أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح سعيد - في صوفيا قبل 53 عام ... وحقيبتي المعدنية .














المزيد.....

في صوفيا قبل 53 عام ... وحقيبتي المعدنية .


صالح سعيد

الحوار المتمدن-العدد: 4311 - 2013 / 12 / 20 - 03:38
المحور: الادب والفن
    


في 17 كانون الاول، سنة 1960 و صلت صوفيا، و معي حقيبتي المعدنية. تلك الحقيبة الكبيرة التي رافقتني برحلتي من الموصل الى بغداد قبل مجيئي الى صوفيا بأشهر عديدة. كانت الحقيبة كبيرة بشكل غير مألوف. مصنوعة من صفائح معدنية، مصبوغة بطلاء ملون، مضلعة الغطاء. كان وزنها لا يقل عن عشرة كيلوغرامات، أو يزيد. كانت حقيبة ليست كباقي الحقائب، إستعملتها كسرير، لأيام عديدة، الى أن اسعفني أخي بسرير سفري عسكري. كان ذاك ، حين هجرة الشيوعيين من الموصل الى بغداد و مدن أخرى، خوفا من إنتقام البعثيين خلال عام 1960.

في صباح 17. 12. 1960، و صلت الى القسم الداخلي، 4 كيلومتر، واصر سائق التاكسي، أن ينزل الحقيبة لوحده، من المقعد الخلفي، لسيارة الفولكا، إذ ضاق بها صندوقها على وسعه. حينما حاول ان يضعها على الرصيف، لامست إحدى زوايا الحقيبة باب السيارة، فأحدثت فيه، ثقبا و شرخا وا ضحين. إحتقن وجه السائق غضباً، و أخذ يتمتم بكلمات لم أفهم منها شيئا آنذاك. بعد زمن، تصورت مدى السب و الشتائم التي كالها السائق المسكين، لي ولحقيبتي ولساعة النحس التي أقلني بها، من محطة القطار الى ذاك المكان. لكم أن تتصورا مدى وزن وحجم وضخامة تلك الحقيبة وصلابة معدنها. ولكم أن تتصوروا ايضاً، مدى حرصي عليها و تمسكي بها، و صراعي لنقلها على الدراجة الهوائية، من محطة القطار ، الى وسط بغداد، والى أن وجدت غرفة للإيجار. الحقيبة ضمت كل الحاجيات التي جلبتها معي من العراق. كل ملابسي التي كنت أستعملها في العراق، بالإضافة الى سترتين و معطف ( لنكه ، بالا) مستعملة، و نصف فروة, وملابس داخلية شتوية، لم أكن استعملها في العراق، و ما هب ودب. بالإضافة الى كل هذا، أصرّت الوالدة، أن آخذ معي، باصطرمة، كان أهل الموصل يعتبرونها آنذاك، من مفاخر المأكولات الشتوية، التي تُصنع في المنازل. و الكليجة، و الحّت أن تزودني بكبة مصلاوية، لا أتذكر عددها،
وبعد رفضي أخذ كل الكمية و تنازلها هي ايضا، اخذت كبتين فقط، على أمل ان أرميها بأول فرصة سانحة. بعد ان تحرك القطار بساعات، شعرت بجوع، تذكرت الكبة، فأخرجتها من الحقيبة، و أكلتها بنهم، مع نزيلي في الكابينة ، عبد العظيم، الذي كان يقصد يوغسلافيا للدراسة. حينما نسبوني الى غرفة في القسم الثاني، دهشت من ضيقها، اربعة أسرة و شماعة ملابس واحدة فقط . لا دواليب و لا درج لحفظ الملابس و لا هم يحزنون. في ذاك الزمن، لم تكن تلك النواعم الصغيرة، أن تحدث خدشا خفيفا بإيماننا الراسخ في البلد الاشتراكي، بلد جورجي ديمتروف، بطل محكمة لايبزك، و صاحب اطروحة الجبهة الوطنية. في تلك الغرفة الصغيرة، وضعت حقيبتي الحديدية تحت سريري، و صُنت ملابسي و حاجياتي وبعض لوازمي الدراسية، لسنوات طويلة، سليمة و نظيفة. و حين آن الأوان للتخلص منها، لثقلها ولكبر حجمها، أودعتها في مخزن القسم الداخلي الاول، و إنتقلت للعيش في المدينة، إلا ان الإدارة استدعتني وطلبت مني أخذ وديعتي. اخذتها و خرجت و انا بحيرة من امري، وما عساي ان افعل بها, و اذا بزميل يقترح علي ان يتوسط ، لدى مدير القسم، ليقبلها هدية، وافقت على الفور، وهكذا تركتها بسرور و انصرفت. لكن بعد انتهاء الفصل الدراسي، نُقل مدير القسم، والمدير الجديد، يبعث بطلبي، لكني أدركت قصده، و لم أذهب و لا أعلم لحد الآن من اخبر المدير الجديد عن علاقتي بالحقيبة، تلك الحقيبة التي كانت ايام زمان، أغلى حاجياتي.



#صالح_سعيد (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مظاهرات العاطلين عن العمل: صرخة غضب!
- في خضم المناقشات الدستورية: دفاعا عن العلمانية في العراق
- العاطلون عن العمل : بحث وراء النور في نفق مظلم
- الحركات الاسلامية في العراق: بين مناهضة امريكا والتعاون معها


المزيد.....




- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح سعيد - في صوفيا قبل 53 عام ... وحقيبتي المعدنية .