محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن-العدد: 4427 - 2014 / 4 / 17 - 23:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من الصعب تصور كيف يمكن للمؤسسة العسكرية أن تنهض بمصر وتحل مشاكلها الاقتصادية والمجتمعية العويصة والمعقدة من خلال انتخاب السيسي رئيساً لمصر في الوقت الذي يقر فيه كل المؤرخين المستقلين والمحايدين بأن هذه المؤسسة ذاتها كانت وراء معظم هذه المشاكل سواء كان هذا بقصد أم بغير قصد.
وعندما نتحدث عن المؤسسة العسكرية فإننا نعني سياسات وتوجهات وقيادات هذه المؤسسة وليس الجيش نفسه بجنوده وضباطه ومعداته. وعلى سبيل المثال فإن نكسة 1967 لم تكن لتقع لو أن المشير عبد الحكيم عامر وضباطه كانوا غير منشغلين بالنساء ورئاسة اتحاد كرة القدم والأندية الرياضية والفنانات والمطربات. وباختصار فإن الجيش المصري ظلم وأهين وقتها بوضعه تحت إمرة مثل هذه قيادات وتوجهات. -
ولكن عندما تفرغت قيادات المؤسسة العسكرية لشؤون الجيش بعد تطهيره من عامر ورجاله، نجح ذات الجيش في تحقيق واحدة من أعظم الإنجازات العسكرية في العصر الحديث ألا وهي حرب العبور في عام 1973.
وإن عادت الأمور الى التدهور مرة أخرى عندما تولت قيادات المجلس العسكري إدارة شؤون مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 وخلع الطاغية مبارك حيث لم يدخر هذا المجلس بقيادة كل من المشير طنطاوي والفريق عنان جهداً في وأد كل أحلام وآمال الشباب الذي قام بهذه الثورة بل أنه تعمد قتلهم واعتقالهم وانتهاك عذريتهم كما لجأ الى كل الحيل لحماية مبارك وأعوانه وكل رموز عهده البائد. وفي النهاية فشلت الثورة وتم تسليم بقايا أشلائها لجماعة الإخوان المسلمين لتأتي على ما تبقى منها و تحولها من ثورة شعبية الى ثورة دينية كاذبة ومشوهة المعالم والرؤى لينتهي مسلسل الانهيار بانتصار الثورة المضادة وترحيب الأغلبية الشعبية طواعية بعودة دولة العسكر والأمن مفضلين الاستقرار والعيش على الديمقراطية والحرية والكرامة والمساواة ودولة العدل والقانون.
ولأن السيسي هو مرشح المؤسسة العسكرية وممثلها في رئاسة مصر فإنه من الأرجح أن يستمر سيناريو تدهور أداء الدولة المصرية ومعاناة الناس. ومن باب التذكير فإن عند قيام ثورة يوليو عام 1952 تحت قيادة عبد الناصر كان مستوى التنمية الاقتصادية ومتوسط الدخل الفردي في مصر يعادل نظيره في كوريا الجنوبية. وطوال رحلة الستين عاماً الماضية كانت المؤسسة العسكرية والمخابرات والأمن السياسي هم الموجهون والمتحكمون في كل مفاصل الدولة المصرية وعلى يدهم كانت التعيينات في الحكومة ومعظم المناصب الحساسة في أجهزة القضاء والأعلام والتعليم لا تتم إلا من خلال أجهزة المخابرات والأمن والمعيار الأساسي في المفاضلة بين المرشحين لتولي هذه المناصب كان دائماً الولاء والمداهنة وليس الكفاءة والاستقامة.
ومن ثم فليس من المستغرب أن يتدنى متوسط الدخل الفردي في مصر إلى 14 نقطة بمعيار ال "PPP "العالمي purchasing power parity” " وهو معيار نفضله نحن الاقتصاديون على معيار متوسط الدخل الفردي من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يأخذ معيار ال PPP” " معدل التضخم ومستوى المعيشة في الاعتبار.
وحسب هذا المعيار فإن متوسط الدخل الفردي في الولايات المتحدة يعتبر هو المعدل المعياري على مستوى العالم ويعطي 100 نقطة وتحصل الدول ذات مستوى الدخل الأعلى من أمريكا على أكثر من 100 نقطة والدول الأقل مستوى على اقل من 100 نقطة وهذه بعض الأمثلة:
كوريا الجنوبية 63 ، اسرائيل 62 ، سويسرا 107 ، النرويج 127 نقطة. ومرة أخرى فإن كوريا الجنوبية التي كنا نعادلها في الدخل منذ 60 عاماً أصبحت تتفوق علينا بأربعة أضعاف ونصف الضعف الآن كما أن احتياطيات كوريا من النقد الأجنبي تقدر الان ب 320 بليون دولار بينما لم تتجاوز مثيلتها في مصر 37 مليار دولار قبل الثورة والآن تبلغ 16 مليار دولار فقط. ولا يوجد بكوريا مواطنين تحت خط الفقر العالمي بينما يرزح نحو 45 مليون مواطن مصري تحت هذا الخط، وبالطبع فإن المسئول عن كل هذا التدهور الفاضح في مستويات المعيشة في مصر هم العسكر ابتداءا بعبد الناصر وعامر وانتهاءا بمبارك والطنطاوي بكل فلسفتهم وتوجهاتهم البائسة في الحكم.
وعلى ما يبدو فإن المؤسسة العسكرية الحالية قد فوجئت بثورة 25 يناير 2011 الشعبية والتي هددت في لحظة ما استقلال هذه المؤسسة عن الدولة المصرية خاصة فيما يتعلق بالإمبراطورية المالية الضخمة التي تمتلكها هذه المؤسسة داخل وخارج مصر والتي لا تدخل في ميزانية الدولة المصرية ولا تخضع لأي رقابة وتتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية كاملة وبالإضافة الى كل هذه المزايا فإنها تحصل على النصيب الأكبر من المعونة الأمريكية السنوية لمصر كما يحصل المجندون بها على رواتبهم من ميزانية الدولة المجاورة المسماة بمصر.
نقول إنه في اللحظة التي انضم فيها الإخوان المسلمون لثورة يناير ونجاح الثورة في اجبار العسكر على خلع مبارك وبدأت المظاهرات ضد أخطاء وانتهاكات العسكر في فترة توليهم الحكم بقيادة الطنطاوي، استشعر العسكر خطر احتمال إجبارهم على أن يكونوا جزءاً من الدولة المصرية فلجؤا الى التحالف مع الاخوان المسلمين من خلال اغرائهم بالسيطرة على المجالس النيابية والسلطة التنفيذية مقابل إخراجهم من التحالف الثوري.
ولأن الاخوان المسلمين حركة سياسية انتهازية بامتياز فإنهم لم يترددوا كثيرا في التحالف مع العسكر وخيانة الثورة. والبقية معروفة حيث نجح العسكر في وأد الثورة بعد إخراج الإخوان منها ثم انقلبوا على الإخوان أنفسهم وأخرجوهم من الحكم بشكل مهين.
وعلى عكس كل المصريين الذين لم يتعلموا أي شيء من تاريخهم الطويل مع العسكر فإن العسكر تعلموا الكثير من ثورة 25 يناير وهاهم ينجحون في غسل عقول المصريين بإقناعهم بأن السيسي هو سوبرمان العصر كما هو واضح في اللعبة الإلكترونية المنتشرة حالياً في مصر ويظهر فيها السيسي كمنقذ لمصر من كل الشرور التي تحيط بها وأن بدونه سوف يحل الخراب والفوضى بمصر.
وتعلم العسكر أيضاً أن يحصنوا كل مزاياهم ومناصبهم من خلال تضمين الدستور الجديد لمصر لنصوص تؤسس لاستقلال دولة العسكر وتحصين قيادتها ضد العزل السياسي والملاحقات القضائية من جانب الدولة المصرية، بل وإخضاع مواطني هذه الدولة المغلوبة على أمرها للمحاكم العسكرية إذا ما تجرأ أحدهم على التفوه بأي شيء في حق دولة العسكر وبهذا منح العسكري وحده حق تلقيننا كيف نفكر وماذا نكتب.
وما تتلقاه مصر أو بالأحرى المجلس العسكري هذه الأيام من دعم مالي من دول الخليج ما هو إلا ثمن اعتقال الفكر وحرية التعبير حتى لا ينتشر في اتجاهات غير مستحبة. والثمن محدد بدقة بحيث لا يمكن مصر من النهوض والسير إلى الأمام كما أنه لا يسمح لها بالسقوط في هوة الإفلاس. الثمن يمكنك فقط من الجلوس مكانك.
كما نجح العسكر في تمرير كل القوانين المقيدة لحق التظاهر وحرية التعبير وحماية الفاسدين الذين يدخلون في صفقات مع الدولة ويتم اكتشاف أمرهم. والعسكر في هذا مدينون بالكثير للرجل الطيب المقيم حالياَ في قصر الرئاسة والذي يسميه البعض ظلماً بالطرطور.
ولأن فعل الكتابة في النهاية لا يزيد عن أنه مجرد رأي واجتهاد، فإننا نتمنى أن يكون تحليلنا السابق خاطئ وأن يكون المصريون الذين يرقصون ويغنون للسيسي هذه الأيام على حق وأن يكون السيسي هو بالفعل المخلص المرسل من السماء لإنقاذ مصر والمصريين من الانهيار الاقتصادي والفوضى وعدم الاستقرار وأن نرى على يديه نهاية للعنف وعمليات القمع العشوائي وحالة التوحش التي تسيطر حالياً على الشرطة بشكل لم تشهده مصر في تاريخها.
حمى الله مصر وشعبها الطيب.
محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي مصري
#محمود_يوسف_بكير (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟