|
حفار القبور
خليل الشيخة
كاتب وقاص
(Kalil Chikha)
الحوار المتمدن-العدد: 4768 - 2015 / 4 / 5 - 03:33
المحور:
الادب والفن
انبلج الصباح في حي باب تدمر* الواقع قرب المقبرة ، فاتجه أرباب البيوت إلى العمل ، همهموا ورددوا "يا رزاق يا كريم" أكثر من مرة لاعتقادهم أن أبواب السماء تكون مشرعة في الصباح تستجيب للداعين .لكن ليس هناك من يستسيغ دعاء حفار القبور فهو بدعائه يسأل الله أن يقصف رقبة أحد ما ،ويأتيه الكره الأعظم من المسنين ،فهم يتشاءمون من رؤيته التي تذكرهم بالموت . فليس ثمة شك أن أحب مخلوق إلى قلب أبو قدري هو عزرائيل قابض الأرواح ،فبينهما تكمن الأسرار، أحدهما يأخذ الأمانة من الآدمي قائماً بواجبه الرباني والآخر يطمر الجثة في التراب نظيفة لملاقاة ربها .فأبو قدري وعى على الدنيا وهو يحمل المجرفة والقدوم ينكش القبور ويردد :"يا معين يا رب"ويصرخ بإجيره الأجذب عبدو بأن يسرع في عمله.وما إن يأتي أقارب الميت حاملين النعش ،يقفون أمام فوهة القبر يبكون ويقفزون من الألم ،حتى يرتبك قليلاً، ويكون ما يزال داخل القبر يعمقه ويوسعه وهو يتصنع الوجوم والصمت .بعد أن يردم الحفرة ويواري الميت التراب يشد شرواله الواسع ويحكم حطته المبرقعة بالسواد على رأسه ثم يمد يداً كعصا المجذاف لأقارب الميت من أجل الأجر ويعد مئة ..اثنتين يعدها ثم يتجه إلى صاحب المقهى مصطحباً إجيره، فيطلب كوباً من الشاي يرشفه على مهل موزعاً أطرافه ما بين الكرسي والطاولة ويدلي بالنصائح لعبدو ،عن طريقة رفع الفأس ولملمة التراب .وقبل أن تتوسط الشمس السماء ينصرف إلى البيت وعلى وجهه ثقة رجل عمل وكسب ما يستحق .في الشوارع يمر بدكاكين الحي ،لكنه لا يقف ولا يفتح حديث المجاملات ،لأن أصحاب الحوانيت يذكرونه دائماً بالدين المتكدس عليه وغالباً ما يهددونه بالضرب إن لم يدفع . حين يصل حارته يشاهد زوجته ،كعادتها ،تصرخ وتتشاجر مع الجيران. ذات مرة تدخل أبو قدري وشتم الجار وزوجته ، فانهال جارة على رأسه ووجهه باللكمات وجرجره في الشارع .وقام منفوخ الوجه كثير الكدمات يعرج من رجله من شدة الضرب . في اليوم الثاني تدخل جار آخر للمصالحة ، فرضي أبو قدري واستجاب وجلس مع الجار الذي أنهكه ضرباً في الأمس ونتف ما تبقى في رأسه من شعر ، يشرب معه الشاي ويضحك وكأن شيئاً لم يكن . عندما خرج في الصباح ، طاف في الحي وذهب لبيت إجيره عبدو ومكثا قليلاً عند الحلاق ثم اتجها إلى المقبرة.في الطريق الترابي كان عبدو الأجذب يتعثر في مشيته لضخامة حذاءه ، فينظر إليه معلمه بحذر خشية أن يقع على الأرض ، سأل عبدو: _ ماذا سنفعل اليوم في المقبرة ؟ رد المعلم بدون انتباه: _ كالعادة،ربما يحتاجنا أحد .وأرسل نظره إلى الواحات الواسعة الممتدة بجانب المقبرة والتي تجاورها البساتين العامرة على شكل بقع خضراء ، فبدت كأنها تحد السماء.قال المعلم: _ ترى لو كنت أملك بستاناً ، أليس هذا أفضل من مهنة حفر القبور .أجاب رفيقه: _ طبعاً ، مهنة البستاني أسهل من الحفر وتأكل ما تشتهي من فواكه .تساءل المعلم: _ ومن أين لي المال لشراء بستان .فأجاب عبدو بثقة: _ الله كريم..وتذكر المعلم شيئاً آخراً فرفع سبابته متشكياً: _ وماذا أفعل بسليطة اللسان ، إنها حية من تحت التبن وإن سنحت لها الفرصة ، تلسع . - إنها زوجتك وأم أولادك يا معلم . دخلا المقبرة ووقفا بجانب أحد القبور، ومد المعلم يديه يقرأ الفاتحة ثم غرس عرقاً من نبات الآس اقتلعه من قبر مجاور، وسمع صوت عبدو وهو يشير إلى القبر: _ الله يرحم أمك يا معلم ، فقد كانت امرأة صالحة.وبعد أن جال المعلم بنظره في الجبانة التي تكثر فيها أعمدة حجارة البازلت ، قال: _ لا تتسع هذه المقبرة لأكثر من مئة جثة ، فهي تضيق بالأموات ،ثم أشار إلى الأماكن البعيدة الشاغرة. أردف عبدو: _ هذا ما سمعت أيضاً. في الأيام التالية ظل يذهب كل يوم كعادته إلى المقبرة ويقرأ الفاتحة على روح أُمه ، لكن لم يمت أحد في الحارة، فازدادت شكوته وتضرعه إلى الله أن يرزقه بحسنة أطفاله الخمسة.لكن مضى شهر عليه ولم ينكش حتى حفرة واحدة لرضيع .ذات يوم خرج من البيت حزيناً قلقاً لا يحب أن ينظر إلى أحد ، فقد بات يشعر بأنه رجل منبوذ من الحارة كلها. لم يذهب إلى إجيره عبدو بل عرج إلى الحلاق فوجد الوجوه نفسها تحدق به فجلس صامتاً ساهماً. ابتسم الحلاق وهو ينظر إليه ويقص شعر الزبون ، سأله: _ ما بك يا أبا قدري؟لماذا أنت حزين ؟أجاب وهو يفكر: _ اتركها لربك يا رجل .فقال الحلاق وهو يبتسم بمكر: _ هونها أبو قدري، فنصف الألف خمسمائة .علق أحد الجالسين ضاحكاً : - عزرائيل ترك وظيفته ، فابحث عن شغلة أخرى .. قهقه الجالسون وأخذت تعلو الأصوات بالتعليقات الساخرة. قام دون أن ينبس بكلمة تاركاً الضحكات وراءه. لم يذهب إلى الجبانة ، بل اتجه إلى البساتين واختار شجرة وارفة الظلال، فاضطجع تحتها ونام على حفيف أوراق الأشجار وزقزقة الطيور . فرأى في منامه أنه يقف على قبر أمه يقرأ الفاتحة فإذا بها تخرج من الحفرة بثياب بيضاء وتقف أمامه وتقول : " اشتقت إليك يا بني فأنا أشعر بوحشة بهذا القبر، ولولا زيارتك لي لهجرت هذه الحفرة ". رد عليها مندهشاً وسعيداً : "لقد اشتقت إليك يا أمي أيضاً، لكن لماذا ذهبت وتركتني في هذا الغاب ". قالت "الدنيا امتحان " فسألها وهو يداري النور الساطع المنبعث من وجهها: "لماذا أنا شقي ؟ هل لأنك لم ترض علي أم لأن حظي تعس في هذه الحياة! اقتربت منه ووضعت يدها الضوئية على رأسه فأحس أنه يولد من جديد وقالت :" إن المعذبين في الأرض ملائكة في الآخرة". اطمأن وتثلج قلبه وحاول أن يقبل يدها المشعة نوراً ، لكنها اختفت ولم يعد يراها فأخذ يصرخ وهو يمد يده:" لا تتركيني يا أمي..لقد أصبحت وحيداً". وظل يصرخ حتى استيقظ من النوم . كان الظلام قد هجم على البراري يأكل ما تبقى من النهار، فقام خائفاً مرتعد الأطراف ينظر حوله ولا يصدق أن ما كان حلماً . بحث بين الأشجار وعلى ضفاف الساقية فربما يجد هذا الشبح الذي كلمه، لكنه فشل. أحس بالجوع والعطش ، فانكب على كتف الساقية يعب من الماء حتى ارتوى وخلع عمامته المتسخة بالتراب الأحمر وغسل رأسه ووجهه ثم رجع أدراجه إلى البيت وقد تجذر في نفسه حزن عميق ولم يعد يحس بطعم الحياة التي كلها فأس و مجرفة وأموات وقبور، وتمنى لو أنه عمل فراناً أو بقالاً أو حتى عتالاً، فكل هذه المهن محمودة السيرة من الناس ولا تعتمد على فجائع الآخرين . وصل إلى البيت، فهرعت زوجته إليه تسأله أين كان ولماذا استغرق كل هذا الوقت وكيف أتى ؟ لكنه لم يرد ، بل وقف صامتاً يتكأ على الحائط ومرت ثوان على هذا الحال، بعدها شعر بألم في خاصرته فمد يده إلى المكان محاولا اقتلاع الوجع . ثم هوى على الأرض بلا حراك، هزته زوجته وصرخت فوق رأسه ، لكنه كان كالنائم الذي يرى حلماً جميلاً . خرجت إلى الشارع وولولت ، فتجمع الجيران. وأخيراً أتى الطبيب الشرعي يفحص الرجل الممدد على الأرض فلم يسمع دقات لقلبه. نظر إلى وجوه الناس وقال بيأس: - هذا الرجل ميت منذ فترة . ثم حرر في ملفه الأنيق "موت مفاجئ سببته سكتة قلبية " وطوى الملف ومضى خارجاً
#خليل_الشيخة (هاشتاغ)
Kalil_Chikha#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثأر والبندقية - قصة قصيرة
-
الزنزانة
-
مدن غير مرئية
-
بداية مجلة المهجر الثقافي
-
المصنع
-
إصدار جديد - ومضة ضمير
-
بحيرة قطينة-قصة قصيرة
-
جمعيات غير تعاونية - قصة قصيرة
-
رغيف خبز - قصة قصيرة
-
الجذور الأولية للرق والاخلاق
-
ما وراء العنف اللفظي
-
بروز داعش
-
الجذر اللفظي للأكل دون ملح
-
القناص الامريكي والانتفاخ
-
تورتيلا فلات والصعلكة السياسية العربية
-
لؤلؤة فقراء الربيع العربي
-
حِكْمَة شَهْرَزَادْ
-
الغندورة
-
قراءة في كتاب الكافرة
-
رموز الحكاية الشعبية
المزيد.....
-
RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
-
Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
-
الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز-
...
-
جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
-
نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ
...
-
الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف
...
-
ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
-
تصادم مذنب بشراع جاك
-
وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
-
فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
المزيد.....
-
عشاء حمص الأخير
/ د. خالد زغريت
-
أحلام تانيا
/ ترجمة إحسان الملائكة
-
تحت الركام
/ الشهبي أحمد
-
رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية
...
/ أكد الجبوري
-
نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر
...
/ د. سناء الشعلان
-
أدركها النسيان
/ سناء شعلان
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
المزيد.....
|