محفوظ أبو كيلة
الحوار المتمدن-العدد: 4883 - 2015 / 7 / 31 - 10:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
محمود أحمد حمدى (1815 – 19 يوليو 1885) اكتسب لقب الفلكي الذي لازمه طوال حياته وعرف باسم محمود الفلكي لنبوغه فى علم الفلك. ولد بقرية الحصة بمركز دسوق التابعة لمديرية الغربية حين ذاك، وبدأ تعليمه في كُتاب القرية، وعندما مات أبوه الفلاح المعدم وهو فى التاسعة من عمره اصطحبه أخوه إلى مدينة الإسكندرية حيث كان يعمل بالبحرية، وخريج مدرستها، وألحقه بإحدى مدارسها الابتدائية وبعد أن تلقى تعليمه الأولى، التحق في عام 1824 بمدرسة الترسانة البحرية "دار الصناعة" التي أنشئت في عهد محمد علي باشا على يد الفرنسي سيريزي، خبير بناء السفن، وكان يقوم بالتدريس فيها مدرسين فرنسيين وإيطاليين، وفي هذه الدار اكتسب العديد من المعارف الحديثة والعلوم العصرية وتعلم اللغة الفرنسية، وأحرز تقدمًا كبيرًا في دراسته، واختلط بعناصر وشخصيات عديدة من دول مختلفة. وتخرج منهاعام 1833 برتبة البلوك أمين.التحق بعد ذلك بمدرسة البوليتكنيك وتخرج منها نهاية عام 1839 وكان أول دفعته وعين مدرسا للرياضيات برتبة الاسبران (ملازم) في مدرسة المهندسخانة ببولاق وكان مدرسا لمادة الجبر، وخلال فترة تدريسه أتقن الفرنسية حتى أنه ترجم عدة كتب عن الرياضيات من الفرنسية إلى العربية، حيث ترجم عن الفرنسية أول كتاب باللغة العربية عن علم التفاضل والتكامل. وحصل محمود الفلكى في عام 1842 على رتبة اليوزباشي (نقيب) وكان قد تم انشاء مرصدا فلكيا بالمهندسخانة أوكل إليه إدارته، فاتجه إلى دراسة علم الفلك، الذي ولع به عندما كان يقوم بأعمال الرصد في الرصدخانة ببرج المرصد، الذى كان به ساعة فلكية وآلات رصد حديثة. أعد محمود الفلكي بحثا بعنوان (نبذة مختصرة في تعيين عروض البلاد وأطوالها وأحوالها المتغيرة وذوات الأذناب واللحى)، وقد صاغ هذا البحث "المحفوظ حاليا بدار الكتب المصرية" بأسلوب علمي رصين، يختلف عن أنماط الكتب العربية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وهو ما لفت الأنظار – منذ وقت مبكر- إلى علمه وموهبته وتميزه. وابتكر وضع التقاويم السنوية للتواريخ ( الهجرية و القبطية و الميلادية ) حيث بين فيها مواقع الشمس و القمر لكل سنة من هذه السنوات . كما قام بتحديد المساحات المنزرعة من الأرض ، فاستطاع أن يعين خطوط الطول ودوائر العرض لنحو ثلاثين نقطة في الدلتا والوجه القبلي، كما قام بقياس المساحات المنزرعة على أسس علمية لأول مرة في مصر..
في عام 1850 رشح محمود الفلكى لبعثة إلى فرنسا لدراسة الطبيعة من قبل أستاذه علي باشا مبارك بعد أن لمس فيه النبوغ والتفوق. وقد نشر محمود الفلكي وهو في باريس عدد من الأبحاث الفلكية والجيوفيزيقية في المجلات العلمية الأوروبية. حصل على شهادته العليا في 1854، أي بعد أربعة سنوات فقط من وصوله باريس، تنقل بعدها بين العديد من العواصم والمدن الأوروبية. نجح محمود الفلكى في قياس شدة المجال للمركبة الأفقية للقوي المغناطيسية الأرضية في ثلاثين مدينة ألمانية وبلجيكية لصالح أكاديمية العلوم البلجيكية، وسع منطقة أبحاثه لتشمل الجزر البريطانية وهولندا وفرنسا وبلجيكا، عين فيها الميل المغناطيسي للمحصلة الكلية للمجال المغناطيسي الأرضى في خمس وأربعين محطة أرصاد في مدن هذه الدول، وأنهى رصده بإيجاد خريطة دقيقة لهذه المناطق الجغرافية، وقارن بين النتائج التي توصل إليها ونتائج العالم الفلكى الإنجليزى ادوارد سايين عام 1837 والتي أقتصرت على الجزر البريطانية فقط، فكان محمود الفلكى أول من خرج بنطاق أبحاثه عن نطاق الجزر البريطانية. كما قدم رساله عن المواد المغناطيسية الأرضية في باريس و ضواحيها إلى المجمع الفرنسى الذى قام بنشرها. وبدأت المجلات العلمية الأوروبية تنشر له أبحاثاً فلكية لفتت الأنظار، ومن أشهر ماقدم فى علم الفلك الأثرى، رسالة عن التقاويم الإسرائيلية قدمها لمجمع العلوم ببلجيكا، الذى قام بنشرها عام 1855، و كانت خلاصتها انه حدد بداية التاريخ اليهودى في 7 اكتوبر سنة 761 قبل الميلاد و ذكر بأن اليوم عندهم يبدأ الساعة السادسة مساءً و يقسم اليوم إلى 24 ساعة و تقسم الساعة إلى 1080 قسماً و يقسم كل منها إلى 72 جزءاً، وبعد اعتماد المجمع العلمي البلجيكي هذا البحث إعتمده أيضا المجمع العلمي الفرنسي.. كما قامت المجلة العلمية الإسبوعية الفرنسية بنشر بحث آخر له، فى علم الفلك الأثرى ، لم يسبق لأحد من علماء الفلك في العالم القديم أو الحديث أن قام بدراسته دراسة موضوعه، وهو عبارة عن دراسة عن التقاويم العربية قبل الإسلام، وقد حقق فيه تاريخ ميلاد الرسول “صلى الله عليه و سلم ” فأثبت انه ولد في 9 من ربيع الأول الموافق 20 ابريل سنة 571 ميلادية، و بحث عمر النبي عليه الصلاة و السلام عند وفاته فبلغ ستين سنة شمسية و 28 يوماً، تعادل 63 سنة قمرية و 3 ايام . وأثبت ان العرب فى بداية الإسلام كانوا يعملون بالحساب القمري، و لم يعرفوا تقسيم اليوم إلى ساعات.
قام بعد عودته من فرنسا في 18 أغسطس 1859، بتكليف من الحكومة المصرية برسم خريطة طبوغرافية للقطر المصري ،. استغرق العمل فيها عشر سنوات من (1859م إلى 1869م ) وتعد أول خريطة مكتملة لمصر،وكانت في غاية الدقة والصحة، قامت الحكومة بطبعها وتعميمها على جميع المدارس والمطبوعات وخلفية كراسات التلاميذ. وما زالت تلك الخريطة تعد مرجعًا تاريخيًا للدارسين والباحثين. وكلف الخديوى سعيد، محمود الفلكي في عام 1860 بطلب من علماء أوروبا، برصد كسوف الشمس وتسجيله، وكانت منطقة الكسوف الكلى تبدأ من كاليفورنيا وتمتد حتى جنوب أفريقيا عبر المحيط الأطلسي، اختار محمود الفلكى مديرية دنقلة في شمال السودان كموقع للرصد وسافر إلى هناك عبر نهر النيل. وبرغم الخلل الذي أصاب أدوات الرصد الدقيقة نتيجة نقلها على ظهر الجمال، فقد استطاع رصد الكسوف لحظة بلحظة، وسجل ذلك في تقريره الذي رفعه إلى أكاديمية العلوم بباريس وحازعلى إعجاب العلماء المعنيين بالأمر في العالم كله. وتعد أرصاد كسوف الشمس التى قام بها من أدق وأفضل الأعمال الفلكية حينذاك. كتب محمود الفلكي بحثا بعنوان "التنبؤ المسبق عن مقدار فيضان النيل"، بعد أن جمع بيانات عن فيضان النيل من عام 1825 إلى عام 1864، وقد أصبح بحثه هذا مرجع أساسي لتقديرات الرى في مصر. كما قام محمود الفلكي ببحث عن مدينة الإسكندرية وضع خلاله خرائط لمعالمها القديمة حيث نقب في حفائرها ليصبح أول مصري معاصر ينقب عن آثار الإسكندرية وموقع سورها القديم وقصورها ومتاحفها ومكتبتها القديمة، وقد كتب بحثه بالفرنسية، ويعتبر الفلكي أول عالم يضع دراسة علمية يخطط فيها لمعالم الإسكندرية القديمة بناء على ما اكتشفه في أعمال الحفر والتنقيب.
تميزت الأبحاث التي قدمها محمود الفلكي بالإبتكار والجدة، سواء تلك التي كتبها أثناء وجوده في باريس أو التي كتبها بعد عودته إلى مصر. وكانت بحوثه الدقيقة في علم الفلك موضع تقدير واحترام الأكاديميات الغربية الحديثة، ويعد محمود الفلكي رائد علم الفلك الأثري على مستوى العالم، وله بحوث قيمة في هذا المجال، مثل بحثه الذي استطاع من خلاله تحديد عمر الهرم الأكبر عن طريق الفلك والأرصاد الفلكية، مما لم يسبقه إليه أحد من علماء الفلك فى العالم. وتوصل إلى نتائج دقيقة مذهلة تضمنتها العشرات من مؤلفاته ورسائله التى نشرت بالعربية والفرنسية وكانت مثار إعجاب الفلكيين والأثريين على حد سواء.
وتم إنتخابه عضوا في المجمع العلمي المصري الذي أسسه نابليون بونابرت أثناء الحملة الفرنسية، كما أنتخب وكيلا للجمعية الجغرافية المصرية ثم رئيسا لها ، و أشرف على المرصد الفلكى ببولاق والعباسية، كما انتخب في المجلس العالي الذي تشكل في عهد وزارة شريف باشا للنظر في توسيع نطاق المعارف العمومية في البلاد ، ومثل الحكومة المصرية في المؤتمر الجغرافي الذي عقد في باريس سنة 1875 و المؤتمر الجغرافي الذي عقد بمدينة البندقية عام 1881. وقد أصبح ناظراً للنافعة "وزارة الأشغال لاحقا"عام ١-;-٨-;-٨-;-٢-;- فى وزارة محمود سامي البارودي ، ثم عين وكيل لنظارة المعارف " وزارة التربية والتعليم لاحقا" في وزارة شريف باشا من عام 1882 حتى تولى نظارتها فى نظارة نوبار باشا الثانية فى عام ١-;-٨-;-٨-;-٤-;-، وحتى وفاته فى 19 يوليو عام 1885.
ولم يكن محمود الفلكى مجرد موظف كبيرلدى خلفاء محمد على أو وزيركفء فى نظارات هذا الزمان أو مجرد نبت للحملة الفرنسية، ولكنه لايمكن انكار أثرهذين العاملين" الحملة الفرنسية ومحمد على وأسرته"، فى تشكيل المجتمع القادر على انتاج العلماء ورعاية العلم مما مكن الفلكى بما وراءه من رصيد كبير، كامن منذ إمنحوتب ومانيتون، وهو نفسه قد ورثه لسميرة موسى ومصطفى مشرفة وأحمد زويل.
#محفوظ_أبو_كيلة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟