أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - العجوز الحلقة التاسعة














المزيد.....

العجوز الحلقة التاسعة


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 4604 - 2014 / 10 / 15 - 12:36
المحور: الادب والفن
    


......................
كانت النسمة رخية، والسنابل تموج ذهبية، كالبحر العارف لكل شهور السنة، الحادب على أيلول. كان الصيف الفصل المفضل لجميلة، يختال فيه صدرها، يبتهج فيه جسدها. حملت بيدها منجلاً، حملت الفجر بيدها. الفجر، الفجر المحبور. كان الفجر قدرها، وكانت فكرة الحرية.
- أكاد لا أصدق! قالت جميلة، أكاد أموت من الفرح!
- يا حلوتي! همهم سيف، يا امرأةً طيبةً الأرضُ لها عاشقة!
- هل كل هذا الخير لنا؟
- من السياج إلى السياج!
- نعمة السماء!
- كان كدنا كبيرًا.
- يا لك من شجاع، يا سيف! هل تريد قليلاً من الحليب؟
- أريد أن أشرب القليل بدلاً من كثير.
- الحنان سيكون لك، وأشياء كثيرة أخرى. هل أنت ظامئ؟
- الآن أنا ظامئ، جِد ظامئ!
- هاكَ، قالت وهي تمد طاس الحليب، وهي تقبله، ارو عطشك، لتحفظ ماء نهر الشهوة حتى المساء.
جرع من الحليب جرعتين طويلتين من يديها.
قالت له:
- هو لذيذ، أعرف، فهو طازج! هل هو لذيذ؟
- هو لذيذ! اللبن والعسل وشفتاك ألذ ما على هذه الأرض!
قبلته أيضًا، ومنعته من أخذها بين ذراعيه.
- ألم تعد ظامئًا؟
- أنا ظامئ لك!
- أنا، ستشربني هذا المساء... والآن وقد شربت من يديّ؟
كانت تشع، تشع، والأشرعة تبحر في الضوء، وفي بسمتها يزهر كل الحب للزوج، للأرض، وللقمح. للريباس الأسود.
- إذن... ماذا، يا حلوتي؟
- هل نبدأ أم ماذا والمناجل جلخناها وجبل الزيتون سقيناه؟
- نبدأ، يا حلوتي.
قفز أمامها، وتقدم نحو الشاطئ، حيث بحر القمح يلقي بأمواجه. كان وقت الحصاد. القمح والحُب، الماء والضوء، الحليب والقُبَل. كان وقت النفوس والأجساد التي تهتز على صورة جميلة وسيف، الشكيمة والبأس. أصاب الناس الداء وجرى بينهم الخلاف الممزق لرؤساء القرى إلا أن لا شيء مس قلوب العشاق، ولا المعجزات التي تبدعها أياديهم. التفت إليها والسعادة تدوخه، وصاح بها: "ماذا تنتظرين؟" صيحة قوية، عميقة، مزيجة بصيحات أخرى لا تدرك بالحواس.
لم تكن جميلة تنتظر غير هذا، هي التي صبغت يدها بفن من فنون الحكم. وضعت طاس الحليب على الأرض، ورفعتِ العُنُقَ رفع الدجاجة الشابة لعنقها، في حركة من الفخر والاعتزاز. ثم، وهي تقطر جذلاً:
- أن تناديني، فأجيئك مثل أنثى ليست صابرة!
فصاح من جديد، بأقوى ما يقدر عليه:
- تعالي! أنا أنتظرك لنبدأ. أنت التي كل النساء لي!
ركضت نحوه، وما لبثا أن أخذا بالحصاد، وهما يقبلان بعضهما، كمن يجرد سيفه من غِمْدِهِ، فتكبر حركة التموج، وتعمق، وتضع يد البحّار ضَمَّة من الذهب على الساحل. المراكب تموج، الذراع تعانق القمح، والمنجل يتقدم في الموج، بينا يفتح السمك معبرًا أمام الجسدين. شق كل منهما دربًا في اللامدى، واللهاث نفسه يجعلهما يتقدمان على نفس الإيقاع، وتنبثق أحلام الليالي الطويلة من الدجى، هنا، على شفرة المنجل. الآمال السعيدة. كانا يغنيان اللحن نفسه، كل على حدة، ويغنيان معًا:

يا ميجنا، يا ميجنا!
أُعطيني أنا لما تعطيني أنا
أرضي
كل هذا الخير!

وكذلك:

على دلعونا، على دلعونا!
غَنِّجْها تُغَنِّجُكَ
امكرْ لها تُمْكِرُ لكَ
لتقفَ على السر!

عندما عَمُقا في الحقل، توقف جميلة توقف شجرة تميل على جذورها، وقالت محبورة:
- بانتظار "الضيف" عمل شاق.
الضيف وما أدراك ما الضيف، والضيف كان الجحش. هذا الحمار الصغير الذي يرهقه كل فلاح بالأثقال، أرادت جميلة أن تعافيه من كل مهمة صعبة.
- صغير السن هو، وأنا أخشى عليه من التعب.
- جعلته يرتاح منذ ثلاثة أيام. لا تنسي، يا جميلة، أنه أخي الوحيد.
- ثلاثة أيام راحة ليست كافية لما ينتظره من عمل، فهو لم يزل صغيرًا جدًا.
- راحة "صغير العائلة" لا تفعل سوى زيادة كسله.
- هذا صحيح.
- بشرط المعاملة بالمثل.
- هو شجاع كأخيه الكبير!
أضحكتها فكرة أن يكون عم أطفالها جحشًا، فاتنة الضحكة، ناعمة الرنة. تحول بحر القمح إلى أكوام، إلى العديد من أكداس الذهب والأحلام، فسألت:
- كم من الوقت سيحتاجنا لدرس القمح؟
- هذا يتوقف على همة الضيف.
- وعلى همة أخيه...
ومن جديد، ضحكت الدنيا.
تردد سيف، أجرى حساباته، ثم:
- ربما أربعة أيام أو خمسة.
أربعة أيام أو خمسة، لم يكن كافيًا زمن الشكيمة والبأس، فالحصاد كان وافرًا. لهما الاثنان، تلك السنة، كان الحظ حليفهما. تلك السنة، وُلد ابنهما، الحامل لكل آمال العالم، وطفح القمح. كل هِبات الله هذه دفعة واحدة! كل رغباتهما أُشبعت! عادا إلى العمل، وبعد قليل، جاءت بناتهما الصغيرات الثلاث لعونهما. "عونهما" لم تكن الكلمة الصائبة، بقدر ما كن لعوبات، مسرورات، ضاحكات، مضحكات. كانت الصغيرات الثلاث يزعجن بالأحرى أبويهن في أدائهما، فتركها سيف تفعل ما تفعل، قططه الصغيرة، وعلمتهن جميلة كيف يقطعن سنبلة، بحنانِ الحَنون، وكل منهما يضرب موالاً:

عيونك أحلى من نبعات الميّ
وخدودك حبات تفاح أحمر ما تقول أيّ
وشفايفك جروح نسمات الليل
أفديها بعينيّ
أوف... يابا!
.....................


يتبع الحلقة العاشرة





#أفنان_القاسم (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العجوز الحلقة الثامنة
- العجوز الحلقة السابعة
- العجوز الحلقة السادسة
- العجوز الحلقة الخامسة
- العجوز الحلقة الرابعة
- العجوز الحلقة الثالثة
- العجوز الحلقة الثانية
- العجوز الحلقة الأولى
- العجوز مقدمة الطبعة الجزائرية
- العجوز مقدمة الطبعة الفرنسية
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة
- موسى وجولييت الفصل الرابع والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الخامس والثلاثون والأخير
- موسى وجولييت الفصل الثاني والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الثالث والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الحادي والثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الثلاثون
- موسى وجولييت الفصل الثامن والعِشرون
- موسى وجولييت الفصل التاسع والعِشرون
- موسى وجولييت الفصل السابع والعِشرون


المزيد.....




- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...
- ياسمين صبري توقف مقاضاة محمد رمضان وتقبل اعتذاره
- ثبت تردد قناة MBC دراما مصر الان.. أحلى أفلام ومسلسلات عيد ا ...
- لمحبي الأفلام المصرية..ثبت تردد قناة روتانا سينما على النايل ...
- ظهور بيت أبيض جديد في الولايات المتحدة (صور)


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - العجوز الحلقة التاسعة