بدر الدين شنن
الحوار المتمدن-العدد: 4988 - 2015 / 11 / 17 - 12:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تحاول الأوساط الإعلامية والسياسية الفرنسية والأوربية ، أن تؤكد على أن الاعتداء الإرهابي الباريسي ، ليلة الجمعة 13 / 11 الجاري ، الذي راح ضحيته المئات بين قتيل ومصاب ، وأثار رعباً غير مسبوق في فرنسا و أوربا ، يشكل نقطة تحول في السياسة الدولية ، تماثل نقطة التحول التي أحدثها اعتداء " القاعدة " الإرهابي ، على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 16 / 9 2001 . ومن المؤشرات الأولى لهذا التحول ، بالنسبة لفرنسا ، إعلان الرئيس الفرنسي فرانوا هولاند " أن الاعتداء الإرهاب الباريسي ، هو إعلان " داعش " الحرب على فرنسا ، وإعلانه هو حالة الطوارئ ، لخوض هذه الحرب ضد " داعش " وتدميره .
كما تحاول هذه الأوساط ، تضخيم الحدث الباريسي . وأبرز ما جاء في هذا الصدد ، هو تصريح الرئيس الأميركي " أوباما " عند لقائه الرئيس التركي " أردو غان " في أنطاليا ، " أن السماء اسودت نتيجة سفك الدم الأوربي " .
مع كل التضامن مع الشعب الفرنسي ، والاستنكار الشديد للاعتداء الإرهابي المتوحش ، ومع التعاطف الإنساني العميق مع ضحايا هذه الاعتداء ، فإن من مصلحة الشعب الفرنسي والشعوب الأوربية ، والشعوب العربية ، التي يستبيحها الإرهاب الدولي ، بدعم الدول الغربية الإرهابية ومنها فرنسا ، أن ’تقرأ بتأن وعمق وبإحساس من المسؤولية ، ما يصدر من تقييمات وتصريحات رسمية ثأرية منفعلة ، تتجه دون ريب ، لتوظيف الحدث الباريسي المفجع ، في غير صالح الشعب الفرنسي ، والشعوب الأخرى ، لاسيما الشعب السوري الأكثر ابتلاء بوحشية الإرهاب على امتداد السنوات الخمس الماضية ، فقد أعلن رئيس وزراء فرنسا أن التدبير والتخطيط للاعتداء الإرهابي على فرنسا قد جرى في سوريا ، وأقدمت السلطات الفرنسية على توجيه ضربات جوية فورية على مواقع " داعش " في الرقة ، وأعلن الرئيس الفرنسي أن فرنسا ستكثف ضرباتها في سوريا . في وقت تعلن بلجيكا أن التخطيط للاعتداء الإرهابي الباريسي وتشكيل قيادته قد جرى في بلجيكا وقدمت أسماء وصور لتوضيح ذلك .
بيد أنه لا يخفى على المتابع للسياسة الفرنسية الشرق أوسطية التي تتسم بالتدخل العدواني الداعم للإرهاب ، والسورية تحديداً ، أن ردود الفع الفرنسية الرسمية المنفعلة ، على اعتداء " داعش " الباريسي ، هي عملية تمويه على ممارساتها السيئة الفاشلة في الأزمة السورية ، وفي عمليات التغيير الغربية القسرية في المشرق العربي وشمال إفريقيا .
لقد كان السيد " هولاند " شخصياً عراب صفقات السلاح بين المملكة السعودية ودول الخليج الداعمة للإرهاب .. وبين الاحتكارات الفرنسية المنتجة للأسلحة . وهو شخصياً كان يعلن إرسال السلاح إلى المنظمات الإرهابية ، التي كان يصفها " بالمعارضة المعتدلة " ، والتي كانت إحدى وسائل وصول السلاح الفرنسي إلى " داعش " . وكان يتبنى ، ومعه وزير خارجيته " فابيوس " الأنشطة المعارضة السورية ، لتوتير وتأزيم الصراعات في الشأن السوري علناً . وأمر طيرانه الحربي منذ شهر بقصف مواقع سورية بترولية بزعم أنها لإضعاف " داعش " مالياً بالتنسيق مع أميركا وليس مع الحكومة السورية ، ليكون للشركات الفرنسية نصيب في عقود إعادة الإعمار لاحقاً .
وكان يبذل الجهد الكبير ، لئلا يتم التوصل إلى اتفاق إيراني دولي حول مشروع إيران النووي ، لتظل أوضاع الشرق الأوسط متوترة .. وبحاجة للسلاح .. وللتدخل في مصائرها .
في هذا المناخ الإرهابي المتوتر المتصاعد ، حاول السيد " هولاند " أن يكون فارس المتغيرات الرابح في الشرق الأوسط . وذلك على حساب دماء شعوب المنطقة . . وباستهتار لما قد تستفيد من لعبته الجماعات الإرهابية وفي مقدمها " داعش " .
وفي هذا المناخ نما وكبر " داعش " . ووجد " أبوبكر البغدادي " نفسه ، الرجل الأقوى إقليمياً .. وعالمياً . ولم لا إن دولته تحتل مساحات من العراق وسوريا هي أكبر من مساحة بريطانيا العظمى . وبحوزته حقول بترول واسعة يستطيع بعوائدها أن يبني دولة عظمى . وينظر إلى الآفاق الإسلامية ، من أندونيسيا إلى المغرب الغربي ، فيجد أكثر من مليار مسلم يشكلون محيطه الحيوي الدولي ، وبعد وقت ليس ببعيد ، ستبايعه .. غصباً أو طواعية .. بغداد والشام وعمان ومكة المكرمة وجاكارتا .
وما بين السيد "هولاند " الزاحف ليحصل على الاعتراف بدوره مميز له في الشرق الأوسط ، عبر الصفقات ، والمساومات ، والمؤامرات ، لتأمين مصالح الاحتكارات الفرنسية .. وبين أبو بكر البغدادي .. " أمير المؤمنين " وخليفة المسلمين في القرن الواحد والعشرين ، الذي يتوهم أن الولاء له سيطاول المشرقين .. تدور معركة تحد غير معلنة ، منذ أن تم إعلان إقامة " الدولة الإسلامية " . ما عدل في سياق تجاذباتها ، هو التراجع المتلاحق لقوى " داعش " وغيره من الجماعات الإرهابية ، أما ضربات الجيش السوري ، وضربات الطيران الروسي . فكان لابد " لداعش " من تسجيل نقاط قوة في الواقع الميداني الأضعف ، فكان اختيار أوربا ، وباريس بالذات ، ليسجل فيها نقطة القوة التعويضية الداعشية . وعلى الأرجح ستعقبها تسجيلات نقاط قوة أخرى في فرنسا وعلى المستوى الأوربي .
ولذلك عندما يماثل سياسيو فرنسيون وغربيون الاعتداء الباريسي ، بالاعتداء " النيويوركي " 2001 ، فإن هذا يعني أنهم سيقومون بنفس الهجمة التي قامت بها أميركا على العالم بعد العدوان الإرهابي في نيويورك ، إزاء أفغانستان ، وبنفس إجراءات ما سميت الحرب على الإرهاب .. أميركياً .. وعالمياً .. وما جرت بعده من عدوان على العراق ، وبعده انتشار العدوان الواسع باسم " الربيع العربي " .
ولا يحتاج الأمر لكثير من التفكير ، ليعرف أن الهدف هو سوريا. إن خطاب السيد " هولاند " في البرلمان الفرنسي في 16 / 11 الجاري ، وما تضمنه من التوجه لإجراء تعديل الدستور والقانون في فرنسا ، لمواجهة حرب الإرهاب ، ومن العزم على تكثيف الضربات في سوريا هو البداية فرنسياً . وقد أعلنها أيضاً رئيس الوزراء البريطاني " كاميرون " من جهته بقوله " إذا تعرضت مصالحنا للخطر فسوف نتحرك في سوريا ونخبر البرلمان فيما يعد " وكرر الرئيس الأميركي " أوباما " الإعلان عن أنه أرسل قوات أميركية لسوريا ، لتحسين التنسيق ضد الإرهاب " .
ومن خلال هذا الاستهداف الذي يستبيح سوريا ، ويهدد السلام والاستقرار الإقليمي والدولي بذريعة الرد على الاعتداء الإرهابي الباريسي ، والانتقام من " داعش " والقضاء عليه ، من خلال السيطرة على سوريا ، والتلاعب السياسي بكيانها السياسي ومصيرها ، قياساً على تجربة التدخل الأميركي في أفغانستان ، يتبدى الغباء السياسي والغربي ، وذلك لعدم مطابقة الوقائع والذرائع والقياس بين سوريا وأفغانستان ، وأهمها اختلاف دور الحضور الروسي في أفغانستان وسوريا ، وقدرة الجيش السوري على القتال بعقيدة عسكرية وطنية عالية وعميقة المستوى ، وغياب الخلفية الدينية المتخلفة الواسعة الحاضنة لهكذا هجمة غربية في المجتمع السوري ، ولعدم استطاعة مثل هذه الهجمة على سوريا أن توقف الهجمات الإرهابية في أوربا وخارجها بل هي مرشحة للتزايد بأوسوأ مما نتج عن التدخل في أفغانستان ، لأن قوى الإرهاب الآن لها جذور اجتماعية وبنيوية في المجتمعات الأوربية تضم متطرفين من أصول عربية وإسلامية وأوربية .
ولذلك .. مع رسوخ تعاطفنا الكبير مع المئات من ضحايا اعتداء باريس .. لن ننسى أن الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية دعم وتسليح الدول والجماعات الإرهابية المتوحشة ، التي قتلت مئات الآلاف من شعبنا في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان ..
ونتمنى أن يتمكن الشعب الفرنسي ، من وضع حد لهذه الممارسات الحكومية والرئاسية الفرنسية ، التي دعمت الإرهاب ضد الشعب السوري ، وتدخلت بفظاظة في شؤونه الداخلية ، وكأنه لازال تحت الانتداب الاستعماري الفرنسي ، تلك الممارسات المتعارضة مع مبادئ الحرية العزيزة على الشعب الفرنسي وعلينا جميعاً ، وأن يساعد على إعادة السلام والأمان والاستقرار لسوريا وللشرق الأوسط .
#بدر_الدين_شنن (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟