المسعودي محماد
الحوار المتمدن-العدد: 4707 - 2015 / 2 / 1 - 04:35
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ماذا تكون المرأة..؟
دريدا قارئا لنتشه
إن القراءة الكلاسيكية لصورة المرأة في الخطاب الفلسفي تقدم لنا نموذجا نمطيا كون أن المرأة لا جوهر لها، لأنها تفترق وتبتعد عن ذاتها، تنغمر في ذاتها وترسل اللاهوية، وبعبارة أخرى أن المرأة هي اسم للاحقيقة الحقيقة، هذه هي مفارقة الفيلسوف نيتشه، فهو يؤمن بأن المرأة هي الحياة، ولكنه يقصيها من الحقيقة، فالحقيقة باعتبارها امرأة أو حركة الحجب والاختفاء ترهق الذات الباحثة عن الحقيقة، وتعذب الفيلسوف الذي لا يكف عن التساؤل عنها، ومن ثم فالفيلسوف الدوغمائي الغارق في ميتافيزيقاه لم يفهم شيئًا لا في الحقيقة ولا في المرأة،التي اعتبرها بمثابة الوباء القاسي الذي يقيم مع الرجال,هكذا صارت المرأة متهمة تاريخيا كونها ليست سوى ذكر ممسوخ, تمتص الرجل من أسفله و تستهلك رجولته كانتقام له من دون وعي, لهذا يبقى الرجل دائم الخسران في المبارزة الجنسية أمام المرأة كقدر مشؤوم تمنعه من أن يكون نفسه, سواء كانت زوجة أو عشيقة, فآدم بخوضه شهوة الجسد و تذوقه من تلك اللذة المحرمة يكون قد نقل بذلك الخطيئة إلى الأجيال التي أعقبته, و بالرغبات الجنسية تبقى المرأة في حظيرة الدواجن غير المجنحة , كونها خلعت عنها جلد الإنسانية و ارتدت جلد البهائم .
غير أن قراءات دريدا لنيتشه تثير نقطة خلافه الكبير مع كل الذين أساؤوا فهمه للمرأة , هكذا يوضح دريدا كيف أن هذه القراءة ممكنة عن طريق البدء بمساءلة موقف نيتشه المشهور والقاسي ضد الأنوثة. فما يقوله نيتشه ويكرره بإصرار كبير, أن المرأة مصدر كل الحمق والجنون، وهو في الحقيقة رمز يغري الفيلسوف الذكر مبتعدا به عن طريقه المؤدي إلى الحقيقة، لكن هناك نوعا من المفارقة المورطة بذاتها هنا، يشير إليها دريدا بسرعة, إذا كان نيتشه قد انشغل هو نفسه تماما بهذا التدمير الماكر للفلسفة حين عمل على تفكيك أنظمتها ومفاهيمها, وهو انشغال يبدو رذيلة لامرأة غريبة الأطوار، وإذا كانت المرأة بالفعل نقيضة للحقيقة ومبدأ للجنون، فإنها عندئذ تعد حليفة لنيتشه في حملته ضد البناء النظامي العظيم للفلاسفة الذكورين بدءا من أفلاطون وانتهاء بكانط وهيغل, مما يعني في النهاية أن كل الانتقادات العنيفة ضد الأنثوية التي يعلنها نيتشه الساخر لها سمة ذات حدين، مما يجعلها تنقلب دائما ضد قصد نيتشه المعلن وبمفردات دريدا.
وعندئذ تصير المرأة هدفا لاحتقار نيتشه الكاره للنساء وصورة رمزية بهذا المنطق الغريب للقلب, تؤدي به إلى مخاصمة السلطة العليا للعقل على حد سواء. ولأن المرأة مرتبطة في كل موضع عنده بالمجاز والأسلوب والكتابة,فان هذه الحيل يعممها نيتشه ضد مزاعم الفلسفة السائدة عن الحقيقة وبذلك يستثمر الارتياب القديم في اللغة الشعرية أو الرمزية, وهكذا يشرع نيتشه في الكشف عن بعض الحيل التي تحمى الفلسفة من اختبار رموزها ومجازاتها التأسيسية, إنه شروع بدأ به دريدا جداله في الميثولوجيا البيضاء,فمنذ أرسطو حتى الآن يسعى الفلاسفة الى تعريف المجاز بوصفه فقدا مشروطا للمعني واقتصادا للخاص دون تلف يتعذر ترميمه وبوصفه انعطافا يتعذر اجتنابه .وهكذا، فعندما ربط نيتشه المجاز بالمرأة وبكل شيء يخدع أو يغوي أو يفسد هيمنة المفاهيم الفلسفية فان تأكيداته تلك نادرا ما تم تناولها في مواجهة القيمة. ويجادل دريدا بأنه ليس كافيا أن نقلب حدي التعارض الأساسي فحسب ونعلن أن المجاز سيمثل من الآن فصاعدا حقيقة الفلسفة أو أنه اسم أنثوي لمبدأ ما متعال فيما وراء استراتيجيات العقل الذكري المختزلة. وعند هذا المستوى يظهر اللاحسم بين كل الافتراضات المتعلقة بالمجاز والمرأة. فمن المستحيل أن نفصل أسئلة الفن والأسلوب والحقيقة عن سؤال المرأة. وعلى الرغم من ذلك فان السؤال ماذا تكون المرأة ؟ هو نفسه موجها بواسطة الصيغة البسيطة لاشكاليتها العامة.. مؤكدا أن المرأة ليست موجودة في أية إشكال مألوفة من المفهوم أو المعرفة، إضافة إلى أنه من المستحيل أن نقاوم رغبة البحث عنها, ومن ثم يزعم دريدا أن نيتشه لم يكن متضاربا فقط في موقفه تجاه المرأة بل يمكن أيضا أن يقرأ بوصفه مقاوما نسويا خفيا لكل تجاوز أو إعلاء لسؤال الاختلاف الجنسي,و حسب دريدا فإنه وعندما يصف هيدغر نيتشه بأنه آخر الميتافيزيقيين فإنه لم يكن قادرا على التفكير في الاختلاف الانطولوجي وأولية الوجود اللذين يتخاصمان، في النهاية مع هذا التقليد ,كما يعتقد دريدا أن قراءة هيدغر هي مجرد تفاهات لا قيمة لها , نظرا لأنه يبحث عن حقيقة نص نيتشه بطريقة لا تبالي بقوى النص التي تثير التشويش, وعلى هذا النحو المشار إليه فان سؤال المرأة ليس بأية حال سؤالا خاصا بمنطقة من مناطق الجسم في نظام أكبر سيخضعه أولا لحقل الانطولوجيا الشاملة، ثم لميدان الانطولوجيا الجوهرية، وفي النهاية لسؤال حقيقة الوجود.
لقد كان مشروع هيدغر من أجل هرمنيوطيقا وجودية أصيلة، عندما فكر في الرجوع إلى ما وراء هذا الانحراف الفاجع عن الحقيقة الموثوق بها, ذلك الانحراف الذي يسم تاريخ الفكر الميتافيزيقي من أفلاطون إلى اليوم , وما يجعل هيدغر يبقى على هذه القراءة لنيتشه كونه يعامله فقط بوصفه مبشرا محدود الأثر في المشروع التأويلي المجيب عن أسئلة الأسلوب والسياسات الجنسية. فكل ما يلصقه نيتشه بالمرأة يشير إلى اضطرار هيدغر إلى أن يتجاهل كل ذلك من أجل مصلحة موقفه الهرمنيوطيقي المحدد مما يربك تماما المشروع الهيدجري.
المسعودي محماد, المغرب
#المسعودي_محماد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟