أثير الغزي
الحوار المتمدن-العدد: 4724 - 2015 / 2 / 18 - 01:12
المحور:
الادب والفن
سقوط
انفرطت مسبحة جدي وتناثرت على الأرض. .كانت فيروزية من النوع الفاخر. تعودت أصابعه على طقوسها انقبض قلبه لانفراطها. دمعاته اللؤلؤية غادرت عينيه مثلما غادرها البصر. تدحرجت على خدّيه وهو يجمع ما يتلمّسه واضعا ما جمع في حجره ،عدّها فوجدها ناقصة...
- يا حاجة تعالي ابحثي معي عن بقية حبات المسبحة الحاجة: لقد ابتلعها الديك الأمريكي الأحمر.
JJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJJ
يمتلك الفضاء المعرفي للنص مساحات تأويلية قادرة على التشظي في هيئة خطاب سردي له القابلية المفاهيمية المؤطرة بكينونة الواقع وإلتقاط أجزائه المتناثرة ومحاولة ايجاد الأنسجام بينها واعادة الأتزان إليها من خلال القراءة التأويلية.
يقول مصطفى ناصف:" إن تأويل النص يعني الاعتراف بفرديته التي طغت عليها"
لذا تؤسس الكاتبة هيكليتها البنائية على أساليب طليعية تتوائم مع الصراعات الداخلية والخارجية للواقع على صعيد الشكل والمضمون، وتُبقي على مناخ التركيب اللغوي واختيار الموقف الفردي لتأويل خزينها المعرفي وفقاً للحاجة الفكرية المتزايدة في المجتمع المعاصر. وإذا كان النص يخضع لطائفة من القواعد المولدة أو المؤسسة، فإنه في الوقت نفسه ينمو نموا فرديا.
وبناءً على ذلك ترتكز قصة (سقوط) للكاتبة منتهى العيداني على عدة مبادىء ومرتكزات نظرية من جهة، ومفاهيم ومصطلحات إجرائية من جهة أخرى، ويمكن حصرها في التوجهات التالية:
1- الاعتراف بالهوية الذاتية للكاتبة: تتحدد اللغة بالقرائن التلفظية كالأفعال والأسماء، والضمائر ، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان. بمعنى أن سياق التلفظ أو التكلم دليل على وجود الذات المتكلمة، وحضورها كينونة وفلسفة وهوية.
* استكشاف الذات المتكلمة من خلال السياق
(مسبحة جدي)، (كانت فيروزية من النوع الفاخر)، (تعودت أصابعه على طقوسها)، (دمعاته اللؤلؤية غادرت عينيه مثلما غادرها البصر)
وعليه، فإن القراءة التأويلية الإستكشافية للنص، والانتقال من الظاهر إلى الباطن، ومن السطح إلى العمق، يحيلنا إلى تأويل الدلالات الحرفية الظاهرية المباشرة بدلالات رمزية مجازية أو إيحائية إلى شخصية من أسرة مسلمة، تعيش مع أو بالقرب من جدّها العجوز الذي فقد بصره بفعل الشيخوخة، وهذه الشخصية (الجد) تحافظ على المقتنيات الثمينة (كانت فيروزية من النوع الفاخر) متعلقة بها بفعل الممارسات الدينية ومواظبة عليها (تعودت أصابعه على طقوسها).
2- التركيز على الإحالة والمقصدية: لا بد للمؤول أن يقرأ النص قراءة ذاتية من أجل فهم الذات، وفهم الغير، وفهم العالم الخارجي لتأسيس هويته الشخصية. ومهما كان النص تخييليا أو علاماتيا أو رمزيا، فإنه ينقل عبر استعاراته ولغته ومخياله العالم الخارجي، أو المعطى الواقعي المادي محاكاة وتماثلا وتقابلا.
ومن هنا تحيلنا معطيات النص إلى عقدة ترتكز على مفهوم معاصر، ألا وهو التفريط بالكنز سواء كان هذا الكنز (الأرض أو خيرات البلد الاقتصادية والبشرية أو حتى المعتقدات الدينية) بفعل الأحتلال واغتصاب الأرض ونقل الثقافة العدوانية المبنية على الصراعات الطائفية وغيرها، والمستفيد الوحيد هو (الديك الأمريكي الأحمر)!!.
3- الاهتمام بالخطاب في كليته العضوية: يقول الدكتور مصطفى ناصف:" وهنا، نعتمد على تحليل الخطاب من حيث هو عمل بأكثر مما نعتمد على تحليله من حيث هو نص مكتوب" وعلى ما أظن ومن خلال القراءة الكلية للنص نجد أن الخطاب موجه للشعوب التي تقبع تحت سيطرة الأحتلال، فرعب الأحساس بهذا الزمن المخرَّب، ورائحة الموت المشتمة منه، هو الذي دفع الكاتبة إلى هكذا نوع من الخطاب.
4- النص عالم رمزي مفتوح ومتعدد المعاني: يرى الدكتور مصطفى ناصف:" إن النصوص الأدبية- بالمعنى العام- تقوم على آفاق ممكنة يمكن أن تحقق بوسائل مختلفة. هذه الخاصية تتصل في الأغلب بدور المعاني الاستعارية والرمزية الثانية بأكثر مما تتصل بنظرية الكتابة العامة"
ومن هنا يمكن أن نلاحظ دورا توسعيا في حقل العبارات داخل النص، ولأن الأدب يتأثر بهذا التوسع بحيث يمكن أن يعرف في حدود العلاقة بين المعاني الأولى والمعاني الثانية. فإن النص مفتوح على قراءات أخرى نترك لها المجال للناقد الكريم.
5- الجمع بين الداخل والخارج: ينبني الداخل على استخلاص البنيات والثوابت التي تتحكم في العلامات.
فالكاتبة عندما تقول:
انفرطت مسبحة جدي وتناثرت على الأرض... تعودت أصابعه على طقوسها... انقبض قلبه لانفراطها...
تواجهنا بنوع متداخل من الزمكانية، الزمان هو وقت الصلاة، المكان هو المحراب
والبعد " الزمكاني" يأخذ حيزاً دلالياً لتجسيد المشهد وفق طابع مشهدي قصير؛ لحكمة الكاتبة ودربتها في إيصال الفكرة والمقصدية للمتلقي، والمقصدية هي الفهم بالقراءة الـتأويلية والحدسية لاستخلاص المعنى الكلي.وهو المقصود بالخارج.
6- الإحساس بالتاريخ والوجود والهوية: إذاكانت البنيوية أو السيميائيات تعنى بالبنى الصورية والمنطقية المتعالية، فإن الهيرمونيطيقا أو السيميوطيقا التأويلية تهتم بالذات والهوية والوجود والتاريخ. ويعني هذا أن تأويل نص (سقوط) ساعدنا على فهم نفسية الكاتبة ومحافظتها على القيم والثوابت( تاريخ، وجود، هوية) جاعلةً من النص موجةَ خطاب لإستنهاض الذات والعالم المقيد . ودلالة ذلك ياء النداء (- يا حاجة تعالي ابحثي معي عن بقية حبات المسبحة.. الحاجة: لقد ابتلعها الديك الأمريكي الأحمر.) والمقصدية لمّا وراء النص هو انتزاع الحق (بقية حبات المسبحة)(التاريخ والوجود والهوية) من بطن (الديك الأمريكي الأحمر)
نصٌ موفق شكراً للكاتبة منتهى العيداني ولمزيد من الابداع.
#أثير_الغزي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟