أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة حارَة 31















المزيد.....

سيرَة حارَة 31


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 4643 - 2014 / 11 / 25 - 00:40
المحور: الادب والفن
    


1
أعراس الحارة، كانت أقرب إلى التقليد الشاميّ منه للكرديّ، كونها غير مختلطة ويغلب عليها الأغاني والرقصات المحلية. على الرغم من ذلك، فإن هذه الأعراس كانت مبهجة وخصوصاً عراضة العريس، التي كان يتخللها إطلاق كثيف للنار وهتافات تحيي الحارة وتفخر بقومها. إلى أن دَهَمَ أعراسنا تقليدٌ جديد، دخيل، تمثّلَ هذه المرة بقلب أفراحها إلى أذكار وأناشيد وخطب، دينية....!
في بداية السبعينات، كانت " شبيبة الثورة "، البعثية، أشبه بمنظمة سرية في ركن الدين؛ هو الحيّ الكرديّ، والذي كان ما يزال يشهد نشاطاً شيوعياً كبيراً بين فتيانه تحت مسمّى " الشباب الديمقراطي ". وإذا بتنظيمٍ جديد، دينيّ، يظهر هذه المرة بإسم " الشباب المؤمن " مؤلفاً من بعض الجماعات، التي كانت تلتف آنذاك حول المفتي كفتارو والخطيب مروان شيخو. كان التنظيم يحظى بدعم وتشجيع أجهزة الدولة، الخفية، وربما أنه من صنعها أيضاً....!
" أبو الفتوح "؛ هوَ ابن جيراننا، وكان أحد أولئك الشبان ومن أكثرهم تزمتاً وعداءً للانتماء القوميّ والفكر التقدميّ. عرفَ اليتمَ مبكراً نوعاً، علاوة على البؤس والحرمان. إلا أن أخواله ( تزوج ابنة أحدهم لاحقاً )، الذين يقيمون مع أسرته في ذات المنزل، كانوا يقدمون المساعدة ما أمكنهم ذلك. فضلاً عن معروف أهل الخير، من الجيران القريبين والبعيدين. عمي، كان الأكثر كرماً وعطفاً على هذه العائلة، المبتلية باليتم والفقر. على ذلك، فإنه رحّب فيما بعد بأبي الفتوح، حينما زاره ذات مرة مع مجموعة من المستثمرين. إذاك، كان ابن جيراننا قد أضحى طالباً جامعياً وأحد وجوه الشباب المؤمن. وكان التغيّر، أيضاً، قد شمل هيئته ومظهره جميعاً. في ذلك اللقاء، وافق عمي على وضع ماله في مشروع جمعية سكنية اسلامية، من المفترض أنها ستشتري أرضاً كبيرة في الحيّ لتقيم عليها أبنية حديثة. مضى العام وراء الآخر، فلا أبنية نبتت من الأرض ولا يحزنون. بعد حوالي خمس سنوات، أعاد أبو الفتوح أموال المساهمين في الجمعية بعدما أخبرهم بإفلاسها. آنذاك، كان الرجل قد أضحى رجل أعمال، حتى أنه لم يكمل دراسته الجامعية. وما لبث أن نقل أعماله إلى أبو ظبي، فافتتح فيها مكتباً تجارياً ناجحاً بدأ يدر عليه أرباحاً كبيرة. أحد الموظفين في المكتب، وكان مصرياً، استضاف معلّمه ذات يوم في شقته. ثمّة، تعرّف صاحبنا أبو الفتوح على شقيقة الرجل وما عتمَ أن عقدَ عليها زواجاً عرفياً.

2
" المقدور "؛ هيَ الكلمة الأكثر تداولاً في محكيتنا، والتي تعكس مدى ايماننا بالقضاء والقدر. إذ لطالما اعتقد الانسان بأن حياته مربوطة بخيوط خفية، سرانية، تحركها يد القدر مثلما يفعل الفنان مع الدمى في مسرح العرائس....!
" عمار "؛ ربطته قرابة مع بيت العمة، الذين كانوا يقيمون في حارة جامع النصر. كانت هامته من العلو والضخامة، حتى ليبدو عن بعد كأحد أساتذة مدرستنا الابتدائية. على الرغم من قوته، فإنه لم يكن عدوانياً. أدهشنا ذات مرة، حينما تساءل معلمُ الصف الخامس ( كان شيوعياً من السويداء ) ما إذا كان أحدنا يعرف الغناء الكردي. إذ وقفَ زميلنا العتيّ، وما لبث أن ارتفع صوته، القوي والخشن، بأحد المواويل القديمة. ثمّ انتقلنا لاحقاً إلى الاعدادية، ولكن زميلنا سرعان ما رسبَ وهجرَ الدراسة. يبدو أنه بدأ آنذاك بالتسكع، مما جعله في مواجهة مع أهله. ولكنه عم الأب، من صمم ذات يوم على تربية الغلام الضخم. وكانت النتيجة، أن أصيب عمار بعاهة دائمة في يده. ثم أخذت صحته النفسية تتدهور، أيضاً. قبيل وفاته في ذلك العمر المبكر، رأيته في أحد الأيام بالشارع العام. فهالني التغيّر المريع، الذي دهَمَه: كان وجهه متغضناً، فيما يده المشلولة كانت قد تقوست تماماً. بدا كأنه عجوزٌ، أحدب....!
" ديبو "؛ هوَ ابن جيراننا، المقيمين في زقاق آله رشي، المجاور. هذا الشاب، الذي يكبرني بعقد من الأعوام على الأقل، كان طويلاً ونحيلاً. سمرته وأنفه المعقوف، كانا يجعلانه أشبه بطير الخطاف. إلا أن جارنا، في المقابل، كان يعتقد بأنّ صوته صادحٌ كالبلبل. في الأعراس، كانت موهبة صاحبنا تأبى إلا تعكير مزاج الحاضرين، خصوصاً في تقليد أغاني عبد الحليم. أسرته، وهيَ الأفقر في الحارة، كانت محشورة في حجرتين حَسْب من منزل كالخرابة. شقيقتاه، المهووستان بحكايات الجان، كانتا تؤمنان بأن منزلهم مسكون. ولكنه ديبو، من كان قد بدأ يهيم في العتمة كالشبح وهوَ يتمتمُ بأغانيه المفضلة. والدتهم، ارتأت بأن الزواج حلّ مناسب لحالة هذا الابن، البكر. تزوجَ فتاة من ريف الساحل، أنجبت له دزينة من الأولاد. ولكن حالته النفسية ازدادت سوءاً، حدَّ أنه كان يُحجز بالقوة في البيت. ثم ما لبثت المرأة أن هربت إلى أهلها، تاركةً الأولاد بعهدة أبيهم شبه المجنون.

3
في دمشق، كان أبناء الأقليات العرقية والمذهبية يعيشون جنباً لجنب. فالشيعة، اختاروا الاقامة في حارة اليهود. الأرمن، شاؤوا اللجوء إلى أبناء دينهم في حيّ القصاع. الدروز، سكنوا على أطراف ريف الشام، حيث تكثر القرى المسيحية....!
أما حيّنا ( ركن الدين )، فإن أصحابه الكرد انعزلوا قروناً عن أبناء المدينة. بقيَ الحيّ متوحّداً هكذا إلى نهاية الأربعينات، قبل أن يصبح بدَوره مهيئاً اجتماعياً ونفسياً لتقبّل جيرة الآخرين؛ كالشراكسة والفلسطينيين والنصارى والدروز والاسماعيليين والعلويين وغيرهم....!
علاوة على أولئك الأغراب، الذين شكلت مجموعات منهم حاراتها الخاصّة في الحيّ، كان ثمة أسر من الأحياء الدمشقية ( أو حتى من المدن الأخرى ) تعيش بين ظهرانينا. في الزقاق، فتحنا أعيننا على الحياة ونحن متآلفين مع أبناء الجيران، المنسوبة عائلاتهم إلى نسائها؛ كما هيَ عادة الكرد مع القريب والغريب: " بيت الشامية "، " بيت الصالحانية "، " بيت الحلبية "، " بيت الحموية "، " بيت الحمصية ". إلا أن أهالي هذه الأسر، عموماً، لم يسمحوا لأولادهم بالمشاركة في ألعاب أولاد الحارة المتسمة بالعنف والتهور والطيش. آنذاك، كانت جغرافية مغامراتنا لا تعرف الحدود. ولكن ثمة أماكنَ محددة، أثيرة، كنا نغشاها في طفولتنا وخصوصاً في أوان العطلة الصيفية؛ النهر والبساتين والجبل. باستثناء أولاد الفران، صاحب التنور المعروف باسمه " أبو حاتم "، فلم يكن أحد من أبناء جيلنا يعمل خلال العطلة. وعلى العكس من ذلك، كان أغلب أولاد جيراننا الغرباء: بشير ابن الشامية، كان يرافق أخاه الكبير إلى محل الحدادة. ورضوان ابن الصالحانية، كان يعمل مع والده. وهذا حال ابن خالته، محمد، المعروف بـ " اين الحلبية " على الرغم من كون والده حلبياً وليسَ أمه. محمد، ابن الشيخ الدرع ( وأصلهم من حماة )، كان من النادر أن يختلط معنا حتى في الزقاق. أما وليد، ابن المسيحية، فقد كان يرافقنا في مغامراتنا هوَ وحمدان، ابن الجارة الصالحانية الأخرى. جيرانهم، كانوا معروفين بـ " بيت أبو عمران الكويتي ". ابنهم الوحيد، كان أيضاً مضروباً عليه نطاق الحظر ولم يكن يشاركنا ألعابنا ومغامراتنا. والده، كان أصلاً من حوران وعمل لفترة طويلة في الكويت. لاحقاً، صارَ هذا الولد أكثر انطواءً بعدما عرفَ بأننا عَرِفنا طبيعة عمل أبيه. الرجل، صاحب اللحية المعطرة والجبة الأنيقة، كان يترزق هناك من غسل الموتى.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرَة حارَة 30
- مريم فخر الدين وسحر السينما الكلاسيكية 2
- مريم فخر الدين وسحر السينما الكلاسيكية
- سيرَة حارَة 29
- سيرَة حارَة 28
- سيرَة حارَة 27
- سيرَة حارَة 26
- نساء و أدباء
- سيرَة حارَة 25
- سيرَة حارَة 24
- سيرَة حارَة 23
- سيرَة حارَة 22
- سيرَة حارَة 21
- سيرَة حارَة 20
- الرواية: الفصل الرابع / 2
- الرواية: مستهل الفصل الرابع
- سيرَة حارَة 19
- تاجرُ موغادور: الفصل الثالث / 7
- تاجرُ موغادور: الفصل الثالث / 6
- تاجرُ موغادور: الفصل الثالث / 5


المزيد.....




- -نيويورك تايمز- تنشر فيديو لمقتل عمال الإغاثة في غزة مارس ال ...
- سفير ايران لدى موسكو: الثقافة والفن عنصران لاستقرار العلاقات ...
- الرواية القناع.. توازي السرد في -ذاكرة في الحجر- لـ كوثر الز ...
- وزير الخزانة الأمريكي: زيلينسكي -فنان ترفيهي- محاط بمستشارين ...
- بعد هجوم النمر.. دعوة برلمانية في مصر لإلغاء عروض الحيوانات ...
- صدور لائحة اتهام ثالثة في حق قطب موسيقى أمريكي (صور)
- المنتدى المتوسطي للشباب بالمغرب يستضيف وفدا طلابيا أميركيا ف ...
- مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة الأبحاث وأخلاقيات ا ...
- الشرطة البريطانية توجه خمسة اتهامات جنسية لفنان كوميدي شهير ...
- -ترويكا-- برنامج جديد على RT يفتح أمامكم عوالم روسيا


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة حارَة 31