|
تراث شفاهي احتفالي بين زجل ارتجالي عفوي ومسألة خلف?
عبد السلام انويكُة/ باحث
الحوار المتمدن-العدد: 5003 - 2015 / 12 / 2 - 18:21
المحور:
الادب والفن
تراث الإنسان ماديا كان أم شفاهيا، هو وعاء بتقاطعات كما تراه الأبحاث المجتمعية. وهو ترسبات ونتاجات بمثابة ذاكرة جماعية، بأشكال تعبير مفعمة عاكسة لوجدان الشعوب. وتشكلات الفن/الفلكلور الشعبي رغم تنوع سبل تعبيره وأساليب تبليغ خطابه، هو تفاعل بين الإنسان والإنسان من جهة والإنسان والبيئية من جهة ثانية. واذا كان المغرب من بلدان المتوسط ذات غنى نسقي في هذا المجال. فإن رقصة أحيدوس البرانس بتازة، تبقى واحدة من اجناس ثقافية وفنية اكثر ارتباطا بمغرب عميق بأعالي ومعها أرياف. أحيدوس البرانس هذه رقصة ذاكرة محلية، لاتزال بعشقها وعشاقها تقاوم من أجل مزيد من الحياة والفرجة والبقاء. رقصة تسكن أعماق بوادي تازة من جهة الشمال حيث مقدمة الريف وحيث المغرب، أو ما يعرف بجبالة المفتوحة. مجال ارتبط منذ زمان بقبيلتي البرانس واتسول ذات تقاليد التعبير و أشكال فرجة ضاربة في القدم. فرجة لاتزال عالقة جاذبة رغم كل هذا الزخم والتدفق من القيم والأنسجة السريعة الإجتماعية. أحيدوس هذه رقصة حيث النغم التناسقي، وحركات تداول جماعي في بناء حروف متن تقابله معاني ويحكمه خطاب. فرجة كثيرا ما ترتبط محليا بنهاية مواسم فلاحية وبدايتها، بمناسبات خاصة في البوادي وبعدد من مواعد احتفالية ذات خاصية تراثية محلية، كما حال موسم الشيخ أحمد زروق قطب الصوفية المغربية الشهير. كذا من خلال ما يُنظم من مهرجانات اقليميا جهويا ووطنيا. اضافة الى كائن بأسواق اسبوعية تتوزع على المنطقة، ما يُسمع فيها وما يتم تسويقه بها من أشرطة غنائية تهم هذا الجنس من تراث مغربي وعربي وانساني. الذي يقوم على معاني معيش يومي وأحوال بلاد وعباد وكل ما من شأنه أن يكون حلقة متن لتحقيق فرجة. اعتمادا على لهجة عامية دارجة محلية جبلية برنوسية مغربية جميلة، وعلى أسلوب نطق يميز أرياف مقدمة الريف بشمال تازة. ما يجعل من هذا التعبير الفرجوي الى جانب ما يحتويه من كيان ، رؤى ومواقف وخيالات وجدان. وأمام تباين رواية محاولة فك غموض لايزال يحكم نشأة وبداية هذا التعبير الفني، الأمر الذي ما زال بدون أي سند دقيق ولا وحدة في الأصول، تبقى رقصة أحيدوس البرانس التي تتقاسمها قبيلة تسول بحكم الجوار، واحدة من اشكال تراثية بدوية عفوية، اكثر التصاقا بالبيئة المحلية كثقافة مجتمع وهوية وعلامة، له من الإمتداد في الزمن ما سمح بتراكم وبناء فرجوي لازال بامتداد في الاقبال والتدوق. أحيدوس البرانس الذي يرتب ضمن أقدم ألوان الفلكلور الشعبي بالمغرب والعالم العربي، ومن أشدها قدرة على تعبير ارتجالي زجلي في القول وتدافع المعنى. فالرقصة هنا ليست حركة جسد فقط كما في المألوف بجهات أخرى، بل ما تحتويه من تلقائية وعفوية نادرة الحروف، ومن ردود فعل بحسب الوضعيات. رقصة بدوية جبلية زجلها شعبي ارتجالي وفق مرسوم مقام غنائي يتم الاعلان عنه من قبل "المقدم"، الزجل هو سيد موعدها واحتفالها وفرجتها بامتياز. والآني من قول الزجل فيها هو الأكثر اثارة وجاذبية من قبل الآخر المتلقي والمتفرج. هذا اعتمادا على آلات نغم موسيقية تقليدية، تتباين بين ما يُعرف بالطارة أو البندير ثم التعريجة والمقص وأخيرا الغيطة. ولكل واحدة من هذه الأدوات موقع وقصة في رقصة احيدوس البرنوسي التي لاتزال تغرد كما كانت دائما في تماس مع الأجيال وتعدد الوجهات والحداثة. ورقصة البرانس جماعية وذكورية وبدوية التعبير بامتياز، رقصة بتطور وتسلسل في الأداء بين البداية وبين الإعلان عن نهاية قصة بصورة وصوت. فقرات الرقصة لاتخرج عن قيادة نغم عام ولا عن سلطة وتوجيهات مقدم، كثيرا ما يكون باختمار وشجاعة ادبية كافية في هذا المجال. بيت القصيد في هذه الرقصة ما يعرف محليا وعند الفاعلين أو "فرايجية" بمعنى دارجي محلي، ب"زريع" ذلك الزجل المنتظم الدال والإرتجالي في علاقة له بقضية من قضايا الاهتمام المشترك أوفكرة من الأفكار. شيوخ هذا النغم البدوي الفرجوي الموسمي الشهير بأحيدوس البرنوسي، يرون أن هذا النمط من الغناء الشعبي، هو إرث يرتبط بأجداد له عشاقه ومحبيه سواء بالبوادي أو المدن، لما يتوفر عليه من قدرة في التنشيط وتحقيق الفرجة، وما يحتويه من جمالية وفقرات وعروض تستهوي المتلقي. حاليا في زمن مكونات مجتمع مدني، هناك حديث عن دور هذا الأخير في التنمية، وحماية التراث والثقافة الشعبية. رقصة احيدوس البرنوسي هذا الارث الانساني الشفاهي، من جملة ما تعاني منه كبر سن ممارسيه الحاليين، فمعظم هؤلاء تجاوزوا عقدهم السادس. وما يطرح هو مشكلة خلف، ما يبدو أنه بانسياق وانزلاق لا سابق له، مع عولمة ملتوية وإلتوائية احتوائية ثقافيا. هذا الجري بعباءة الآخر فنيا وابداعيا واحتفاليا وثقافيا، ما قد يكون بأثر سلبي معبر على كيان وهوية وتراث انسانية، وعلى ذوات أجيال قادمة. وعليه كما حال البيئة والماء...يمكن الحديث عن استدامة في التراث الشعبي. وقد يكون للتهميش الذي يوجد عليه التراث المغربي وعلاماته الفلكلورية، كما حال زمن ضائع يوجد عليه أحيدوس تازة بالمغرب، أو ما يعرف في الذاكرة المحلية ب"تشكلل البرنوصي". قد يكون هذا الواقع واحدا من اسباب مفسرة لطبيعة علاقة ناشئة وجيل جديد بتراثه المحلي والوطني. ولنتفق أن ثراتنا ماديا كان أم شفاهيا هو متحفنا في علاقتنا بتاريخنا وجغرافيتنا، وهذه تحف فرجوية صنعها ويصنعها شيوخ فن شعبي تراثي أصيل، توجد في وضعية صعبة تهددها باختناق قاتل، ما أحوجها لمن يأخد بيدها من مؤسسات ومكونات مدنية واعلام ومستثمرين وفنانين وباحثين. ذلك من أجل تجاوز وضع موت في صمت، ووضع انكماش عوض انتعاش وفعل. على أساس أن التراث اقتصاد كلما اتسع الوعي بالإسثمار التشاركي، والإنتاج الاجتماعي الجماعي. فالتراث هو سينما وسياحة وهو اشرطة تعريفية، وهو هوية ومواطنة وتربية وتضامن وغيرها من أشكال حياة داعمة للنماء المجتمعي. وحتى لايذهب كل شيء في صمت كما حال التراث، لابد من الالتفات فمؤخرا فقدت تازة وبواديها، هرما من أهرام تراث فلكلوري، واحدا من الأسماء التي لمعت في مجال أحيدوس تازة على امتداد أزيد من نصف قرن من الزمن، كله عطاء وتضحيات وتمثيل، إسما بشهادة جميع صناع الفرجة التراثية بالمنطقة، جمع بين نبوغ وكفاية وموهبة بما قد يكون من الصعب تعويضه في القادم من الزمن. ذهب في صمت جال وتجول وأسهم في إغناء تراث البلاد والعباد بحس وطني عال، شارك وقال زجلا في عدد من مواعد احتفالية وفرجوية. فقدت تازة من يعرفه الجميع بلقب"ربعي" قيدوم وشيخ تراث شعبي محلي دون التفاتة شأن ثقافي. فقط جماهير غفيرة حجت من كل حدب وصوب.. فاللهم ارحم ضعفاء غيورين محبين لبلدهم ممن عاشوا على بساطة وقناعة، على حب الآخر وتواضع نفس وإكرام ضيف. كما "ربعي" الذي بلغ عقده الثامن قبل أن يرحل الى عالمه القدسي المكين، في صمت فجأة بدون اعلان. عبد السلام انويكًة/باحث
#عبد_السلام_انويكُة/_باحث (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أساطير الموسيقى الحديثة.. من أفضل نجوم الغناء في القرن الـ21
...
-
السعودية.. رحيل -قبطان الطرب الخليجي- وسط حزن في الوسط الفني
...
-
مصر.. كشف تطورات الحالة الصحية للفنان ضياء الميرغني بعد خضوع
...
-
-طفولة بلا مطر-: المولود الأدبي الأول للأكاديمي المغربي إدري
...
-
القبض على مغني الراب التونسي سمارا بتهمة ترويج المخدرات
-
فيديو تحرش -بترجمة فورية-.. سائحة صينية توثق تعرضها للتحرش ف
...
-
خلفيات سياسية وراء اعتراضات السيخ على فيلم -الطوارئ-
-
*محمد الشرقي يشهد حفل توزيع جوائز النسخة السادسة من مسابقة ا
...
-
-كأنك يا أبو زيد ما غزيت-.. فنانون سجلوا حضورهم في دمشق وغاد
...
-
أطفالهم لا يتحدثون العربية.. سوريون عائدون من تركيا يواجهون
...
المزيد.....
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
-
اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110
/ وردة عطابي - إشراق عماري
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
-
مذكرات -آل پاتشينو- عن -العرّاب-
/ جلال نعيم
-
التجريب والتأسيس في مسرح السيد حافظ
/ عبد الكريم برشيد
-
مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة
/ د. أمل درويش
-
التلاحم الدلالي والبلاغي في معلقة امريء القيس والأرض اليباب
...
/ حسين علوان حسين
المزيد.....
|