سالم الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 5032 - 2016 / 1 / 2 - 21:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الحزب والعمل الثقافي
هل يمكن التعامل مع الثقافة والمثقفين بنفس آليات العمل الحزبي؟
وهل يمكن للمثقف أن يكون خادماً للحزب؟ أم أن الحزب هو الذي يجب أن يخدم الثقافة والمثقفين؟
وأيهما أجدى للمجتمع : المثقف الحزبي، أم المثقف المستقل غير المنتمي إلى حزب من الأحزاب ؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير، يمكن طرحه في هذا الميدان.. وبداية لا بد – كمدخل للموضوع - من الإشارة إلى أن الحزب إنما يديره مجموعة من المثقفين – بالمفهوم العام والسائد للثقافة -، بل لا بد أن يكون قادة الحزب، وكوادره المتقدمة، ممن يتعاطون الثقافة، إن لم نقل: يتألقون في الميدان الثقافي.. وإذا كان هذا يصحّ بالنسبة لكل الأحزاب، فإنه بالنسبة للأحزاب الإسلامية صحيح من باب أولى، لأن الإسلام نفسه - كدين - يطالب أتباعه بطلب العلم ونشره، واقتناء الحكمة وتبنيها، فكيف بمن نصبوا أنفسهم قادة للناس، وموجهين؟!
وإذا كان ذلك صحيحاً، فما الذي جعل من إشكالية العلاقة بين الحزب والثقافة، أو المثقفين، تبرز هكذا؟!
إن الإشكالية - في نظري- تنطلق من أسلوب أو استراتيجية التعامل الحزبي مع الشأن الثقافي، وهي استراتيجية تتعامل مع الثقافة والمثقفين بنفس آليات العمل الحزبي، والسياسي، مما ينتج عنه حدوث الاصطدام أو التنافر.. ذلك أن الثقافة هي فضاء واسع ينمو بالنقد والحرية، ويضيق بالقيود والحدود، والمثقف – بطبيعة التكوين – يميل إلى التمرد، ويسعى إلى التغيير، ويتبرّم بالقيود والإملاءات!
ولتوضيح ذلك نقول: إن المثقف عندما ينتمي إلى حزب ما، فإنه يكون ملزماً بالالتزام بمبادئ وأهداف الحزب، وهو إلزام اختياريّ، ارتضاه هو لنفسه، وليس هناك من أكرهه على ذلك، وهو - بهذه المثابة- مثله كمثل الأعضاء الآخرين: له ما لهم، وعليه ما عليهم.. ولكن !
من المعلوم أن الشأن الثقافي والفكري هو فضاء واسع، أوسع بكثير من آليات التعامل الحزبي، ومن ثم لا بدّ من آليات خاصة للتعامل معه.. وإذا كنّا نتحدث عن (حزب إسلامي)، فإنه ينبغي القول بأن أهداف أيّ حزب إسلامي لا بد أن تكون في خدمة المجتمع، وخدمة المشروع الحضاري الإسلامي. وبالتالي، فإنه من البديهة بمكان أن نصل إلى النتيجة التالية: إن أيّ خدمة إيجابية للمجتمع، وللمشروع الحضاري الإسلامي، هي خدمة للحزب نفسه، من أيّ جهة كانت، وبأيّ سبيل جاءت!.. ومن هنا، كان على (الحزب الإسلامي)، أن يتعامل مع (الثقافة) و(المثقفين)، من المنظور الحضاري العام، وليس من منظور الحزب والالتزام الحزبي. وبعبارة أخرى: إن الأحزاب والحركات الإسلامية، بما أنها صاحبة رسالة حضارية - قبل أن تكون حزباً سياسياً من الأحزاب - فإن ذلك يفرض عليها أن تخدم المشروع الحضاري الإسلامي العام، وأن يكون ذلك جزءاً من حركتها وأهدافها الاستراتيجية ! لا أن تقتصر على النظر في الإنجازات والانتصارات الحزبية الضيقة!
وهكذا ، فإننا أمام مستويين للعمل: مستوى العمل الحزبي والسياسي، ومستوى المشروع الحضاري الإسلامي، والحزب في حركته العامة يحاول أن يخدم هذين المستويين، ويعتبر ذلك جزءاً من أهدافه وواجباته.. وبالتالي، فإنه إذا كان من الممكن أن يتم التعامل مع المثقف الحزبي، أو المثقف داخل الحزب، بآليات الحزب، إلا أن المستوى الثاني يحتاج إلى آليات مختلفة قطعاً..
ولكن، هل تتعامل الأحزاب والحركات الإسلامية مع الثقافة والمثقفين بمثل هذا التمييز والمنطق؟! بالطبع إن الإجابة على هذا السؤال ليست بالسهلة، أو المتاحة، ولكننا من منطلق الواقع المشاهد الذي نعيشه، يمكننا أن نقول: إن أسلوب التعامل مع المؤسسات الثقافية داخل الحزب، ظلّ على الدوام أسلوباً حزبياً، وبآليات حزبية، ولم يرتق إلى مستوى التعامل الحضاري الإسلامي. ولذلك فإن إنتاج وتأثير هذه المؤسسات، ظلَّ – وسيظلّ- كما هو، محصوراً داخل إطار الحزب، وسيكون تأثيرها محدوداً جداً، إذا نظرنا إليه من زاوية المستوى الثاني: المشروع الحضاري الإسلامي العام.. فإذا ما أردنا أن يكون لهذه المؤسسات، أو للمثقفين داخل الحزب، أو للكوادر المثقفة داخل الحزب، تأثيراً ودوراً في إطار المشروع الحضاري الإسلامي العام، فلا بد من تغيير آليات التعامل معهم: كأن يكون للمثقفين جمعيات خاصة بهم، تحتضنهم، وتروّج لهم، وتهتم بهم، وبـأفكارهم ومبادئهم، خارج إطار ووصاية الحزب. أيْ: أن يترك الحزب الحرية الكاملة لهؤلاء المثقفين في عملهم الثقافي والفكري، خارج الإطار التنظيمي الحزبي. وبالتالي، فإن الحزب لا تكون له علاقة بعملهم هذا، إلا علاقة التوجيه والمتابعة من بعيد، دون التدخل المباشر، أو الوصاية الفكرية. وهذا ما يفسح المجال واسعاً أمام هؤلاء المثقفين للتحرك في الساحة الثقافية، والتفاعل معها، والتأثير فيها، كما أنه يسمح لهم - دون أية محاذير حزبية - بالتعامل مع المثقفين الإسلاميين المستقلين، أو المنتمين إلى أحزاب سياسية أخرى؛ سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، سواء بالمشاركة في النشاطات، أو حتى بالانتماء إلى تلك الجمعيات والمنظمات والفعاليات نفسها، أو بالتعاون سوية لتحقيق الأهداف المشتركة، التي يتم الاتفاق عليها، والتي هي في النهاية تصب في خدمة المشروع الحضاري الإسلامي!
فإذا ما نتجت خلال ذلك، وبسببه، أخطاء من قبل هؤلاء المثقفين، أو بعضهم – وهو أمر وارد -، فإن (الحرية) التي يمارسونها، و(المسؤولية) التي يتحملونها أمام الله، وأمام المجتمع، ستجعلهم يصححون أخطاءهم في نهاية المطاف!
إن عالم الفكر، وميدان الأفكار، لا يصلح، ولا يستقيم، ولا ينضج، ولا ينتج، إلا في ظل: الحرية، والمسؤولية. أما رفع سيف البتر الحزبي في وجه كل جديد، أو خارج عن المألوف، فهو أمر يعود بالضرر الجسيم على سمعة الحزب، وعلى ممارسته الديمقراطية، واحترامه لحرية التفكير والتعبير، فضلاً عن أنه يعني ضياع عدد – كبر أو صغر- من كوادر الحزب، ومن ثم خسارته لطاقاتهم، وربما خسارة المجتمع أيضاً لهم!..
إن الحزب ملزم - ولا شك- بآليات العمل الحزبي، ولكن ليس في ميدان الفكر، والعمل الثقافي.. ولا بد من إيجاد دوائر متداخلة، بحيث يتم التعامل مع كل دائرة بآلياتها.. فهناك كثير من المثقفين (أو الفنانين) الذين نشأوا وتربوا خارج الأطر التنظيمية والحزبية، ولكنهم قريبون من الحزب فكرياً، وعلى استعداد للتعاون معه، فهل يمكن استيعاب مثل هؤلاء بالآليات الحزبية نفسها، التي يتم التعامل بها مع الأفراد الآخرين داخل الحزب؟.. قطعاً لا .. هذا، فضلاً عن وجود أعداد من المثقفين المستقلين، والذين لهم توجهات إسلامية، أو لهم تعاطف – على الأقل – مع التيار الإسلامي، وهؤلاء أيضاً لا يمكن التعامل معهم بالآليات الحزبية.. وآنذاك، فإن ترك المجال مفتوحاً أمام المثقفين، للتحرك في الساحة الثقافية، بدون وصاية مباشرة من الحزب، واعتماداً على روح المسؤولية الذاتية لديهم، هو الذي سيمنح هؤلاء المثقفين ميداناً للحركة والتفاعل مع الآخرين، بما يخدم في النهاية (المشروع الحضاري الإسلامي)، وحركة المجتمع نحو الأمام، وإن لم يخدم مباشرة، وبصورة دعائية، أهداف الحزب الآنية..
إن حركة أيّ حزب إسلامي، إذا أريد له تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها، يجب أن تكون في تناغم وانسجام مع حركة المجتمع، ضمن إطار المشروع الحضاري الإسلامي العام، وإلا فإنه لن يكتب له النجاح، وتحقيق الأهداف، بالقفز عليه، وتجاهله، مهما خطّط وناضل بعيداً عن ذلك!.. إن الأمرين –في الحقيقة- ليسا غير متناقضين فحسب، وإنما هما في تناغم وتكامل لا بد من مراعاتهما، وإلا فإن السنن غلّابة، ولا يمكن الخروج عليها..
#سالم_الحاج (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟