فواد الكنجي
الحوار المتمدن-العدد: 5032 - 2016 / 1 / 2 - 19:18
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
تعرض مجتمعنا المسيحي في سوريا مجددا إلى موجة أخرى من الاستهداف المباشر من قبل زمر تنظيم دولة الإسلامية داعش الإرهابية حيث طالت أياديهم القذرة مسيحيين امنين وهم يحتفلون بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، حيث قاموا مجموعة من الانتحاريين الدواعش بتنفيذ سلسلة هجمات إرهابية إجرامية شنيعة في مدينة (القامشلي) السورية ذات الغالبية المسيحية.
ففي منتصف ليلة 31/12/2015 هزة انفجارات متتالية عدد من المطاعم و الكافيتريات ضد أهالي المدينة من المسيحيين الذين كانوا متواجدون فيها للاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، حيث تجاوز عدد الشهداء عن 13 شهيد وجرح أكثر من 30 شخص إصابة بعض منهم خطيرة جدا، و قد أتى استهدافهم عبر أشخاص مفخخين فيفجروا أنفسهم وسط هذه الحشود المحتفلة ليكون عملهم الإجرامي الإثم هذا بمثابة استهداف للمحبة والسلام قبل استهدافهم المباشر للمسيحيين ولتعكير لأجواء الاحتفالات بأعياد الميلاد المجيد ليس الا .
أن الضحايا المسيحيين الذين سقطوا شهداء نتيجة تفجيرات التي حدثت ليلة رأس السنة الميلادية، سيزيد من عزيمة امتنا في السعي والنضال والبقاء في ارض الإباء والأجداد لان هؤلاء الإرهابيين الدواعش أصحاب الفكر الظلامي لن يتمكنوا من إيقاف عجلة الحياة امتنا الأشورية المسيحية، انه جزء من مخطط تآمري يهدف إلى إفراغ سوريا من سكانه الأصليين من المسيحيين ، وان عملية إيذاء المسيحيين قد تدرج و شهد تصعيدا خطيرا بعد سقوط عدد من مدن سوريا تحت حكم الدولة الإسلامية داعش وأذيالها، حيث استغلت هذه القوى الظلامية القادمة من خارج الحدود دخلت أوطاننا في العراق وسوريا لتشق الصف الوطني ولتزرع الفتنة الدينية و الطائفية والمذهبية لنيل من وحدة البلاد في سوريا و العراق، فالمسيحيين في سوريا كما قال بيان صادر عن (بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس) اثر هذا الإجرام الذي استهدف المسيحيين في قامشلي " .. لقد دفعوا المسيحيين ثمنا غاليا، وهو ثمن إيمانهم وثباتهم ومحبتهم وتجذّرهم في الأرض، وقد قدَّموا ولا زالوا يقدمون دروسا في محبة الوطن والأرض. كيف لا، وهم أحفاد شهداء الإبادة السريانية (سيفو)1914- 1918 عل يد الأتراك العثمانيين ، تلك الإبادة التي تعرّض لها أجدادنا قبل مائة عام، وقد رفضوا الذل والهوان والخنوع، وما رضوا عن هذه الأرض بديلاً.
فقد قامت يد الغدر بهذا العمل الإرهابي الجبان، وكلّنا إيمان بأنه لن يضعفكم ولن يثنيكم عن محبتكم لأرضكم، وأن هذه التفجيرات لن تهزّ جذور التعايش الوطني في ربوع جزيرة الخير والعطاء، مهما بلغ الانفجار من وحشية وعنف..."
فالاعتداءات على المسيحيين سوريا والعراق المتكررة و الذين نالوا قسما كبيرا من الاضطهاد والظلم والتنكيل والقتل والتشريد من قبل التنظيم دولة الإسلامية داعش هذا التنظيم الإرهابي الذي ما انفك إلا وظل يستهدف مسيحيي سوريا بغية تهجيرهم من ارض سوريا كما يفعل بمسيحيي العراق, فإحداث الأمس القريب مازالت ماثلة إمامنا وإمام الضمير العالمي في إحداث مدينة (معلولة) التي طال عليها الاعتداء الإرهابي من قبل تنظيم دولة الإسلام لداعش والذين هاجموا معلولا مرارا, وسرقوا أجراس كنائسها واستباحوا حرمة الأديرة وخطفوا عددا من الراهبات ودمروا الشعارات الدينية التي تنتمي إلى الطوائف المسيحية, فضلا عن هجومهم على العديد من القرى والمناطق المسيحية التي يقطنها مسيحيون آشوريون منها (تل هرمز) و(تل شميران) و(تل رمان) و(تل نصرى) وغيرها من قصبات الأشورية في الريف الغربي للحسكة شمال شرق سوريا, وقاموا باختطاف 30٠-;- من المسيحيين الأشوريين وقد قتل منهم عددا ذبحا و بما تقشعر منها الأبدان وتزدري منها النفوس وضمير الإنسانية, وما يزال مصيرا لكثير منهم مجهولا حتى الآن, كما قاموا بإحراق كنيسة (تل هرمز) التاريخية التي تعد من أقدم الكنائس في سوريا.
كما هاجم التنظيم عددا من القرى في مدينة(الرقة) نال المسيحيون القسط الأكبر من الاضطهاد على يد تنظيم داعش الإرهابي واجبروا المسيحيين بالنزوح من المدينة حيث كان يقدر عدد المسيحيين في عموم مدينة (الرقة) قبل سيطرة التنظيم عليها على ١-;-٥-;-٠-;-٠-;- عائلة، إما اليوم فان عدد من تبقى من العائلات لا يتجاوز الـ ٢-;-٥-;- عائلة فقط، كما قام هذا التنظيم الإرهابي بخطف مطارنة وقساوسة وكان أخرهم الراهب الفرنسيسكاني الأب ضياء عزيز (41 عاماً ويحمل الجنسية العراقية) رئيس دير ( الحبل بلا دنس ) في قرية اليعقوبية ذات الغالبية المسيحية والتابعة لمحافظة( إدلب ) شمال غرب سوريا، وذلك إثناء توجهه يوم الأربعاء المصادف في 23 كانون الأول 2015 من مدينة اللاذقية على الساحل السوري إلى مقر إقامته في قرية اليعقوبية للاحتفال بعيد الميلاد المجيد، وقد فقد أثره على الطريق وما زال لحد إعداد هذا المقال مصيره مجهول ...!
وهذا الاستهداف لمسيحيي سوريا رافق استهداف مشابه و ممنهج لمسيحيي العراق، حيث قام التنظيم بتهجير المسيحيين من مدينة ( الموصل)، حيث خيرهم بين اعتناق الإسلام، ودفع الجزية، والرحيل، فاختاروا الرحيل, فأخرجوا من ديارهم بثيابهم فقط، وكانت الدولة الإسلامية داعش وأذيالها منذ استيلائها على( الموصل ) ميزت بيوت المسيحيين حيث كتبت عليهم حرف (ن) في إشارة إلى كلمة (نصارى)، وكان ذلك الإجراء من اجل تشخيص ومراقبة تلك البيوت ليتم لاحقا مصادرتها.
فهذا الاستهداف لمسيحي سوريا والعراق وفي كل الشرق الأوسط ليس سلوكا عدائيا موجها فحسب، بل هو يعبر عن مشروع كبير يحمله هذا التنظيم لفراغ المنطقة من وجودنا المسيحي ويسعى إلى تحقيقه ، وهو ليس أسلوب داعشيا ينفذ من قبل أمراء دواعش وحسب، بل هناك من يقف وراءهم من أجهزة وأياد استخباراتية لدول إقليمية واجنبية يخدم مصالح دولها، لان وقائع على الأرض الواقع تطرح لنا أسئلة مهمة ومن حقنا كمسيحيين منطقة الشرق الأوسط إن نطرح أسئلة لرأي العام العربي والإسلامي باعتبارنا من أبناء هذه المنطقة وان جذورنا وعمق حضارتنا هي أقدم من كل شعوب التي عاشت على ارض الشرق الأوسط ومن هنا نقول :
متى أصبح المسيحيين أعداء للمسلمين لكي يتم استهدافهم بهذا الشكل الممنهج لإفراغ منطقة الشرق الأوسط من وجودهم ... والثقافة المسيحية العربية تركت بصماتها على الثقافة العربية الإسلامية بكل مناهجها فهم يشكلون جذر الحضاري والثقافي للعرب المسلمين، وظلوا يشكلون فيها ركنا أساسيا في هذه الثقافة وقد خدموا علماء وحكماء المسيحيين في أروقة الخلفاء منذ نشأة الإسلام والى يومنا هذا دون أي تميز بل لاقوا كل مودة واحترام، فمتى أصبح المسيحيون يشكلون خطرا على المسلمين وأصبحوا بين ليلة وضحاها أعداء لهم ....؟
من هم أعداء الإسلام في الشرق الأوسط ...هل هم مسيحيون أم إسرائيل ....؟
ومن الذي يحتل ارض فلسطين والجولان ويحاصر غزة وقبة الصخرة في القدس ومهد الديانة المسيحية، هل هم مسيحيين أم إسرائيل ...؟
أليس مشروع تنظيم الدولة الإسلامية داعش الإرهابية, مشروع إسرائيلي أمريكي تركي قطري سعودي ....!
من – اليوم - يحرف الصراع ويضلل المجتمعات, وينقل ساحة الصراع بين المسلمين الذين يقتربون من تحصيل حقوقهم من الصهاينة في فلسطين المحتلة، ليستبدل العدو الإسرائيلي بعدو مستحدث بالمسيحية ....!
أليست الدولة الإسلامية داعش وأذيالها هم أعداء شعوب منطقة الشرق الأوسط العربية الإسلامية و يقفون بكل تحركاتهم وأهدافهم التي يحملونها والتي يتمسك بها ظاهريا بالدين الإسلامي, و هم بحقيقتهم يستهدف أصل الدين الإسلامي بعقائده وأصالته ويستهدفون المسلمين كما يستهدفون المسيحيين لفتح جبهة من الصراع الإسلامي المسيحي بأيدي داعش الإرهابية, وحرف المواجهة مع من ينتهك الحرمات المسيحية والإسلامية في فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني لجبهة مصطنعة يحضر لها عبر استهداف المسيحيين في الشرق والغرب للتسويق بأن الإسلام دين لا يمكن التعايش معه وان المسلمين هم إرهابيون يجب مواجهتهم, وما تجره هذه التوجهات من صراعات دامية تدمر الدول الغربية وتحرف الصراع وتضيع التوجه الإسلامي ومبادئه السمحة....!
إن هذا السيناريو الذي يحصل في سوريا والعراق وباقي بلدان الشرق الأوسطية لا تغيب عنه الأيادي الصهيونية - الأمريكية بثوب الدولة الإسلامية الداعشية الإرهابية بمخططاتهم الإجرامية القذرة بغية إحراق سجل سنوات الطويلة من التعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية ويؤسس لاقتتال مسيحي إسلامي مدمر, على حساب المحرضين و المشجعين لتمزيق أوصال المنطقة وبلدان الشرق الأوسط من خلف ستار الصهيونية – الأمريكية .
نعم أنهم يريدون أن يمرروا بعض العناوين التي تزرع الفتن بين السنة والشيعة وبينهم وبين مسيحيي الشرق من جهة أخرى، كأحد العناوين التي يحيكها النظام الوهابي في السعودية، لتحويل اتجاهات الصراع في المنطقة، لجعل السعودية وصية على العالم العربي والإسلامي، بعد أن فشل النظام القطري، والنظام التركي في إدارة الفتن والحروب وزرع الفصائل الإرهابية لنشر الفوضى والاضطرابات بغية تفكيك المنطقة والتي أولا وأخير جاءت لخدمة المخطط الأمريكية - الصهيوني في تقسيم المنطقة مجددا، ومن هنا بدء استهداف المسلمين مذهبيا وتنكيل بالأخر بأنه كافر ليحد الصراع لدرجة اقتتال وتصفية الأخر بشكل وحشي فأصبح كل من ليس بهذا الاتجاه كافر فأصبحوا المسيحيين هدف لهذه الفوضى الخلاقة والتي وضعت أسسها في واشنطن، فلم يعد في منطقة الشرق الأوسط يعرف من هو كافر ومن هو مؤمن لغياب القياس ...!
ومن هنا يتطلب من كافة أبناء المنطقة الوعي والرد باجتثاث هذه البئر الإرهابية الشيطانية، فالكل مطالب بالتمسك بروح الوطنية والدفاع عن أبناء الوطن والتمسك بمبدأ المواطنة الحقيقي التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون في الحقوق والواجبات، ورفض الفساد والفاسدين تحت أي عنوان كان، وان نضع أيادينا مع بعضنا البعض ونتحالف ضد أي تطرف وفكر تكفيري دخيل على مجتمعاتنا ومواجهته بفكر إسلام سمح وبمسيحية سمحة وعدم التساهل في الرد على مرتكبي الجرائم وناشري الفتن الدينية والقومية والمذهبية المقيتة، ولنعمل جميعا بمكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله.
#فواد_الكنجي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟