أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وجدان عبدالعزيز - الشاعر صابر العبسي : يفترض ويرفض الافتراض














المزيد.....

الشاعر صابر العبسي : يفترض ويرفض الافتراض


وجدان عبدالعزيز

الحوار المتمدن-العدد: 4456 - 2014 / 5 / 17 - 10:54
المحور: الادب والفن
    


في كل صباح .. اتفقد اوراد الحديقة وتلك اليمامة والعصافير الجميلة التي ما انفكت تطلق زقزقاتها بفرح الصباح، هكذا كنت، اتنقل بين الحديقة، وبين اوراقي .. ليكون الشعر احدى الواحات التي تُنعم عليّ بوافر المتعة ورونق القراءة .. وصرت هذه المرة امام قصيدة (بوسعك رسم الفراشة) للشاعر التونسي صابر العبسي في مجرة البحث الجمالي عن حقيقة الكون والوجود ..والحالة العبثية التي تصاحب المخلوق الادمي .. من هذا اجد الشاعر العبسي يحاول محاكاة الطبيعة بعيدا عن المخلوق الادمي في محاولات جادة، للانتقال من حالات الرفض الى حالات القبول .. وكان قلق الشاعر في خلق نموذج جمالي طبيعي بالابتعاد الافتراضي عن المجموعة البشرية التي لوثتها ارادات مضادة لارادة الانسان المخلوق من الجمال .. كما قال الله عنه في محكم اياته : "وخلقنا الانسان في احسن تقويم" (وعجيب ذلك الانسان ، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به ، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية ، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء ، بل يضفي عليها من خياله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلئ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال)1، وهكذا بهذا التصور وجدنا الشاعر العبسي قلقا يبحث عن البدائل ويحاول الهروب من الواقع .. يقول العبسي :

(بوسعك رسم الفراشة
لكن عليك ألا أيها الطفل
ألا تفكر فيمن تحب من الآدمين
لكي لا تشوهها
ولكي لا تحملها ما يهشم ضحكتها
ويخلّ بأجراس خفتها
بوسعك رسم الفراشة
لكن ستحتار حتما
ستحتار
كيف ومن أين تأتي اليها بأشهى رحيق
وكل الورود اختفت!
بوسعك رسم الفراشة
ثانية
ثم ثالثة
ولكن ستحتار حتما
ستحتار كيف ستغسل أطرافها بالمياه
وكل المياه العفيفة قد نضبت)

وهنا تجسم قلق العبسي في البحث عن الحقيقة، لنجد ان (قضايا الانسان في وجوده وتطوره وقدره وبالتالي معرفته، هي هموم الانسان الاعمق فيما لو نزع عن ناظريه اغشية حياته اليومية وركامها وغبارها، فابصر خلف كل عارض او اشكال يعرض له او يواجهه هناك "جوهر" أعم)2، وبما ان الشعر عالم افتراضي، يلعب الخيال الدور الفاعل في صناعة تصور الشاعر، وتكوين رؤيته تجاه الواقع، وانفعالاته الغير مبررة احيانا .. ولهذا جاءت قصيدة (بوسعك رسم الفراشة)، تحمل لوحة من الرفض مسكونة بالوان المحاولات العديدة، لاستعادة ما هو مفقود .. ويبقى البحث عن الجوهر والروح .. بحث مضني افتراضي .. يقول العبسي : (كيف ومن أين تأتي اليها بأشهى رحيق/وكل الورود اختفت!)،هل هي دعوة تشاؤمية من لدن الشاعر .. ام هو يعيش حالة الافتراض، لجعل الروح في فراشة مرسومة .. هذه حالة رمزية .. محاولة لتأصيل حالة الرفض التي اكدناها سلفا . يقول الشاعر في موضع اخر :

(أيها الطفل تلك الفراشة
صوتك،
أمك،
أرضك،
روحك،
هالكة لا محالة
حتى اذا ما تجاسرْتَ
في رسمها عنوة
مرة تلو أخرى فلا لن تطير
وإن هي طارت مزغردة
سوف تحتضن النار محرقة نفسها
في زجاجة مصباح كوخك
تلك الفراشة هالكة لا محالة
لا تبتئس!
أيها الطفل كفّ عن الرسم
كف عن الحلم واخرج من البيت)

اذن هي ليست فراشة، هي عوالم حياة يحاصرها الموت .. افتراضات تحلق فوق الواقع المرفوض من قبل الشاعر .. فيها حوار ذاتي موضوعي، فـ(النص الشعري الحديث حوار دائم ودينامي مع الاشياء، حوار ثر مبني على ديالتيك خاص، مشحون بقيم اصيلة تتسم بالتشابك والعمق والتعقيد، يقوم بمهمة تشكيل النسيج الداخلي عن طريق ربط الاجزاء المتوازية والمتقاطعة والمتضادة في النص الشعري، وينعدم في هذا الحوار ذلك التواطؤ التقليدي القائم بين عالم القصيدة ومساحة الفاعلية الذهنية المستقبلة عند المتلقي، والمعتمدة على خاصية الاشباع المحايد لمراكز الانتظار والتوقع فيه، لذلك فهي تصدم ذوق المتلقي التقليدي بما لاينتظر ، بمعنى ان المتلقي سيفقد فيها لذة تعود عليها، وتأسس نمط ذوقه على اساسها، لذلك فانه سوف يحتاج على هذا الاساس نوعا من تطبيع العلاقات مع عوالم النص الشعري الحديث،الذي ينهض بذوق المتلقي ويرتفع به الى مناطق جمالية طرية وطريفة ومباغتة، تضج بسحر غير قابل للنفاد فيكبر وعيه نحو استثمار قدرات العقل على نحو اكبروافضل واكثر جذبا ومتعة. على هذا الاساس يخرج النشاط الشعري من اطار اشباع الحاجة، فليس هو تمرينا جماليا مجردا، انما هو فعل خلاّق خصب، يلد قدرة لامتناهية على الابداع والخلق واستمرارية الانجاز)3، وهكذا يبقى الشاعر صابر العبسي في حوار دائم مع الطفل ومع اشياء المحيط في تصورات افتراضية ترفض الواقع ..

مصادر البحث :
1 ـ كتاب (فلسفة الجمال) د.أميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص26
2 ـ كتاب (في الأدب الفلسفي) / الدكتور محمد شفيق شيّا / مؤسسة نوفل ـ بيروت ـ لبنان ط1لسنة 1980 ص38
3 ـ كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م ص9
4 ـ قصيدة (بوسعك رسم الفراشة) للشاعر صابر العبسي



#وجدان_عبدالعزيز (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرأة الطروحات في كتاب ( اجندة نسوية) للناقدة عالية خليل
- معاني متخفية في صور متحركة /ديوان (ناي الغريبة) أنموذجا
- الشاعرة سيدة بن علي تحاول احتواء غربة المكان بتأمل اصيل
- مخاض الحيرة ورسالة الحب في ديوان (كوميديا الذهول)
- لتجليات الجسدية والايروتيكية وتمظهرات الغياب والحضور في الشع ...
- الاستثمار والتحول في رؤى الشاعر نمر سعدي
- حنان بديع بين الهجوم ضد الاستلاب والبحث عن الجمال
- الفن ولذة الحياة عند حيدر عبد الله الشطري
- وجيهة عبد الرحمن تصعد مع المطر وتنزل مع الحب
- ديوان (ألم المسيح ردائي ..) وانساقه الثلاث
- عدنان عزيز دفار في رماد السنين بين أضرحة الوجع وصهيل الأماني
- رائدة جرجيس نرجسة شعرية مضمخة بالقلق
- قبعة حميد المختار شعريا نموذج القراءة قصيدة علي الأمارة
- تبقى الشاعرة ذكرى لعيبي في الآن ولا تنسى الآوان
- سوسن السوداني عندها الحب هو الامل قصيدة (ترخيص منتصف الليل)أ ...
- الموضوعي الذاتي في شعر بارقة ابو الشون
- ضحى بوترعة تهمس لك ارتحالاتي
- توالد المعنى ما بين الحرف والنقطة قراءة في ديوان(شجرة الحروف ...
- امل جمال لاتمل احضان الشعر
- بين رائحة الحبر وشاشة الحاسوب


المزيد.....




- تعرفوا على كارلو أكوتيس.. أول قديس كاثوليكي بالجينز من جيل ا ...
- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وجدان عبدالعزيز - الشاعر صابر العبسي : يفترض ويرفض الافتراض