رضا كارم
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 4945 - 2015 / 10 / 4 - 12:24
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كأنّ المشهد التّونسيّ يحمل أسفاره راحلا إلى السّكينة.
الجبهة الشّعبيّة رفضت قانون المصالحة ثمّ استعادت سباتها و انغلقت علىداخلها تؤسّسه.
الاتحاد أمضى الهدنة و حلّ مشكلات القطاع الخاصّ و افتكّ(رغم كلّ شيء) بعض الفتات من مافيات الفساد المنظّم ضمن دائرة اتحاد الصناعة و التجارة.
جماعات 18أكتوبر من خارج حزب العمال و حركة النّهضة يكادون يمضون على استقالاتهم بالكامل.
و خلافة الباجي وحدها تنشّط المشهد المبتذل في تونس.
فجأة يعلمنا الممثّل الحقيقيّ لشبكة السلّطة أي أوباما ، بأن تونس و ماليزيا و أندونيسيا ، إن لم تخنّي الذاكرة، انضمّت إلى التحالف الدّولي ضدّ داعش.
ضاق صدر اللاعب السياسي في تونس، و انبرى ناقدا لعلامة "فقدان السّيادة الوطنيّة" و انزياح القرار عن أصحاب السّلطة التمثييليّة المنتخبين، إلى السلطة الأجنبيّة في أمريكا في هذه الحالة.
ضاقت صدورهم و كان كثير منهم يحكم و استسلم بدوره لمقولة العنوان السياسي الأكبر الذي يفرض شروطه و يحدّد للضّعفاء و الجبناء أيضا مواقعهم الخلفيّة و نقاط تدخّلاتهم في الأمم المتّحدة ، تاركا لهم تفاصيل الحوار مع النّهضة أو العراك مع المرزوقي .
عاد رئيس حكومة الارتزاق و التّبعيّة، الحبيب الصّيد، إلى تونس محمّلا بخطاب مبتذل و قراءة متعثّرة دالّة على سوء إدارة عميق، و استدعى حفنة من الصحافيين ليتلو على مسامعهم سورة الإخلاص ...
عاد الصّيد مشبّعا بإيجابيّة تحالفه الدّوليّ ضدّ داعش ، مؤكّدا أنّها مصلحة "وطنيّة" من حيث أنّها تمنح تونس القدرة على التّعرّف غلأى عدوّها الإرهابيّ بشكل أفضل، و يوفّر لها معطيات استخباراتيّة مفقودة الآن.
لا أحد سأل الصّيد عن موقع تونس من القضيّة اللّيبيّة و عن موقفه من الجلسة التي انعقدت على هامش جلسات الأمم المتحدة للحديث في شأن تمّ تجاهله و تركه إلى مصيره .
ليبيا بؤرة ملتهبة، يدفع شعبها ضريبة الخراب الذي زرعه القذافي و دعّمه الاستعمار قبل أن ينصرف تاركا الإنسان هناك يموت ألف مرّة و لا يموت.
تنفجر الأزمات من كلّ جانب محيط بنا، و حكومة التجمّع المتخونجة النيوليرالية و المتعطّشة لدماء المهمّشين المنسيّين ، تواصل جهد الاصطفاف و الاتّباع و التّسليم لرأس المال.
و يواصل التّونسيّون خدمة للوطن و حرصا على سلوك وطنيّ جامع، انتظار الفرج من صندوق نقد دوليّ يستعدّ لإقراض تونس مليار و ثمانمائة مليون دولار أمريكيّ، لأجل مهمّات غير معلنة حاضرا.
هدنة اجتماعيّة و ثرثرة على أجهزة الإعلام و انتظار طويل.
ماذا لو نظرنا إلى الدّاخل جميعا؟
منذ زمن نكتفي برمي تراجع المشهد و سقوط الثّورة و عبث السياسة ، على الاتحاد و الجبهة و بقيّة المعارضات كلّ بنسبة. غيرنا يتألّم لخيانة الخوانجيّة للصّورة الرّمزيّة التي يحملها في ذهنه عن الثّورة.
جميعنا بالنّهاية لا يرى نفسه . ألزمنا حقائقنا بأن تدّعي صباحا مساء بأنّها ضحايا الآخر الخائن و المحتال و الغادر و المرتبط و العميل و الفاسد. و كنّا على حقّ كثيرا حتّى أنّنا تجاهلنا بالكلّية أنّنا بتنا نردّد كلمات سئمتها الأنفس منذ فيفري 2011. منذ جبهة 14جانفي السّافلة، و هيئة عياض بن عاشور و انضمام بلعيد و قطيعه إليها، و منذ إصرار بعضنا على الدّفاع على جراد و عسكره ، باسم الدّفاع عن المنظّمة ، و منذ خيانات و غلطات قاتلة وجدت أوجها يوم 8 فيفري 2013، يوم خرج مليون تونسيّ رافضا للقتل، و ربّما راغبا في إسقاط الخوانجية و تسييد حمة الهمامي ...
منذ تلك الشواهد القويّة، اكتفينا بالنّقد و لن نبن شيئا سليما يتواصل لأسبوع واحد.
بل لعلّنا انشطرنا ألف شطر، و خرج منّا الانتهازيّ و المرتبط و الجبان و السّافل و الخائن أيضا.
فلماذا نعيّر حمة الهمامي و حسين العباسي بما هو مقيم فينا ؟
و لماذا نطلب من الجبهة و الاتحاد أن ينجزا مقولاتنا و تصوّراتنا حول 17ديسمبر؟
لماذا نقيّم الآخر من زوايا نظرنا نحن دون تفهّم سياقاته و منطلقاته و أرضيّته؟
لو كنّا جسما موحّدا لهان الأمر و سهُل الفهم. لكنّنا و القسمة تفضحنا، لسنا أهلا لنصح أيّ كان و لا نقده و لا فضحه عدا رأس المال و مافياته و المنتسبين إلى شبكة قوّاديه و المتطوّعين كجنود ضمن عسكره.
نحن ، و لا يبدو أنّ لنا هويّة واضحة أو محدّدة، جبهة الرّافضين الغاضبين ، كم عددنا؟
كم عدد الذين يتمسّكون ب 17 ديسمبر بوصفه عمق الثّورة التّونسيّة؟
كم عدد الذين يرابطون على خطّ المعركة الطّبقيّة و يرفضون كلّ فرصة لتوزيرهم أو توليتهم شأن سلطويّا ما؟
كم عدد الذين يرفضون خيارات الإصلاح و التّسليم و الارتباط ، حتى لو منحوا مقاعد في مجالس الللوردات؟
كم عدد الذين يتمسّكون بالحرب ضدّ رأس المال مهما كانت الخسائر و التضحيات و الإغراءات؟
كم واحدا تركنا و انصرف لخدمة النهضة و المرزوقي مقابل وعد بالنوم في فراش بتروليّ الملامح؟
و كم يصمد صامد و كم يسقط مهزوم و كم ؟
لننظر داخل الجسد الواصف نفسه بالثّوريّ، هل هو كذلك حقّا؟
يقول بعض النوفمبريين المختبئين داخل أردية الثّوريّة كما يعرّفها جنود بن علي في تلفزات تونس، أن الثورية تمسّك بدستور 2014. و يردّ عليه نوفمبريّ أشدّ حرصا على الإخبار و الوشاية، بأنّ الثّوريّة عمل على التنمية الجهوية و السؤال الاجتماعي و تحقّق الدستور الذي أنجزته الحرائر و تجنّد له المجتمع المدنيّ الشّهير...
إنها مواصلة حفلة تبادل الشتائم بين النهضة و التجمع في أروقة مختلفة و بلاعبين أقلّ مهارة و أكثر مناورة و أبدع سفالة و ضعة.
مازال التجمع و النهضة يتحالفان في سفارات امريكا و بريطانيا و فرنسا و يتعاركان في مجالس نسمة و تونس7. مازال المشهد جاثما على شعب الصّمت و القبول و الطأطأة. لا شيء يتحرّك ، و لا أحد.
هدنة اجتماعيّة و مصالحة ستفرض في السنوات القادمة عودة صخر و بلحسن ، و سليم شيبوب قريبا.
سماء دبي أو أرضها أو جهنّمها ، تستعدّ للعودة . و النّاس غير عابئين بغير سعر الغذاء.
نحن أيضا نكتفي بالنقسام و زرع مسبّات خفيّة أو نقد مبطّن أو جراحة سطحيّة لألم مقيم. نحن أيضا أهل لنصوص تعرّينا و تكشفنا و تؤسس بنا للقادم.
نحن نخشى بعضنا البعض. نعتقد جازمين بأنّ تروتسكي يختبئ بين أسنانا و أن مفرداتنا الصّارخة تتوعّد بأمميّة ما نسعى لفرضها خارج السّياق التاريخيّ و خارج رغباتنا أصلا.
نخشى عبد الناصر في صيحات متألمة و نخشى ماركس في نقد صارم و نخشى لينين و ماو و نخشى الحركة.
لا أحد يثق بالآخر هنا. جميعنا مكبّل ببيان القائد المفدّى، أو هكذا نعتقد و نجزم دون حجج.
هي ثقافة التّنصّل و ثقافة التقوقع و عقد الثاقفة السائدة. يجب أن نفشل، حتّى نواصل النّقد و المسبّات.
النّجاح احتمال غير منصف لذوات مكتنزة بالفشل . لدينا فلسفة فشل مقيمة و مؤبّدة فينا. خير أفكارنا كما أ،تجها بن نبي، تعتبرنا قابلين للاستنعمار، و ردّدنا معه هذه الفكرة السّخيفة العنصريّة الفاشلةن دون انتباه إلى إسقاطها اللاعلميّ. تسكننا مطذرقة نيتشه و لا نهتمّ منها لغير أنّها هدّامة بإطلاق، حتى و إن كانت منهجا للبناء أصلا.
نحن عسكر الفشل و جبهته. و لا ينبت من أيادينا شيء .
لندس هذه الذوات المتطلّعة الى القيادة و الهيمنة. و لنكن صرحاء لنبني جسمنا الثّوريّ. إنّنا مسؤولون عن تاريخ نعيشه و لا نفعل فيه. إننا مسؤولون عن موت نعبّئه في أكياس القمح و ننثره سمادا للقتل و إهلاك الحصاد
لننتبه إلى قدرتنا على التّخريب، و لننتظم لنؤسس و لنقاوم و لنبني بالاستطاعة و القدرة التي سنتمكن منها.
لننتظم وفق أسس و برنامج 17ديسمبر. و لنسقط كلّ البؤس النظري الذي أبّد فينا الفراغ و الثرثرة.
لننتظم حتّى نقاوم ، و لننتظم جتى نتحرّك كقوّة تحمل مشروعا ، قوة تعبئة جماهيريّة ، و قوّة تغيير جذريّ.
#رضا_كارم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟