|
نعم ، العراق بلد عربي ولكنه ليس جزءا من الأمة العربية !
علاء اللامي
الحوار المتمدن-العدد: 1319 - 2005 / 9 / 16 - 08:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الاشتباك السياسي والدستوري القائم حاليا بين حلفاء الاحتلال والداعين بالتصويت بنعم على مسودة الدستور العراقي وبين مناهضيه الداعين لرفضه والتصويت عليه بلا ، يمس عدة مفردات ومواد من هذه المسودة . ومن تلك المفردات وأشدها أهمية واختلاطا هي تلك المادة الخاصة بهوية العراق . تقول الصيغة القديمة والتي ثبتتها الأنظمة القومية التي حكمت العراق بعد الانقلاب على النظام الجمهوري اللاطائفي بأن العراق جزء من الأمة العربية أما الصيغة الجديدة والمقترحة من مقبل حلفاء الاحتلال فتقول بأن العراق ( بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية./ المادة الثالثة ) الصيغة الأولى ( العراق جزء من الأمة العربية ) خاطئة تماما على الصعيد الماهوي والتكويني لأنها تخلط بين العراق ككيان جغرافي وسياسي وحضاري وبين العراق كشعب هو فعلا جزء من أمة أكبر منه تدعى الأمة العربية .افتح قوسا هنا لأقول بأنني لا أعتقد بوجود أمة العربية واحدة ومندمجة مجتمعيا تماما بل هناك أمة عربية في طور الاندماج شرق قناة السويس أي عرب آسيا وهناك شعوب عربية في شمال أفريقيا . بمعنى أن ثمة أمة عربية مندمجة أو هي في طريق الاندماج وذات أصول انثروبولوجية " سامية تحديدا " وثقافية " لسانية " تحديدا ،في الشام والعراق والجزيرة في آسيا ، وبين شعوب استعربت بعد انتشار الإسلام في شمال أفريقيا غير أن هذا ليس الوقت المناسب للإسهاب في هذا الموضوع ولنعد لما كنا فيه : حين نقول بأن العراق هو جزء من الأمة العربية فكأننا نقول بأن الكعبة جزء من الإسلام فكيف يكون ذلك ؟ الكعبة بناء مادي والإسلام رسالة سماوية روحية ! هذا – إذن - خطأ وخلط بين أمرين لا يتشابهان مادة وموضوعا . العراق وطن وبلد وهو كما قلنا كيان جغرافي وسياسي وحضاري هويته عربية لأن نسبة سكانه من العرب تفوق الثمانين بالمائة ولأنه مهد الساميين الأوائل والذين هم أجداد العرب الحاليين ولأن اسمه عربي وتاريخه عربي وهو مركز ومنطلق أرقى تجربة حضارية عربية إسلامية دامت عدة قرون ونعني بها الدولة العباسية وهذا كله لا ينبغي أن يلغي خصوصية الأقليات القومية غير العربية فيه . أما القول بأن الشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية فهو قول حق يراد به باطل . الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية هذا صحيح ولكن الجدل والسجال لا يدور لتحديد هوية العرب العراقيين التي لا تحتاج إلى تأكيد بل حول هوية البلد وهل هو عربي أم هو بلد عديم الهوية بسبب التعددية المتوازنة إثنيا فيه ؟ وكيف يمكن الكلام عن توازن إثني في بلد يمثل العرب فيه نسبة تفوق الثمانين بالمائة ؟ حلفاء الاحتلال ومناهضي عروبة العراق يحاولون خلط الأوراق فيستهدفون هوية البلد العربية عبر إبراز هوية غالبية السكان العرب وهذا محض انتهازية سياسية من النوع المبتذل وجهل انثربولوجي وديموغرافي أكيد . لنتساءل ما هي هوية البلد الوطن الذي يحمل اسم تركيا اليوم : إن هويته هي التركية الطورانية مع إن نسبة الأتراك أقل من نسبة العرب في العراق بعشرين بالمائة . سؤال آخر عن هوية إيران القومية اليوم : إنها فارسية آرية ( اتخذت اسمها الحالي "إيران " من العنصر الهندوآري الذي قامت على التعصب له و إعلاء شانه على الأمم الأخرى الفلسلفة النازية الهتلرية ) رغم وجود الأقليات العربية والكردية والإذرية والأرمنية في إيران وهناك إحصائيات تقول بأن الفرس في إيران هم أقلية ولكنهم منحوا هويتهم لإيران ككل وهذا أمر لا جدال فيه ولكنه لا ينبغي أن يغمط حقوق العرب والكرد و الإذريين فيه .. سؤال إلى أصدقاء إيران في الأحزاب الشيعية العراقية المنادية بإقليم في الجنوب والوسط العراقي : ترى مَن هم الأحق بإقليم إتحادي " فيدرالي " عرب العراق الشيعة أم عرب عربستان الذين تحتل إيران الآرية إقليمهم ؟ مع التفريق بين العروبة كانتماء ثقافي وبين القومية العربية كمدرسة عنصرية شوفينية أوجدها بعض القوميين العرب المتطرفين ، مع هذا التفريق الحاسم يمكن القول والتأكيد أن العراق بلد عربي الهوية تدين الغالبية العظمى من شعبه بالدين الإسلامي دون الدخول في التوزيع الطائفي للسكان دستوريا فهذا أمر شديد الخطر كما أثبتت جميع تجارب التأسيس الديموقراطي في العالم وسينتهي إلى تكريس المحاصصة الطائفية ويمكن ترك معرفة نسب الإحصائيات اللغوية والطائفية والجنسية في المجتمع العراقي للمتخصصين في العلوم " الاجتماسية " السوسيوبوليتيك وعلوم الإحصاء وكراسات السياحة التعريفية التي نجدها في البلدان الديموقراطية الماكنة للتعريف بمكونات المجتمع تعريفا بسيطا وموضوعيا . واستطرادا ، وحول موضوع الفرق بين العروبة والقومية العربية فهذا الموضوع ليس حديثا ومعاصرا جدا بل له تجلياته في تراثنا فثمة حديث ينسب للنبي العربي الكريم يقول فيه ما معناه( ليست العربية لأحدكم بأبيه أو أمه بل هي اللسان ) والمعنى أن العربية أو العروبة كما نقول في عصرنا الحالي ليست هي الانتماء العنصري والسلالي والدموي لدى الباحث عن العِرق العربي النقي الذي لا وجود له إلا في أذهان العنصريين ، بل هي اللغة أي الثقافة وهذا الفهم النبوي المحمدي للعروبة هو الأكثر تقدمية بما لا يقاس من عروبة اغلب القوميين المتطرفين الشوفينيين العرب . إن الغرق في الدفاع عن صيغة خاطئة كالقول بأن العراق جزء من الأمة العربية أو بمحاربة هوية العراق العربية الحضارية عبر التمشدق بالدفاع عن حقوق الأقليات فالهدف الحقيقي منه هو تعويم هوية العراق كبلد عربي كمقدمة لاستباحته وتقسيمه من قبل القوى الأجنبية . خلط من هذا القبيل يمكن أن نجده له مثيلا في المادة التي تقول إن ( الإسلام دين الدولة ) والتي لا تعني شيئا على الصعيد الماهوي أو السياسي أو القضائي ، فالإسلام دين يعتنقه الإنسان الفرد ،رجلا أو امرأة ، قبيلة أو شعب ، ولكن كيف يكون دينا للدولة ؟ ترى ما هو أبسط تعريف للدولة ؟ إنها مؤسسة مادية ومعنوية تدير شئون المجتمع بموجب دستور أو شرعة أو سلطان للأقوياء المسيطرين على دواليبها . بمعنى معين يمكن أن نقول إن ( الإسلام دين السيد فلان أو القبيلة الفلانية ) ويمكن أن نقول ( الإسلام دين الغالبية العظمى من الشعب العراقي ) أو ( الإسلام دين الشعب اليمني على اعتبار عدم وجود أديان أخرى في هذا البلد ) ولكن لا يمكن أن نقول ( الإسلام دين الدولة الفلانية ) لأن الدولة ليست ذاتا إنسانية مفردة أو متعددة تقوم بواجباتها الدينية فتصلي وتصوم وتذهب إلى الحج وتؤدي الزكاة .. الخ بل هي مؤسسة جزء منها معنوي كالقوانين والدساتير والأفكار السائدة ومادي كالبنايات والأسلحة والسجون ... الخ ، وبالمناسبة فقد انتبه المشرعون الدستوريون في تجربة وضع دستور للجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى هذا الخلط فأهملوا هذه المادة التي لا تعني شيئا ورفعوها من مسودة ذلك الدستور . ويعتقد بعض المؤرخين أن هذه المادة قد جيء بها في بدايات القرن الماضي ومع نشوء الدول الوطنية القطرية لطمأنة المؤسسة الدينية ورجال الدين المحترفين على امتيازاتهم ودورهم في الدول الحديثة التي بدأت بالنشوء في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية . ومع ذلك ،فمن الممكن ،والصحيح ، استبدال هذه المادة بمادة أخرى تقول بأن ( الإسلام هو الدين الرسمي لغالبية الشعب العراقي مع احترام وضمان حقوق الأديان والمعتقدات الأخرى) .
#علاء_اللامي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المعممون وفاجعة جسر الأئمة : بين تمجيد الموت العبثي والتستر
...
-
الفروق الظاهرة والمخفية بين الدستور واللطمية !
-
إنهم يكذبون ، ويشوشون على مظاهرات الجمعة القادمة ،والكرة في
...
-
ماذا يريد التكفيريون : تحرير العراق من العراقيين أم من المحت
...
-
فيدرالية فيلق بدر - تنـزع القناع نهائيا عن حزب آل الحكيم !
-
مشاهد وشهادات من داخل مؤتمر بيروت حول - مستقبل العراق والجبه
...
-
مداخلة ممثل التيار الوطني الديموقراطي في ندوة بيروت - مستقبل
...
-
قراءة في الدستور السويسري 2 من11: لغات الدولة والمساواة ومبد
...
-
قراءة في الدستور الاتحادي السويسري1من11: خلفية تاريخية وشكل
...
-
اقتراح لفدرالية محافظات عراقية تكون فيها -كردستان -محافظة وا
...
-
الحملة المدانة لاستهداف اللاجئين الفلسطينيين في العراق : حقا
...
-
الأمريكان يجعلون أطفال العراق دروعا بشرية و التكفيري يفجرهم
...
-
هل تمرد الزرقاوي على تعاليم شيخه البرقاوي ؟
-
حول التصريحات الطائفية المشؤومة للملا عبد العزيز الحكيم !
-
هل يمكن توحيد -يسار- يرى في الإمبريالية محررا مع -يسار- يرى
...
-
متى كان الحزب الشيوعي ضد خيار الحرب والاحتلال والمحاصصة الطا
...
-
المسفر والأفندي وهارون و الغزو - الشعوبي الصفوي - للعراق
-
السيستاني يفتي حول الكهرباء، والدوري يريد إعادة صدام إلى الر
...
-
هيئة العلماء المسلمين وقضية كتابة الدستور العراقي الدائم .
-
لماذا انتخب الطالباني في ذكرى تأسيس البعث وأحضر صدام لمشاهدة
...
المزيد.....
-
قائد الحرس الثوري يرد على تهديدات ترامب: -العدو في مرمى نيرا
...
-
-مدن الصواريخ- الإيرانية: لماذا تكشف طهران الآن عن مواقع إطل
...
-
مايك بنس: ترامب مستعد لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران إذا ل
...
-
الدوري الألماني.. ليفركوزن يحافظ على آماله ولايبزيغ يستعيد ط
...
-
?ào vàng 789club – Th? v?n may, ki?m kho b?u ngay hôm nay
-
Cùng xèng hoa qu? 789club kh?m ph? ?o?n ???ng ??n kho b?u
-
Tr?i nghi?m th? bi zic zac 789club – ??ng b? l? m?n quà ??c
...
-
المغرب.. النيران تلتهم جناحا بفندق كريستيانو رونالدو بمراكش
...
-
لبنان.. فضل الله يتراجع ويدعو إلى -السماح للمذيعات بالظهور
...
-
-سنعيد الأصول لبوتين!-.. الغرب يخشى انتهاء العقوبات على روسي
...
المزيد.....
-
حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3
/ عبد الرحمان النوضة
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
المزيد.....
|