غسان صابور
الحوار المتمدن-العدد: 4755 - 2015 / 3 / 22 - 18:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
رسالة إلى السيدة الكبيرة مريم نجمة
سيدتي (الثورية) القديمة الأصيلة
أطالع كتاباتك باستمرار على هذا الموقع. وكانت كتاباتنا تتجاور من وقت لآخر. دون أن نلتقي. رغم أننا كنا نكتب دوما, أنت وأنا, عن نفس البلد المنكوب.. ســوريـا.. وما كنا ــ مع مزيد حزني ـ نلتقي. وأتصور صادقا أنك إنسانة مخلصة لهذا البلد وحياته وخلاصه وديمومته.. وأنت في الغربة مثلي من سنوات طويلة.. لا نملك بندقية, ولا قنبلة, ولا حزب معارضة, ولا حتى سكين مطبخ... لأننا أنت وأنا ــ وبهذا العمر ــ لا نملك سوى الكلمة...وأعتقد أنك مثلي لا تؤمنين بكل وسائل وأسباب وشرائع وأنظمة العنف...
قرأت مقالك ــ المسلسل المأساوي الباكي الذي يحمل العنوان :
" ثورة شعب. لا ثورة حزب. ولا ثورة نــخــب ــ 82 "
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=460195
كلمات وجمل وصرخات ثورية باكية مستبكية حزينة نادبة كاملة. وكتابة شعبية معروفة بالبلد الذي ولدنا فيه أنت وأنا. ولكننا اليوم يا سيدتي أمام (مشكلة عويصة) إسمها داعش. إسمها إرهاب إسلامي عالمي. خلافة إسلامية بمدينة الرقة, وأمير أو رئيس عصابة له أعلامه السوداء, بكل مدينة أو قرية أو حي... من عصور الحجر, يفجر البشر والحجر والكنائس والجوامع وكل آثار الحضارة والمعرفة الإنسانية, وأبسط حقوق الإنسان.. لأنها لا تتفق مع عقله المهلوس, ولا مع الشريعة التي فصلها على مقياسه شيخ مهلوس, يبتلع في اليوم الواحد عشرة حبات فياغرا.. ويمضغ عدة كيلوات من القات!!!.....
يا صديقتي الطيبة. هل تريدين مشاركة هؤلاء بمتابعة حرق الأخضر واليابس, حتى تقتلين بشار الأسد, أو تزيحينه عما تبقى من سلطة بهذا البلد... والذي أنا مثلك لا أحمل له كما لم أحمل لأبيه أي تأييد أو عشق أو وله. ولكنني لما أرى هذا البلد يحترق على محرقة الجهاد الإسلامي, وشعبه مهجر, وقتلاه لا يمكن اليوم لأية مؤسسة إنسانية نزيهة حيادية شريفة حــصــر أعدادهم.. على كل الأحوال أعداد فوق التصور...والموت أصبح عادة يومية بهذا البلد... إذن يا صديقتي.. يبقى بشار الأسد ــ حاليا ــ أفضل الحلول. حتى الخارجية الأمريكية أقرت أخيرا بهذا الحل البراغماتي, رغم غضب أصدقائها الأوروبيين الذين تورطوا خلال أربعة سنوات بعكس هذا الحل.. وما سمي المعارضات السورية الخارجية التي لم تجد ولم يكن بقدرتها ولا عندها أي حل... ولا يمكن لها بأشكالها وتركيباتها الهيتروكليتية أن تــصــل لأي حــل مقبول معقول.
انتقاداتك يا سيدتي, رغم مصداقيتها على ما أعتقد, تبقى ذكريات عاطفية. وأنا مثلك حملت معي من ثلاثة وخمسين سنة, عندما كنت بمطلع فتوتي وشبابي, غالب اعتراضاتي وأفكاري وآلامي وذكرياتي القليلة الجريحة.. وهاجرت.. ولكنني بقيت مربوطا بسرتي بهذا البلد الذي يقيت أتابع آلامه وجراحه ونكباته وعتماته وعنتريات خطبائه وزعمائه وشيوخه, وخرافاتهم المتعددة المغموسة بعصبيات دينية, وانتفاخ تماسيحه ومخابراته المتعددة, والتي بتفاصيل غريبة حزينة مرعبة عديدة, رأيت أنها لا تخبر عن أي شيء, سوى الدولار والأورو وأسعار الأسهم العالمية في البنوك التي تودع بها ثرواتها الآمنة, والتي جمعوها من آلية " اسمها الفساد الواسع المنظم " وطوروا البلد.. نعم طوروا البلد من دولة.. إلى مزارع عائلية.. أو لشركات غير مساهمة, إلا لأولادهم وزوجاتهم.. وبعض حلقاتهم المقربة.. وكررت محاولات قطع هذه السرة والتخلص من مـرض النوستالجيا سنوات وسنوات.. ولكن.. غالب محاولات شفائي منها ومن قطع هذه السرة.. خلال هذه السنوات الأليمة الحزينة الأربعة الأخيرة.. وما حملت من هلوسات دينية وجنون وفظائع وغرائب وأشكال لابشرية... ضاعت هباء......
كل هذا عرفته وتابعته وكتبت عنه في حينه.. وانتقدته.. وأرسلت مئات الرسائل إلى المسؤولين.. هــنــاك وهــنــا.. يعني إلى ما يسمى من سنوات بعيدة حزينة " وادي الــطــرشــان " !!!...
أعرف كل هذا يا سيدتي. ومن أحدثك عنهم.. يمكن للزمن أن يخلصنا منهم...
ولكن تبقى الخشية الكبرى.. إن ابتلع داعش كل البلد, بعد أن هيمن حتى اليوم على أكثر من ثلثه. هل تبقى لمن يرغب خلاص البلد وسلامته الحقيقية وسيلة واحدة للتخلص من داعش وأبناء داعش وشريعة داعش بعد ألف سنة؟؟؟... وهنا عقدة العقد يا سيدتي.. ومشكلة المشاكل العويصة... الا ترين ما قدمته لنا المعارضات الخطابية التي انتميت إليها أنت؟؟؟... ماذا قدمت؟؟؟... داعش, جبهة النصرة, جند الإسلام, وعشرات من مؤسسات القتل والذبح والتفجير وسحل كل البشر الذين لا يؤمنون بهلوساتهم الآتية من عتمات العصور.
لهذا السبب يا صديقتي الرائعة, أنا لا أدعوك لنسيان ذكرياتك وآلامك وجراحك وثورتك الدائمة.. ولكننا أمام خطر لا يعرف ولا يفهم ما معنى كلمة إنسانية.. وحتى أن غالبهم لم يعرف أي شيء عن سوريا قبل هذه السنوات الحزينة الأربعة.. ولا معنى كلمة ربيع أو كلمة عربي.. آتين من بلاد بعيدة, وسوريا آخر جسر لهم, حتى يصلوا إلى ملايين حوريات الجنة... وهل تأملين من هؤلاء إنقاذ البلد من بشار الأســد؟؟؟!!!.......
*********
الــوطــن وقــفــة عـــز... ورفــعــة رأس.
بهذه الجملة الرائعة ختمت مقالك الذي أحترم كل كلمة كتبتها, حتى آخر فاصلة... واسمحي لي أن أذكرك بجملة أقدم منها بسنين طويلة, قالها في الأربعينات من القرن الماضي إنسان حكيم رائع قتلته السلطات اللبنانية (حكومة رياض الصلح) بتاريخ 8 تموز 1949, لأنه أول من تنبأ بأخطار الصهيونية العالمية.. وكل ما جرى من نكبات وأنظمة في سوريا والعالم العربي... وحتى وصــولــنــا اليوم إلى عــتــمــات داعش... ولا بد أنك تتذكرين اسمه : أنــطــون ســـعــادة.
وهو الذي قال : الــحــيــاة وقــفــة عـــز.........
ماذا تبقى اليوم.. وماذا سوف يبقى اليوم من بلدنا وعزتنا وحياتنا.. وما تبقى من وجودنا.. هــــنــــاك وهــــنـــا... إن تركنا هذا البلد الذي خلق الأبجدية وأولى الحضارات, وقبل جميع الأديان بآلاف السنين.. إلى داعش وحلفاء داعش.. ومن خلق داعش.. ومول داعش.. وجعل منه روبويات Robots لإزالة ســـوريــا وتشتيت شعبها؟؟؟!!!......
أرجوك أن تتساءلي يا سيدتي... ولك مني ــ صــادقــا ــ كل مودتي واحترامي...
***********
على الهامش :
ــ نسبة الأمل بالحياة في سوريا التي كانت 75,7 سنة, انخفضت إلى 55,6 سنة. بعد أربعة سنوات من الحرب في سوريا. حسب آخر تقارير منظمة الصحة العالمية. نظرا لانتشار الأوبئة والنقص بالغذاء وافتقاد نسبة عالية من إمكانيات العلاج والمواد الطبية وانخفاض عدد كبير من الأطباء والاختصاصيين.
تقرير نشر البارحة بالعديد من مواقع الإعلام الأوروبية.
ولكن مع الأسف الشديد أغفل ــ عمدا ــ هذا التقرير " الأمبارغو " الآثـم المفروض على سوريا وشعبها الذي تسبب بشكل حــاســم بكل ما ورد بهذا التقرير من انحدار مستوى المعيشة في سوريا وتفاقم نكباتها.......
بــــالانــــتــــظــــار
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم.. هــنــاك وهــنــا.. وبكل مكان في العالم.. كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي.. وأصدق وأطيب تحية عاطرة مهذبة.
#غسان_صابور (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟