع وحكم العقد الاجتماعي والسياسي للامة (الدستور)(وأمرهم شورى بينهم)(المسلمون عند شروطهم) فذلك هو مفهوم وروح دولة الخلافة الاسلامية الراشدة ، اما ما قام منها على التغلب او الوراثة فهي دولة مسلمة تلتزم بالشرع حسب طاقتها وحسب اخلاق وقوة ايمان حكامها وملوكها وشعوبها ولكنها ، مع هويتها الاسلامية العامة ، تظل دولة حكم جبري او ملك عضوض لا دولة خلافة راشدة ! .
عموما ، ففي مثل هذا اليوم سقطت دولة وامبراطورية السلطنة العثمانية المسلمة بعد 600 من الملك العضوض و التي كانت في تلك الحقبة من القرن العشرين قد ساءت احوالها وفقدت حيويتها وقوتها حتى اصبح المستعمرون الاوروبيون المتحفزون على نهش اطرافها يسمونها بالرجل المريض او بمعنى ادق (الرجل العجوز المحتضر) الذي يعاني من الموت السريري كما كان حال امبراطورية الاتحاد السوفيتي في آخر عمره القصير ! ، وفي داخل اعماق هذه الدولة العثمانية المسلمة كانت الحركة القومية التركية الطورانية العلمانية الصاعدة تكتسح عقول الاتراك وقلوبهم الى ان احكمت سيطرتها على مؤسسات الدولة والرأي الشعبي العام بينما كان العالم العربي خصوصا في المشرق يتململ وينتفض ضد ديكتاتورية وبطش الاتراك ومحاولتهم فرض سياسة التتريك وفرض الهوية العثمانية بالقوة على العرب ! ، فكانت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين التي استغلها الانجليز وامتطوها كعادتهم وخبرتهم في امتطاء الاحداث ومحاولة تسخيرها لتحقيق اغراضهم واهدافهم ومصالحهم الاستراتيجية ! ، فهم استغلوا فرصة تضعضع قوة العثمانيين وتململ العرب ورغبتهم في التحرر من سيطرتهم الغاشمة ! ، وركبوا موجة الثورة العربية في الشام والجزيرة العربية اولا لتوجيهها ضد دولة الرجل المريض ، اي دولة السلطنة العثمانية المسلمة ، وثانيا ضد خصمهم الاستعماري الفرنساوي المنافس لهم على نهش أكبر قدر ممكن من مستعمرات هذا الرجل المريض ( الامبراطورية العثمانية المسلمة) ، وهكذا ، ووفق سنن الله في خلقه ، انهارت دولة بني عثمان المسلمة ليحل محلها حكم قومي تركي علماني أزاح الشريعة والهوية الاسلامية عن تركيا وفرض العلمانية وكتابة اللغة التركية بحروف لاتينية بعد ان كان العثمانيون يكتبونها بالحروف العربية !! .
علينا نحن العرب والمسلمين اليوم ان نعيد قراءة وكتابة تاريخنا القديم والمعاصر بشكل جديد ودقيق وعميق بعد أن نحرر عقولنا من الهيام المطلق مع نظريات المؤامرة وعقدة الاضطهاد ولعب دور الضحية المسكينة المغلوب على امرها ! ، وان ننظر لتاريخنا ، وكذلك حاضرنا ، بشكل واقعي وبعدل واعتدال بلا افراط ومبالغات وتقديس للذات ولا تفريط وجلد للذات! ، كما علينا ان نسمي الامور وفق مسمياتها الموضوعية الصحيحة ، فالاسماء الخاطئة تزيف حقائق الاشياء! ، فالتاريخ هو ذاكرة الأمم ، والذاكرة هي اساس الشعور بالهوية ، فمن يتعرض الى فقدان او تشوه ذاكرته ، ولو بتشويه الاسماء والمصطلحات ، سيتعرض الى فقدان او تشوه هويته ، حاله كحال من اصيب بمرض فقدان الذاكرة او داء شيخوخة خلايا الذاكرة (الزهايمر) !.
وبقدر حزننا على سقوط الامبراطورية العثمانية المسلمة وتفككها فإننا نتفهم ونفهم الاسباب الكونية لسقوطها اذ ان المؤامرات الغربية لنهشها ليس هو السبب الاساسي في سقوطها وانهيارها كما قيل لنا بل هي الحلقة الاخيرة في مسلسل الانهيار الذاتي وفق سنن الله في الدول المجتمعات التي تفقد الحيوية والمرونة والقدرة الضرورية على اعادة تشكيل ذاتها وتطوير مهاراتها وفق المتغيرات والمستجدات التي تخلقها آلية التقدم العلمي والتقني المطردة ! ، كما اننا مع حزننا واسفنا على سقوط تلك الدولة والامبراطورية المسلمة العظيمة نرفض اعتبار دولة بني عثمان سواء في عز شبابها وازدهارها او حتى عند شيخوختها وانهيارها هي دولة الخلافة الاسلامية كما فهمناها من تعاليم الله ورسوله في الشأن العام ومن تطبيقات الخلفاء الراشدين بل هي في حقيقتها ليست سوى صورة من صور دول الملك العضوض والحكم الجبري كما هو الحال في زماننا ! ، هي دول مسلمة لكنها ليست دولة الخلافة الاسلامية كما طبقها الخلفاء الراشدون بحسب امكانيات عصرهم وحضارة زمانهم والتي جوهرها أن (الخليفة ليس هو حاكم الامة ولا سيدها بل هو خادمها الاجير وأن الامة هي المخدوم) ، فالسلطات او الولايات العامة هي ملك للامة تماما كما ان المال العام والثروات الجماعية العامة هي من ممتلكات ومال الامة ، حيث أن الامة مستخلفة في السلطان العام والمال العام عن الله تعالى الملك الحق والحقيقي والمالك الحق والحقيقي للمال والسلطان ! ، وبالتالي فالخليفة هو عامل مستخدم عند الامة ، تستعمله الامة وفق شروطها لخدمتها وخدمة دولتها وحراسة هويتها وثروتها الجماعية الوطنية العامة وتحقيق العدل فيها وتحقيق عزتها ، الخليفة هو عامل المسلمين وخادمهم العام وليس حاكمهم وملكهم وسيدهم الجبار ! ، اذ ان الملك ، برفع الميم ، هو للامة لا لفرد او لعائلة ، والحاكم الفعلي هو شريعة الله بفهم الفقهاء والعلماء المجددين المستنيرين المعاصرين حسب معطيات وحاجات زمانهم ومكانهم ، هذا هو روح ومفهوم الخلافة في الاسلام ، وأما شكل الخلافة فيتجدد بتجدد الظروف والاحوال وبتطور تجارب البشر السياسية ، ومن هنا نرى ان (الديمقراطية) المحكومة بأخلاقيات وتعاليم الاسلام من جهة وشروط الامة المتجسدة في دستور مكتوب هي التجسيد العصري للخلافة الاسلامية وليست تلك الصور القديمة التي كانت ابنة ظروفها التاريخية والحضارية ! ، فهذا هو مفهوم الخلافة الراشدة وهذا هو التجسيد العملي والشكلي المعاصر لها في زماننا ، اي ان معانيها ومقاصدها تتجسد في صورة دولة ديموقراطية مسلمة ! ، وغير هذا اما انه حكم قومي علماني كحكم الأتراك الطورانيين بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ، او حكم اسلامي ديكتاتوري مستبد على غير نهج الخلافة الراشدة بالمفهوم الذي ذكرناه ، بل هو حكم جبري او ملك عضوض ! ، اذ أن مفهوم (الخلافة) وجوهرها هو أن يكون الملك ملك الامة والمال مال الامة تستخلف فيه من تشاء كما تشاء وفق شرع الله من جهة ومن جهة اخرى وفق شروطها التي تضعها على من توليهم امرها العام وتستخدمهم كخدم عموميين يقومون على خدمتها وكقادة محكومين بشرع الله ودستورها السياسي لقيادة دولة الامة وفق منهج مرسوم الى أجل معلوم! .... هكذا يمكننا فهم نظام الخلافة الاسلامية في زماننا وبشكل عصري يتاغم مع ثوابت هويتنا من جهة ومن جهة ثانية يتناغم مع مقاصد ووظائف مفهوم الخلافة ومن جهة ثالثة يتمسى مع تقدم المجتمعات الانسانية وتغير الظروف والمعطيات ! .
*************
سليم الرقعي
23 جمادي الاولى 1437 هجري/عربي/شمسي
3 مارس 2016 ميلادي/غربي/قمري
#سليم_نصر_الرقعي (هاشتاغ)
Salim_Ragi#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟