حسين عجيب
الحوار المتمدن-العدد: 1225 - 2005 / 6 / 11 - 10:40
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
المعارضة السورية وعقدة ستوكهولم
(الهامش يلفظ المركز)
من نافل القول أن موقف الأغلبية المطلقة من السورين, يتسم باللامبالاة تجاه ما يجري في الداخل والخارج, وبالخصوص تجاه المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث,
فالاهتمام بنتائج الدوري السوري لكرة القدم تفوق الاهتمام بما جرى بالأمس واليوم, في سوريا وفي لبنان وفي العراق وفلسطين, ويمكن ملاحظة ذلك والتأكد منه في جميع المدن والقرى السورية. ذلك الموقف الحكيم لم يحصّله السوريون بالتحليل المنطقي, وباختيار المناسب من البرامج والخطط المطروحة من قبل السلطة أو المعارضات أو مشاريع الإصلاح من الخارج, لقد توصّلوا إليه عبر التجربة المرّة والمريرة, وفهموا الخلاصة الذهبية" كل مشاركة سينجم عنها خيبة أمل على الأقل" عدا الخسارات, و في تجنب ذلك موقف حكيم, ينمّ عن تعلّم الدرس, ولو سمّي ذلك انسحابا أو هروبا.
هدف السلطات وأهل الحكم في كل زمان ومكان, تمديد فترة السيطرة والتحكم, أطول مدى ممكن, وينحصر الاختلاف في وجود قوانين وقوى معارضة, تعمل على الحدّ من السلطات الممنوحة لأهل الحكم, وكذلك تحديدها بمدد زمنية لا تقبل المدّ والإطالة.
الحكومات السورية المتعاقبة منذ الاستقلال تتحمل مسؤولية الخراب العام الحاصل اليوم بالدرجة الأولى, تتدرج المسؤولية بعد ذلك حسب الموقع والموقف والدور, وتشمل جميع السوريين, بمفهوم البيت الكبير والمركب المشترك.
*
تسمية"معارضة سورية" عامة وعائمة ولا تدل على قوى وبرامج ومشاريع, باستثناء جماعة الإخوان المسلمين, و بقية الفصائل البعثية واليسارية التي حاولت تشكيل حركات وجماعات سرية, خلال العقود الماضية وشاركت تبعا لذلك في خراب اليوم.
تسمية المعارضة كرّسها الإعلام العربي والفضائيات بالدرجة الأولى, وعلى ما فيها من تشويش وغموض, تبقى في إطار التعبيرات المقبولة لعدم توفر صيغ وعبارات أكثر وضوحا ودقة, لكن المشكلة في التحريف والتزييف الناجمين عن الجهل بالوضع الداخلي السوري, وهذه المشكلة تمثل جناية الإعلام على الثقافة والمعرفة, في خلق واقع بديل وليس موازي فقط, واقتصار التعامل مع القناع والخطاب بدلا عن الفرد والمجتمع كما هم عليه في الحقيقة والواقع. المعارضة تسمية لأفراد وجماعات وتيارات, المشترك الوحيد بينهم, هو الموقف من السلطة وكرسي الحكم.وما تزال الحالة القائمة منذ عقود: الأغلبية المطلقة في واد, والسلطة والمعارضات والنخب والثقافة في واد آخر.
تركّزت السلطة في دائرة صغيرة مركزها الزعيم أو القائد, وامتزج الاقتصاد بالسياسة بالثقافة مع الإعلام والقضاء والتعليم في دائرة تتقلص باستمرار, وتحصر خارجها.
المطالبة أو الرغبة في تحويل سوريا من الشرعية الثورية وسوريا الثورة إلى الشرعية الدستورية وفصل السلطات وتعددها مع حرية الإعلام والتعليم واستقلال القضاء, يعادل المطالبة بالانتحار الذاتي على المستوى السياسي, وتغيير الذات على المستوى المعرفي والأخلاقي والثقافي. وبعبارة أخرى يعادل الانتقال من الموقف الأيديولوجي إلى الموقف النقدي, لا بديل عن ذلك للسلطة أو المعارضة للانتقال إلى جهة الأغلبية.
نعرف أن ذلك غير ممكن وغير مطروح وغير مفكر فيه.
تمركز السلطة والثروة والنفوذ وتوريث ذلك, ما زال القانون السوري الأول الذي تتقاسمه السلطة مع المعارضة مع البقية. الموقف النقدي ممسوخ ومحّول إلى تصدير العنف للآخر والمختلف أو تجاهله وإهماله, والجملة النقدية غائبة أو بالأصح لم تكتشف بعد في ثقافة السلطة أو المعارضة, ذلك يفسّر سيادة وشيوع المطلقات في سوريا لجهة المطالب أو المشاريع أو الخطب, ويبرر بقاء عادة القراءة ملازمة للبدعة الغريبة والمستهجنة في ثقافتنا وأخلاقنا.
تحوّل الرهينة إلى تابع ونسخة مطابقة للمرتهن القوي, تنتج قيمه وتنفذ رغباته بشكل لا واعي, هي العلاقة الوحيدة التي تحكم حامل عقدة ستوكهولم ومسببها, وهي العلاقة الواضحة بين السلطة والمعارضة اليوم في سوريا, ونحن على أبوب اختتام مؤتمر البعث العاشر, لا أعرف فعلا وحقيقة على ما يختلف المعارض أو الموالي, بشأن
المتغيرات الدولية والإقليمية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونشوء حكومات منتخبة في فلسطين والعراق, والأهم المشاريع والخطط والحلول الواقعية للداخل السوري, حيث مشاكل الفقر والبطالة والأمية والتعصب والجهل,خارج اهتمام السلطة أو المعارضة.
الحكمة السورية تختصر الوضع بمجمله في عبارة: دود الخلّ منه وفيه.
*
السلطوي السوري يماثل الأب السادي, هو يشترك مع بقية أفراد الأسرة بالجينات واللغة والثقافة,وهو لا يعي سلوكه الوحشي والمرعب لأبنائه, بل يستغرب عقوقهم والانحراف الدائم في تعاملهم المشترك, هو لا يدرك أنه سبب المشكلة.
المعارض السوري يماثل الأخ المغرور, ينازع الأب الظالم على السلطة والتحكم, ويشاركه احتقار بقية أفراد الأسرة, يستغرب بدوره قلّة الاحترام من البقية, فيكتفي مثل الأب بالطاعة, الطاعة والخوف في اتجاه والمحبة والاحترام في اتجاه معاكس.
حاجة الصغار للطعام والشراب والدواء وبقية الحاجات الضرورية, تدفعهم للتملق والخداع, ومع الزمن المديد وتتالي الأجيال,تتحوّل العادات المؤقتة إلى قيم ومنظومة سلوك مغلقة, يدفعها الضمير والحسّ الطبيعي بالكرامة إلى الأغوار السحيقة للنفس,
هكذا صرنا في سوريا: حكّام ومعارضة ونخب وأكثرية صامتة, نتبادل الاحتقار المضمر ونستمر في تخريب بلادنا, بعدما خسرنا التقدير الذاتي واحترام الآخر.
علاج فرد يشكو من عدم التكيف, يحتاج إلى تغيير نظام الأسرة بمجمله, أن يشفى الأب من ساديته والأم من استحوازيتها والأخ الكبير من غروره وأن يستعيد المريض الثقة بالنفس بعد ذلك, ليتمكن من المشاركة وتأدية دوره الطبيعي في الحياة والمجتمع.
ويبقى السؤال المعلق فوق الشقاء والزمن:من وكيف ومتى!؟
متى يتم الاعتراف من السلطة والمعارضة,بهذا الشعب أو المجتمع أو الأغلبية, هذا المريض الرسمي المهمّش والمحتقر والذليل والمحروم والمتعصب, متى يتم الانتقال من وصفه بالعظمة والإباء, إلى الإقرار بالواقع ليصار إلى البدء بمعالجته ومساعدته, مشروع الشرق الأوسط الكبير حتى اليوم هو أفضل الموجود,هو أقل من المطلوب ويضمر التعالي والفوقية, لكنه يعترف بالمعاناة والشقاء في هذه البلاد, وكل إضافة عليه تستحق الاعتراف و الشكر, لكن أن يلغى بعملات زائفة مثل المصلحة العليا والكرامة الوطنية والمجد والفخار .. إلى آخر اسطوانة التضليل والخداع, تلك هي الخسّة أو الغفلة بأكثر الصيغ وضاعة .
اللاذقية_حسين عجيب
#حسين_عجيب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟